تذهب حكومات، وتأتي أخرى، ويبقى القاسم المشترك بينها هو وجود شخصية وزارية قادرة على تحويل العمل السياسي من مجال لتقييم المنجزات العملية، إلى فضاء للتنكيت والسخرية لدى المواطنين.
إنه مشهد يتكرر باستمرار في التاريخ السياسي المعاصر للمغرب.
من قبل، كانت «القفشات» تقتصر على حكايات تُتداول عبر ألسنة الناس، أو يشاهدونها من خلال النقل التلفزيوني المباشر لجلسات البرلمان أو عبر الحوارات الإعلامية القليلة. أما اليوم، فقد صارت مستملحات السياسيين موضوع حديث للمدوّنين وشبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية.
الإعلامي والممثل الكوميدي مراد العشابي خصص الحلقة الأخيرة من برنامجه «بسيكوميديا» المبثوث على قناته الإلكترونية لإبراز تناقضات وزير مغربي حالي. مهلاً، البرنامج كوميدي ساخر بالدرجة الأولى ـ كما يوضح صاحبه في الشارة ـ إنه غير حقيقي، والأحداث الواردة فيه خيالية ولا تمتّ للواقع بصلة. ولأنه يدرك أن البرنامج ذو نقد حاد، فقد أكد على ما يلي «إذا كنتَ شخصية عمومية ونزلت لعالم الشهرة أو السياسة أو الفن، فأكيد أنك ستكون عرضة للانتقاد، لأنه من سمات الديمقراطية أن تسمع صوتا أو رأيا مخالفا رغم أنه لا يعجبك» .
العشابي استعان بفقرات منتقاة بعناية من تصريحات وحوارات الوزير المومأ إليه، خلال مرحلتين متباينتين: مرحلة ما قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة، ومرحلة الحصول على حقيبة وزارية؛ حيث بدا كما لو أن المتحدث في كل التصريحات والحوارات المسجلة صوتا وصورة هما شخصان اثنان، وليس شخصا واحدا. فالرجل انقلب بمائة وثمانين درجة عما كان يردده من مواقف وأحكام، حجّته في ذلك أن السياسة تقتضي تغيير الكلام حسب الحال والمقام، لكن الأمر راجع، في نظر الإعلامي الساخر، إلى الغرام «غرام الكراسي» الذي جعله عنوانا مفترضا لفيلم بطله الوزير نفسه!
برنامج «بسيكوميديا» ركّز كثيرا على التناقض الصارخ الذي طبع موقف الضيف المفترض من غريمه السابق عزيز أخنوش، أمين عام «التجمع الوطني للأحرار» حيث كان يجاهر برفضه المطلق، معلنا أنه ـ أي الوزير الحالي ـ لن يقبل بغير منصب رئيس للحكومة، وأن المال والسياسة لا يلتقيان، في إشارة إلى «الغريم» المذكور الذي صار يكيل له اليوم المديح، ويرمي الورود في وجهه بعدما آل إليه المنصب الرفيع المذكور!
ولأن الضيف المفترض كان مفتونا بوزارة العدل، حسب قول العشابي، فإنه ما فتئ ينتقد كل الوزراء السابقين في هذه الوزارة، فذاك: «أحمق» وآخر: «رهينة الوزارة» وثالث: «بعيد كل البعد عن وزارة العدل»؛ وهذا الثالث هو الذي خاطبه الوزير العجيب في جلسة تسليم السلط بينهما: «كنتم نِعم الوزير في رأيي!» فأي الكلام نصدّق يا ترى؟!
أما أطرف اللقطات التي تضمنها برنامج الإعلامي الساخر، فهي تلك التي تظهر ضيفه المفترض لمّا كان في المعارضة، حيث أرغى وأزبد ـ حقيقة لا مجازا ـ في وجه الحكومة السابقة، حتى خرج الرذاذ من فمه لصيقا بالصراخ والزعيق. وبدا المشهد في قمة الكوميديا والرجل ينتفض ويحرك يديه بقوة وينفخ أوداجه. أما في مشهد آخر فظهر منتشيا وهو يدافع عن الحكومة الحالية ويبرر قراراتها.
ولو استنجد صاحب البرنامج برئيس الحكومة السابق، سعد الدين العثماني الذي رجع إلى عيادته النفسية، من أجل تحليل شخصية ضيف الحلقة المفترض، لما حصل على الجواب الشافي. فالسياسة في المغرب، مجرد فرجة من نوع «مسرح اللامعقول» عبث في عبث!
«مقابلة» الظفيري مع هنية
عادت المياه إلى مجاريها بين السعودية وقطر، فعاد الإعلامي علي الظفيري إلى قناة «الجزيرة» ليقدم برنامجه الحواري المتميز «المقابلة».
طويت صفحة الخلافات بين البلدين، فظهر على القناة القطرية الإعلامي السعودي المتألق، ودشن ظهوره منذ شهرين ونيف بإطراء اعتبر فيه «الجزيرة» أكبر مشروع قومي عربي شهدته الأمة في القرن الماضي «المشروع وحّدنا وجدانيا ولغويا، كما وحّدنا من حيث الهموم والتطلعات والآمال» كما قال. وعبّر عن سعادته لكون العودة إلى قناته الأم اقترن بالاحتفال بمرور 25 عاما على انطلاق «هذا المشروع الاستثنائي الذي غيّر مجرى الأحداث في عالمنا العربي» .
في آخر إطلالته على المشاهدين، استضاف إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» الذي يقف وإخوته اليوم سدا منيعا أمام أعتى المشاريع الإمبريالية في العصر الحديث، مثلما جاء في مقدمة البرنامج. كانت الحلقتان غنيتين بالمعطيات والمواقف، وسلطتا الضوء على مسار تلك الشخصية الاستثنائية التي ختمت المقابلة بالمقولة التالية «ما دامت هناك أرحام تلد، ومواقع تخرّج الرجال، ومدارس للقادة والشهداء والعظماء، ففلسطين ستبقى حية في وجدان الشعب والأمة» .
مأتم اللغة العربية
من جديد، تعيش اللغة العربية مأتما في البرلمان المغربي، فبعدما تابع مشاهدو التلفزيون منذ حوالي عشرين يوما مسخرة نائب برلماني ارتكب انتهاكات جسيمة في أبسط قواعد اللغة والإلقاء بالشكل المعهود لدى تلاميذ الأقسام الابتدائية، جاء الدور هذه المرة على نائبة انتشرت «فعلتها» سريعا عبر وسائط التواصل الاجتماعي؛ إذ لم يستطع لسانها أن يستقيم بنطق ولو كلمة واحدة، سواء باللغة العربية أو حتى بالعامية المغربية.
لا يمكن قبول أي تبرير لعدم إتقان اللغة، فالمفروض في النائبة البرلمانية أن تستعد جيدا لطرح السؤال، وأن تكتبه بخط واضح وتشكّله وتتدرب عليه، ولم لا أن تحفظه. وإذا تعسر عليها ذلك، لماذا لم تقم بمشاركة السؤال مع نائب آخر من حزبها ليقرأه مكانها؟
كان عليها أن تأخذ العبرة من أجانب، غير عرب، يتدربون على كيفية النطق بجملة أو جملتين بلغة الضاد. فكيف لا تفعل ذلك، فقط من أجل دقيقتين أمام كاميرا النقل التلفزيوني لجلسات البرلمان؟ ربما هما أقل بكثير من دقائق وقوف المرء أمام المرآة!
للمفارقة، النائبة البرلمانية صاحبة هذه المسخرة تنتمي إلى حزب «الاستقلال» الذي ما فتئت أدبياته تدافع عن اللغة العربية.
وتزداد المفارقة غرابة كون الواقعة الحالية تأتي بعد أسبوع فقط على المذكرة التي وجهها أمين عام حزب «الاستقلال» نزار بركة، باعتباره وزيرا للتجهيز والماء، إلى مسؤولي الوزارة، من أجل اعتماد لغة الضاد في المراسلات والقرارات الرسمية، وهي المبادرة التي استحسنها الرأي العام المحلي كثيرا، خاصة وأن العديد من الوزارات تعطي الأولوية للفرنسية، على حساب اللغة الرسمية للبلاد.
٭ كاتب من المغرب