تتفاقم فضيحة الأنظمة العربية يوماً بعد يوم، من الإمارات حتى المغرب، مروراً بدويلات ودول أخرى، تتزاحم في طابور مطأطئ الرأس والضمير، أمام بوابات العدو الصهيونية، متذللة، أو مغترة بمكانة وهمية لها ودور تحت سماء هذا الكون. تتفاقم فضيحتها وهي تعبر من تحت قوس العنصرية واهمة وحالمة أن في ذلك حماية لها، ومتناسية أن كل ما تفعله هو محاولة يائسة لإطالة عمرها من قبل كيان لا عمر له، كيان تثبت الوقائع يوماً بعد يوم أنه يتهاوى، وأن العالم ضَجِرَ منه ومن قبحه ودمويته وتسلّطه واستعلائه، لا على الفلسطينيين وحدهم، بل على الدنيا بأكملها.
من المخجل أن اندفاع هذه الأنظمة العربية لاحتضان هذا الكيان اللقيط، تأتي في لحظة يستيقظ فيها الضمير الإنساني، مُدركاً أن لا مكان لهذا القبح تحت الشمس.
في الندوة التي عقدها المتحف الفلسطيني «بلدٌ وحدُّهُ البحر» قال الصديق أنطوان شلحت، أحد أهم الباحثين في الشأن الصهيوني، إن خمس روايات إسرائيلية ظهرت مؤخراً، وكلها تتنبأ بنهاية وشيكة لهذا الكيان، ومن اللافت أن إحدى هذه الروايات كتبها أحد الجنرالات الصهاينة المتقاعدين.
إن هذا الهلام العربي الزاحف لاحتضان الصهيونية للاحتماء بسقفها الآيل للسقوط، جاء في الزمن الذي مهّد الشعب الفلسطيني فيه ويمهَّد لتصدع هذا السقف وسقوطه عبر نضال باسل خاضه الفلسطينيون، هو صورة لذلك التصميم البطولي الذي مكّن أبطال نفق الحرية من أن يواصلوا العمل حتى بلوغ الشمس.
العالم يتغير، وإن كان لنا أن نرسل التحية هنا إلى أحد، فنرسلها إلى الشعب الفلسطيني أولاً، وإلى حركة المقاطعة لهذا العدو «BDS» وإلى المثقفين في كل أنحاء المعمورة، من رجال دين وفنانين ومعلمين وأساتذة وطلبة ورياضيين ومؤثرين، لم يقبلوا الانحناء لجبروت هذه العنصرية وسطوتها.
في لحظات التحول الكبرى هذه التي تغمض أنظمة التخاذل أعينها كي لا تراها، تتخذ كنيسة «المسيح» موقفاً بطولياً، بتصنيفها لإسرائيل دولة للفصل العنصري، لتكون أول طائفة دينية أمريكية في هذا الشأن، رافضة الابتزاز المتكرر: معاداة السامية.
ليس هذا فقط، بل يتصاعد الأمر إلى أن «34 بالمائة من اليهود الأمريكيين يرون أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين مماثلة للعنصرية، وأن 25 بالمئة منهم اتفق على أن إسرائيل دولة فصل عنصري، فيما أكد 22 بالمئة أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين».
وتنامى الرفض لهذا الكيان بتوقيع 100 حاخام يهودي على عريضة يصفون فيها إسرائيل بـ «الدولة العنصرية». عريضة الحاخامات اتهمت إسرائيل بخلق صور رعب تتكرر منذ سنوات في القدس والأراضي الفلسطينية: «الدم في شوارع الأرض المقدسة، النيران مشتعلة على تلال القدس، والمباني اشتعلت في غزة، العنف تصاعد في شوارع اللد وحيفا، مع كل تحديث للأخبار تُغرِق أذهاننا صورٌ جديدة، ونشعر بالحزن مراراً وتكراراً مع كل ظلم جديد.. لقد حان الوقت لمواجهة ذلك، لم يعد بإمكاننا ادعاء الجهل ونحن نرى أن إسرائيل لديها جيش يسيطر على الحدود ومسؤول عن فقدان الفلسطينيين لمنازلهم ومدارسهم وحياتهم». يجيء هذا في الوقت الذي يتذلل فيه صبيُّ الإمارات، أو سفيرها، للمؤسسة العنصرية الصهيونية ممتدحاً تسامحها ورقّة قلبها، ولو نظر حوله لرأى الدم الذي يغمر الشوارع.
أما في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، فقد «وافقت نقابة معلمي لوس أنجلوس، ثاني أكبر نقابة في الولايات المتحدة، على تخصيص ندوات وغرف إلكترونية لمناقشة القضية الفلسطينية، وسبق أن طرحت النقابة للنقاش مشرع قرار يعتبر إسرائيل دولة فصل عنصري» في الوقت الذي انصاعت فيه السلطة الفلسطينية لأوسلو وراحت تمحو فلسطين من المناهج المدرسية.
وتتقدم الأمور خطوات واسعة إلى الأمام بتصويت حزب العمال البريطاني، هذا الأسبوع، على دعم عقوبات ضد إسرائيل لارتكابها جرائم فصل عنصري، ومطالبتها بهدم الجدار، استناداً إلى دراسات إسرائيلية ودولية تشير بشكل قاطع إلى أن إسرائيل تمارس جريمة الفصل العنصري على النحو المحدد من قبل الأمم المتحدة.
كل هذا يأتي مترافقاً مع حراك يتنامى في مؤسسات تشريعية أمريكية، وتصريحات لمسؤولين، تصب في الاتجاه نفسه.
يتصاعد غضب العالم على طريق تصنيف هذا الكيان بأنه كيان عنصري، وهذه في الحقيقة واحدة من العلامات الممهدة لاندثاره، لكن فلسطين التي تتقدم واثقة بشعبها لنيل حريتها، ما زال هناك من يصرّ على وضع العصيّ في دواليب تقدمها بالسرعة المطلوبة، وتأخير وصولها إلى فجر حريتها، بدءاً من سلطة رام الله التي تهدد بسحب الاعتراف بهذا الكيان (بعد عام) في زمن يسبقها العالم ويسحب اعترافه به ككيان عنصري، بدل أن تتبنى هذه السلطة وجهة نظر العالم، بل تتبني وجهة الحاخامات الذين سبقوها بأشواط طويلة.
أما في غزة، وفي هذا الوقت المضيء فلسطينياً، فتتقدم أجهزة حماس وتعتقل وتستجوب وتهين من يرتدون الكوفية الفلسطينية، (بعد أن جرّدت سلطة رام الله الكوفية من معناها الأول: الفداء والفدائي) وحين يحاول الناطقون باسم أجهزة حماس تفسير الأمر، يظهرونه وكأنه مشادّة كلامية في الشارع، وقد كان على أحد قادة حماس الكبار، على الأقل، أن يُطلّ علينا وكوفية فلسطين على كتفيه، دافناً بذلك هذا الاعتداء على رمزية الكوفية الفلسطينية في مهده. لكن أحداً منهم لم يفعل. ألا يكفينا كيف جرّد الإسلام السياسي أمهاتنا وجداتنا وبناتنا من أثوابهن الشعبية الرائعة الجميلة والمحتشمة أيضاً، وألقى بهنّ في قعر الجلابيب السوداء، دون أن يدرك أن عدونا نفسه يسعى بكل قوته من زمن لسرقة هذه الأثواب، بألوانها كلها، وهو يحاصرنا بكل ما في الليل من سواد!
وبعـــد:
ما يدعو للغضب، أن وحدة الشعب الفلسطيني التي رسّختها الهبّة الشعبية الباسلة، من النهر إلى البحر، والتي أحدثت تحوّلاً مذهلاً في نظرة العالم لفلسطين وقضيتها. ما يدعو للغضب أن أكبر الهجمات التي تعرضت إليها هذه الهبة لإعادة تفسيخ ما التحم، جاءت من الداخل الرسمي الفلسطيني، مدعوماً من سلطة ترى في التمزق والتنسيق الأمني مشروعاً سياسياً، وسلطة ثانية ترى في الكوفية نقيضاً دينياً أو سياسيّاً!
دعوا فلسطين تتقدّم بسرعةِ توْق أسراها للحرية ودمها للتحرّر، ولا تعيقوا تقدُّمها لا باسم سلام مريض على الأرض ولا باسم نعيم بعدها.