الكويت: رهان على «الحوار الوطني» لتذليل الاشكاليات السياسية ودفع عجلة المؤسسات إلى الدوران مجدداً

حجم الخط
0

رعى الأمير حواراً وطنياً، فتمَّ تشكيل لجنة ضمَّت نواباً من المعارضة والموالاة ورئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، أسفرت عن صدور مرسوم بالعفو عن معارضين سياسيين بعضهم في الخارج.

الكويت ـ «القدس العربي»: في الكويت، هناك قيادة جديدة، أمير وولي عهد. هي وإنْ كانت امتداداً في الحكم، إنما تعمل بنهج مختلف مع الملفات بشكل عام. يرى مراقبون كويتيون أن أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح وولي عهده الشيخ مشعل الأحمد الصباح ماضيان في «سياسة التوازن» التي طبعت القيادة السياسية العليا للبلاد سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، ما يجعل الحديث اليوم ليس عن تغييرات مفصلية بل عن تحديات ضاغطة.

عنوان التحديات الداخلية هو الإصلاحات والحرب على الفساد. يقولُ متابعون إن الأمير رسَّخَ سياسة عصر النفقات والتقشّف في الدولة، فيما طلب ولي العهد تقييماً شاملاً لكل الإدارات من أجل إعادة الدمج أو الاستغناء عن بعضها. وكان من الطبيعي أن تفرضَ القيادة السياسية العليا أسلوبها على الإدارة ويبدأ تطبيق تصوراتها للتطوير الإداري، وفي هذا السياق جاءت القرارات التي تقتضي عدم التجديد لأي قيادي انتهت ولايته، وكذلك إلغاء رُتب «درجة وزير» التي استفاد منها سابقاً نحو 56 قيادياً في الدولة للاستمرار في العمل رغم انقضاء مدّتهم. وشهدتِ الكويت للمرة الأولى، في إطار ملف مكافحة الفساد، إجراءات قضائية وصلتْ إلى سجن ثلاثة أبناء من الأسرة الحاكمة بينهم رئيس وزراء سابق، ووزير داخلية سابق، ووكيل وزارة سابق، في قضية ما يُعرف بـ«صندوق الجيش».
وإذا كان المسارُ الإصلاحي يُلبّي مطالب شرائح واسعة من المجتمع الكويتي، واستكماله ضرورة وتحدٍ في آن، غير أن ما يُقلق الكويتيين يتمثّل بالضغوط الاقتصادية وموجة الغلاء الفاحش وفقدان القدرة الشرائية لديهم. فصحيح أن جائحة كورونا شلَّت كل مناحي الحياة، ولكن ما زاد الأمر سوءاً أن حكومتي الشيخ صباح الخالد الصباح اللتين تشكّلتا خلال سنة من العهد الجديد (استقالت الثانية في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي) لم تتّخذ أي إجراء فعليّ لإنعاش الاقتصاد أو حمايته خلال الجائحة، لا بل ساهمت إجراءاتها في إضعاف الاقتصاد والقطاع الخاص على وجه الخصوص.
يقول أحد المراقبين إن ثمّة حاجة إلى نسج مساحةٍ مشتركةٍ بين الحكومة والشارع، فرغم الرغبة في الإصلاحات، لا بدَّ من «خطوة ما ولنُسَـمِّها مكرمة» تجاه المواطن، تسعى من خلالها الحكومة إلى حل جزء من المشاكل الاقتصادية، ومنها على سبيل المثال، القروض التي تؤرق الأسر الكويتية. فعملية إسقاط القروض، إنْ حصلت، لا يمكن إدراجها في خانة «الشعبية» بقدر ما هي خطوة تصبُّ في صالح تحريك الاقتصاد وتحفيز السوق. ويَضْربُ مثالاً، كيف أن المكرمة الأميرية سنة 2011 والتي قضت بمنح كل كويتي ألف دينار ساهمت في تحريك السوق بشكل كبير.
لكن في رأي متابعين، أن معضلة الكويت أضحت في الشلل الذي يُصيب عمل الحكومة بسبب التباينات والخلافات المستمرة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، و«سلاح» الاستجواب الذي يرفعه على الدوام نواب المعارضة في وجه رئيس الوزراء أو الوزراء. وينعكس عدم التعاون بين السلطتين سلباً على البلاد، ولا سيما على مستوى مشاريع التنمية والاستثمارات وعمل سير الدولة وإنتاجية الحكومة والبرلمان. غير أن تأثيرات «الاشتباك الحكومي-البرلماني» تفاقمت مع تداعيات جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط، الركن الرئيسي في تمويل موازنة الدولة. وباتت ترددات ذلك تحمل مخاطر على الاستقرار الداخلي في لحظة اشتعال إقليمي لن تكون الكويت بمنأى عنه.
يقول أحد المحللين إنه من الطبيعي أن يحصل حراك سياسي مع كل عهد جديد. وقد أفرزتْ انتخابات مجلس الأمة في كانون الأول/ديسمبر 2020 غالبية معارضة في البرلمان، لكن بعضها جنح إلى ممارساتٍ غير مسبوقة في الكويت مثل احتلال مقاعد الوزراء أو الدخول بمكبرات الصوت وتعطيل الجلسات، وذلك رداً على دعم الحكومة عودة مرزوق الغانم إلى رئاسة المجلس، وتحصين رئيس الوزراء صباح الخالد الصباح من الاستجوابات.
هذا الواقع المتمادي دفع بأمير البلاد إلى التدخّل لإنهاء الجدل في الشارع وإيجاد أرضية تعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. رعى الأمير حواراً وطنياً، فتمَّ تشكيل لجنة ضمَّت نواباً من المعارضة والموالاة ورئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، أسفرت عن صدور مرسوم بالعفو عن معارضين سياسيين بعضهم في الخارج، وعن بعض المتورطين في قضية «خلية العبدلي». صدور المرسوم شكل جزءاً من «خارطة الطريق» لفك الاشتباك بين الحكومة والمعارضة، تماماً كما شكَّلت استقالة الحكومة، التي عاد الأمير وكلَّف رئيسها الشيخ صباح الخالد بتأليفها، جزءاً من تلك الخارطة الهادفة إلى تذليل الإشكاليات السياسية وخلق آليات تعاون بين السلطتين بما يدفع عجلة الدولة والسلطات إلى الدوران بشكل طبيعي وسلس ومتناغم.
وما أن أَصدر الأمير نواف مرسوماً بالاستعانة بولي العهد مشعل لممارسة بعض اختصاصات الأمير حتى بدأت تظهر بعض النقاشات حول هوية ولي العهد المقبل، وهي نقاشات أدرجتها أوساط في إطار المزايدات وربما لمصلحة «أجندات خاصة» ضمن الأُسرة الحاكمة، في وقت يُدرك الجميع أن مسالة تسمية ولي العهد تعود إلى اختيار الأمير، وإنْ كان الدستور ينصُّ على أن هذا الاختيار يُعرض على مجلس الأمة للتصويت، وفي حال لم يحظَ بالموافقة يُرشِّح الأمير 3 أسماء للمجلس لاختيار أحدها.
وإلى الداخل، هناك الإقليم الملتهب الذي يُشكِّل تحدياً ماثلاً أمام الكويت بحكم موقعها الجغرافي. لم تغرِّد الكويت يوماً خارج سرب مجلس التعاون الخليجي الذي لعبت الدور البارز في فكرة إنشائه إبان الحرب العراقية – الإيرانية، وإنْ تمايزتْ في بعض الأحيان عن «الشقيقة الكبرى» – المملكة العربية السعودية، على غرار ما حصل في الأزمة الخليجية مع قطر أو إبقاء علاقات جيدة مع إيران، لكن ذلك لا يحصل خارج مسلمة أن المجلس هو المظلة، وأن السعودية هي العمق الاستراتيجي، وفق تعبير أحد المتابعين.
كان لافتاً حين انفجرت الأزمة بين لبنان والسعودية مسارعة الكويت إلى تصدُّر المشهد. قيل يومها إن الكويت توجِّه رسائل في أكثر من اتجاه إقليمي، وأنها ترسم معالم تموضع أكثر التصاقاً بالرياض، غير أن متابعين كويتيين عزوا موقف الكويت من لبنان إلى اكتشاف خلية جديدة لتمويل «حزب الله» عبر عمليات تبييض الأموال، ما استدعى موقفاً كويتياً حازماً من السلطة اللبنانية، رغم إدراكها لحجم التعقيدات الداخلية مع هيمنة «الحزب» على قرارات الدولة اللبنانية.
باختصار، تدخلُ الكويت عاماً جديداً مليئاً بالتحديات أمام القيادة السياسية العليا، ولا سيما لجهة تثبيت الاستقرار الأمني والوصول إلى صيغة سياسية أكثر هدوءاً، تُفضي إلى تمرير الاستحقاقات الكبرى بسلاسة خصوصاً ما يتعلّق منها بالحكم، ولجهة القدرة على انتهاج سياسة خارجية تُشبه ما أرساه الأمير الراحل صباح الأحمد الصباح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية