د. نادية سعد الدين أعاد نيل فلسطين صفة ‘دولة مراقب’، غير عضو، في الأمم المتحدة، طرح الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية إلى الواجهة مجدداً، بصيغة توحي وكأن الاستقلال بات ناجزاً غداة التحرير وإزالة الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دعائم الدولة الفلسطينية على الأرض المتصلة بسيادتها الكاملة، غير المنقوصة.ولأن كل ذلك لم يتحقق فعلياً، فإن استدعاء طرح قديم إلى دائرة البحث الآن بما يعاكس منطق إنهاء الاحتلال قبلاً وليس بعداً، قد خلق إبهاماً حول مقاصد الداعين إليه، مع الأخذ بالاعتبار أن ثمة دوافع طيبة تستهدف تجسيد العلاقة بين الجانبين عملياً بصيغة لا تبتعد كثيراً عن طبيعة القائم أصلاً بينهما، والحفاظ على مساحة الضفة الغربية المتبقية من يدّ الاحتلال الاستيطانية والتهويدية، لاسيما مع حكومة يمينية إسرائيلية قادمة أكثر تطرفاً وغلواً، إزاء تقديرات انتخابية تعزّز فرص فوزها القوية، برئاسة بنيامين نتنياهو، في انتخابات البرلمان الإسرائيلي ‘الكنيست’، المقررة في 22 كانون الثاني (يناير) القادم.ولكن، في المقابل، تحمل دعوات الكونفدرالية، عند البعض، محظوراً سياسياً، إزاء اجترّار مقترح أمريكي إسرائيلي مشبوه، في ظل وقائع مغايرة لمفهوم الدولة المستقلة، بغرض تحقيق مرام مشبوهة وخطيرة، تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على أي إمكانية لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة، وهي، أيضاً، لا تصبّ، بطبيعة الحال، في المصلحة الأردنية.يروّج مناصرو هذا الطرح ‘لكونفدرالية’ ما بعد الخطوة الأممية، التي حقق الفلسطينيون فيها، ولاشك، مكسباً دبلوماسياً فلسطينياً، بتصويت 138 دولة من أعضائها (193 عضوا) لصالح ‘دولة غير عضو’ في المنظمة الدولية، مقابل معارضة 9، وامتناع 41، رغم الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية، المدعومة من دول أوروبية، لإفشال المسعى. غير أنه يصيّب، أساساً، مساحة ما تبقى من الضفة الغربية، المقطعة بفعل المستوطنات والطرق الالتفافية، بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة، مما يعني، عملياً، الاعتراف بشرعية وقانونية المستوطنات الإسرائيلية القائمة في الضفة الغربية والتي تأكل المساحة الأكبر منها، والتسليم ‘بالقطعة’ المجزأة الخارجة عن يدّ الاحتلال، وتحميل الأردن مسؤولية الجانب الأمني فيها، وفسح المجال أمام صيغ خطيرة تنادي بضمّ الضفة الغربية إلى ألأردن أو وضعها تحت إدارته الفعلية، وجعل قطاع غزة في إطار الإدارة المصرية، وبالتالي نفي الحق الفلسطيني في إيجاد كينونته الوطنية المستقلة وغير المصادرة بوصاية دول وأطراف خارجية، كما دوماً.كما يعني ذلك، أيضاً، إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها قسراً بفعل العدوان الصهيوني عام 1948، حيث سيكون أمام هؤلاء، عند تنفيذه، إما البقاء حيثما يتواجدون في الأردن، أي التوطين، أو الانتقال إلى الضفة الغربية، أي نسف حق العودة، عدا عن ما يحمله الطرح من محذور حرمان المواطنين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 1948 من حق الإقامة في وطنهم، حيث سيسمح لسلطات الاحتلال بممارسة ما تخطط له دوماً بتهجير تدريجي ‘ترانسفير’ لبلوغ اليهودية النقية الخالصة، وفق مزاعمها. وهذا كله يفتح الطريق أمام المقولة الصهيونية ‘بالوطن البديل’ والحلول الجزئية أو المؤقتة التي تسهل للاحتلال الترويج لدولة على حدود مؤقتة قد تلحق بالأردن، إذ لم تنفك الأحزاب الصهيونية عن تغذية منافستها لانتخابات ‘الكنيست’ القادمة بوعود التوسع الاستيطاني ورفض تقسيم القدس وحق العودة، بينما اختار رئيس حزب الاتحاد القومي وعضو ‘الكنيست’ ارييه الداد ‘الأردن هي فلسطين’ عنوان حملته الانتخابية.وبرغم الإسناد القانوني لصيغة العلاقة الكونفدرالية؛ حيث تتمتع كل من منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأردنية بصلاحيات محددة لإجراء توافق حول طبيعة العلاقة الثنائية، إلا أن الوقائع على الأرض تخالفها عملياً.فالخطوة الأممية لم تقمّ دعائم الدولة الفلسطينية على حدود الأرض المخصصة لها في العام 1967، والتي يتوالى انكماشها مع استمرار سياسة الاستيطان والاستلاب الإسرائيلية، المتواصلة منذ عدوان العام 1967 واشتدت وتيرتها بعد اتفاق أوسلو، والتي أدت إلى قضمّ نحو 80′ من مساحة الضفة الغربية، وترك أقل من 20′ فقط للفلسطينيين، تشكل 12′ من فلسطين التاريخية.وتمتد ‘البقعة’ المتبقية من يدّ الاحتلال ضمن ثمانية ‘كانتونات’ غير متصلة جغرافياً، لتشكل، مع مساحة قطاع غزة، التي تساوي بالنسبة للضفة الغربية حوالي 6,43’، قوام الدولة الفلسطينية المنشودة، وفق الرؤية الإسرائيلية للكيان الفلسطيني المستقبلي الذي لا يخرج، بالنسبة إليها، عن إطار الحكم الذاتي المعني بالشؤون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولتين إليه، بما يتناقض كلياً مع مفهوم القيادة الفلسطينية لحل الدولتين، الذي لم يبق منه ما يعكس مضمونه.وبموازة ذلك؛ يحكم الاحتلال سيطرته على المناطق المسماة ‘ج’ (وفق تصنيف اتفاق أوسلو) في الضفة الغربية، بما تحويه إمكانيات استثمارية ومائية وزراعية وصناعية، مبقياً السلطة محاصرة في منطقة ‘أ’ وهي مساحة المدن والقرى والمخيمات. فيما يمضي قدماً في نهب الموارد الطبيعية الفلسطينية، والتحكم بمفاتيح الاقتصاد والهيمنة على قطاعه، والتحكم بالمعابر والحدود والتجارة الخارجية، وحرية الحركة والتنقل وشل الحياة في الضفة الغربية بالجدار العنصري والطرق الالتفافية والمستوطنات المترامية ومحاصرة قطاع غزة وعزل مدينة القدس وحرمان السلطة من عائداتها السياحية وضربّ حركتها التجارية.أدى ذلك، بطبيعة الحال، إلى تراكم أوضاع اقتصادية متدهورة عبر السنوات، حتى بلغت حداً خطيراً، حيث تراجعت نسبة النمو في الأراضي الفلسطينية من 9′ عام 2010 إلى 3′ عام 2011، علماً بأن النمو الاقتصادي في الأعوام السابقة كان نتيجة المساعدات الدولية وليس بسبب القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.بينما وصلت البطالة في الضفة إلى 20′ وفي غزة 40’، وبلغ الفقر 30′ و47′ على التوالي، حيث لا يتعدى دخل الفرد الفلسطيني 800 دولار في غزة و1300 دولار في الضفة الغربية، مقابل 30 ألف دولار في الكيان الإسرائيلي، بما يكشف الفجوّة بين الأسعار وحجم المداخيل، في ظل مجتمع شبابي يحتاج من السلطة الفلسطينية توفير مليون وظيفة خلال 6 و7 سنوات قادمة لاستيعاب حجم الخريجين المتزايد.وأسفر تراجع دعم المانحين والإجراءات الإسرائيلية وبعض السياسات الحكومية الفلسطينية، التي تحتاج إلى مراجعة، عن عجز مالي بلغ 1.3 مليار دولار، في حين ازداد تأثير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على السياسة الاقتصادية الفلسطينية، وفق تقديرات خبراء فلسطينيين، بما تجلى ذلك في نواتج المشهد الفلسطيني الأخير الذي شهد احتجاجات وتظاهرات عارمة في الضفة الغربية ضد ارتفاع الأسعار وتضخم الضرائب والأزمة الاقتصادية الخانقة، كما تجسد خللاً في هيكلية الموازنة العامة للسلطة، حيث يذهب 34′ من إجمالي 3.6 مليارات دولار للأمن، بينما يتوزع الباقي على القطاعات التنموية والخدمية والبنية التحتية الأخرى. وهذه العقيدة الأمنية، الاستثنائية لسلطة تحت الاحتلال، تشمل حماية أكثر من نصف مليون مستعمر في 180 مستوطنة، وتأمين مستلزمات التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال. إن بحث أي شكل من أشكال العلاقة بين فلسطين والأردن، الآن، سابق لأوانه، ويضرّ بالقضية الفلسطينية وبالمصلحة الأردنية أيضاً. فالهدف الوطني الفلسطيني يصبّ أولاً في التحرير وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم، بدعم عربي إسلامي، بما من شأنه أن يرسخ قوام الدولة فعلياً ضمن حدودها التاريخية المعروفة في فلسطين المحتلة. صحافية من الأردن