فتحي العكرمي بعد أن اندلعت الثّورات وأطاحت ببعض الحكّام فمن الضّروري البحث في بعض أسبابها والواقع الرّاهن الذي يحيط بها الآن وهو ما يُحدّد المستقبل الذي ينتظرها. كلّ تجربة جديدة في العالم الإنساني تكون نتاج أسباب متعددة ومتداخلة فما بالنا اذا كان الفعل الثوري عربيّا إذ هو انتفاض من ركام النقائص والاستبداد والعنف والتسلّط والتبعيّة وسُلطة الإعلام التابع للحكّام واليات التخويف والمراقبة والعقاب والسجون والعنف والاحتكام للواحد: الحاكم الأوحد، الحقيقة الواحدة، المرجعيّة المُثلى، الواقع الثابت، الحزب الأفضل. من سجون الأُحاديّة انتفض المواطن العربي بحثا عن فضاء جديد يتغيّر فيه الثّابت الذي لم يرَ فيه سوى الفقر والظُّلم والإكراه والخوف والصّمت المفروض بقوّة الإعلام وبعنف وسائل الدّولة المادّيّة والنفسانيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. انقسمت المُجتمعات العربية إلى مستويات متناقضة جوهريّا: الحاكمون بأمرهم، التّابعون، أولئك الذين بينهم وبين التسلّط والتّبعيّة حجاب واقعيّ سميك يمنعهم من المواطنة ويقصيهم من الدّولة. فهؤلاء المنفيون من الجسم السياسي الذي ينتمون إليه على صيغة الاغتراب وجدوا أنفسهم في مواجهة حتميّة مع مصير أرادوه مغايرا من الوضعيّة السّلبيّة التي انخرطوا فيها فكانت الأسباب التي فجّرت الثّورات:1- سبب اقتصادي مادي: انتشار البطالة وانسداد الأفق التناقض بين جهات تتميّز ببنية تحتيّة توفّر الشُّغل والاستثمار للفرد وللمجموعة، وبما أنّها موطن ولادة الحاكم والمسؤول فهي تتمتّع بهكذا ميزات، في مقابل مناطق بعيدة عن المدنيّة ومُهمَّشة فهي لا تنتمي للدّولة الا جغرافيّا.2- سبب سياسي: قتل كلّ رأي مغاير والاستبداد والتحكّم الكامل في كل تمفصلات الجهات والأرواح والأجساد والعقول واتّهام كل معارض باللاوطنية وبالعمالة لدول أجنبية وبالتطرّف وبهذا تحوّل المواطن إلى عبد تابع بإطلاق لحاكمه روحا وجسدا وعقلا.3- سبب وطني: لا يمكن للحاكم أن يستقرّ في أرائكه المُريحة إلا إذا باركته الولايات المُتّحدة المُحبّة للشعوب وشُرطيّة العالم والحريصة على المواطن العربي والموزّعة للحرّيّة بصواريخها لذلك استباحت دماء العرب وتركتهم في مواجهة مع حاكمهم فإما الخضوع له ولها وإما الموت.
هذه التّبعيّة جعلت البلاد العربيّة مزرعة أمريكيّة تجرّب فيها جديدها من أدوات القمع من قنابل الغاز إلى المُدرّعات الى السّلاح لتوفّر لبضاعتها سوقا دائمة بتواصل القمع داخل الوطن الواحد وباستمرار الحرب التي تُشعلها في كل مكان حفاظا على مواردها.
في هذا الوضع أضحى المواطن العربي لا ينتمي إلى وطنه إلاّ صوريّا فاقدا لهويته ولتاريخه ولقيمه ولموروثه ولحاضره فحتّى اللغة العربية حوّلتها العولمة الأمريكيّة الى منطوق هامشيّ في طريقه إلى الاندثار.4- سبب قومي: لم يعد الحاكم العربيّ مهموما بالقضيّة الفلسطينية لأنّ ذلك يُفقده كرسيّه ومصالحه والسُّلطة التي سيورثها لأبنائه وزوجته وأصهاره. فشُرطيّة العالم وربيبتها إسرائيل تمنعان كلّ خطاب يعترف أو حتّى يتحدّث عن هذه القضيّة أو يندّد أوينقد. من داخل هذه السّجون التي يعاينها ويعيشها المواطن لم يجد بُدّا من تثوير هذا الواقع الفاقد للشروط التي تجعله قابلا للعيش.
راهنيّة الثّورات بين الصّراع والاختلاف: بعد التخلّص من استبداد في صيغته القديمة انفتحت الثورة على وضع مفارقيّ يجسّد صراعا يظهر في: 1- المصالح المتناقضة بين التابعين للحاكم القديم الذي كان يؤمّن لهم بعض المنافع وبين من يحاول تأسيس منهج سياسي يقطع تماما معه.2- الصراع بين أحزاب سياسية أعطتها الثّورةُ مشروعيّة وجودها اذ أنّ بعضها لم يكن موجودا حين كان الاستبداد في قمّة تسلّطه، اذ هي تُصارع من أجل أن تكون قائدا له مُطلق الشّعبيّة والبديل الأمثل والقادر على تحقيق كل رهانات الثّورة وجعل البلاد ‘الجنّة الموعودة’.3- الصّدام بين منهجين متناقضين يدافع الأوّل عن مشروع عقلاني والثّاني يرى في السّلف الصّالح المرجعيّة الوحيدة الممكنة والآخر يشرّع لإسلام وسطي يوفّق بين مدنيّة الدّولة وبين مرجعيّتها الدينيّة. 4- العلاقة المتوتّرة بين القائمين على الإعلام وبين السّلطة الحاكمة فالأول يرى أنّ التحكّم فيه عودة إلى المديح وتحويل العيوب إلى مُنجزات والثّاني يعتبر أنّ وسائل الإعلام تعيق عمل الحكومة.5- البطالة وغلاء المعيشة وضبابيّة الأفق السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد بحُكم التجاذبات بين مختلف الأطياف الحزبيّة ممّا جعل المواطن الذي هو أساس الثّورة في آخر اهتمام أشكال الحُكم التي تصارع من أجل أن تقود.6- التردد بين الاستقلالية في القرار الوطني وبين الاعتماد على دول أخرى في مجال الاستثمار والمعونة والقروض مع ما يتبع ذلك من شروط. الاحتكام إلى الاختلاف أو المُستقبل الممكن: في ظلّ هذه الإرباكات وفي سياق حسابات سياسيّة تستبق الحُكم وتمتدّ إليه بكل الوسائل لا يمكن للصّراع أن يمهّد للمستقبل بما أنه يحيل على رفض الآخر المختلف واعتماد العنف كوسيلة للتخاطب والتمركز حول الواحديّة سواء اليمينيّة أو اليساريّة أو الوسطيّة، فالوقائع أثبتت ومازالت أنّ الحزب الواحد في معناه العربي يرتبط دوما بالاستبداد الناتج عن تجميع كل السُّلط بيد شخص واحد. فالصراع المحكوم بالرغبة في التسلّط يحمل في داخله أسباب انهياره لسبب بسيط هو أنّ تناسي المواطن الذي هو روح هذه الثورة معناه الحُكم دون روح أو هو قيادة دولة بمواطن هو ذاته من صنع ثورة لم تُنتج له شيئا وحصدت منها الأحزاب الكثير من الغنائم. بما أنّ الحُكم ليس تداولا على التسلّط، فان تنويع التجارب التي تتلاءم مع تجدد المجتمع وتغيّر الوضعيات الفردية والجماعيّة والمُستجدّات الحضارية والعالمية هو شرط إمكان تحقيق أهداف المواطن. فنجاح الثورة مرتبط بتحقيق رهاناتها، ومستقبلها متروك لقدرة الأحزاب على تجاوز النّقائص التي كانت سببا في الثورات بمعنى جعل المواطن المحور الأساسي في صناعة الحاضر والمستقبل.’ كاتب تونسي