بدت الكويت مُثقلة بحمل الأعباء الإقليمية وتفكيك الألغام المزروعة في المنطقة. هاجس حل الأزمة الخليجية جاثم على صدر أميرها الشيخ صباح الأحمد الصباح، الذي استطاع إحداث خرق، حيث أن الدول المُقاطِعة لقطر شاركت في كأس الخليج التي أُقيمت أخيراً في الدوحة. وجاءت مشاركة المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين في الحدث الرياضي، وسماح المنامة لمواطنيها بالسفر لحضور المباريات، وتمثيل الدوحة على مستوى رئاسة الوزراء في قمة مجلس التعاون في الرياض لتعكس حلحلة في الملف يمكن البناء عليها من أجل رأب الصدع في “البيت الخليجي”، وإعادة العلاقات إلى مجراها الطبيعي. ووفق المعطيات المتوافرة، فإن الكويت عملت على تقريب وجهات النظر بين الرياض والدوحة، في ضوء لائحة الشروط التي حددتها دول المقاطعة لحل الأزمة. وقد توصلت القنوات الخلفية إلى تضييق هوَّة الخلافات التي لا تزال عالقة على بعض النقاط الشائكة، منها ما يرتبط بالوجود التركي وقناة الجزيرة. كما أن السعودية كانت جازمة لجهة أن أي تسوية لا بد أن تكون شاملة لتطال البحرين والإمارات ومصر.
وإلى الأزمة الخليجية، ثمة ثلاث قضايا أساسية تحتل حيزاً كبيراً من الاهتمام الكويتي:
القضية الأولى تتعلق بالحرب اليمنية وكيفية دفع الأطراف المنغمسة بها إلى حلها، بما يضع حداً لحجم الاستنزاف، سواء اليمني أو الخليجي. وستعود الكويت في مطلع العام 2020 إلى استضافة جولة جديدة من الحوار اليمني – اليمني من أجل استئناف المفاوضات بين وفد الحكومة المدعوم من التحالف العربي وجماعة الحوثي المدعومة من إيران، والتي كانت محطتها الأخيرة في كانون الأول/ديسمبر 2018 في السويد، وخرجت بما عُرف بـ”اتفاق ستوكهولم” الذي تضمن ثلاثة ملفات عُنيت بإعادة الانتشار في الحديدة، وتبادل الأسرى، وفك الحصار عن مدينة تعز، من دون تحقيق أي إنجاز حقيقي بشأنها.
أما القضية الثانية، فتتناول إعمار شمال العراق، حيث استضافت الكويت في شباط/فبراير 2018 مؤتمراً دولياً لإعادة إعمار العراق حصد مساهمات بـ30 مليار دولار من الدول والجهات المشاركة، وذلك بعدما وضعت الحرب العراقية مع تنظيم “الدولة الإسلامية” أوزارها، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية، فرضت ضرورة إعادة إعمار مناطق الصراع وتأهيل البنى التحتية وإقامة مشاريع تنموية وإنسانية كفيلة بعودة المهجرين والاهتمام بضحايا الحرب. وكانت الكويت قد التزمت في المؤتمر بتخصيص مبلغ مليار دولار كقروض وفق آليات الصندوق الكويتي للتنمية، ومليار دولار أخر لتوظيفها في الفرص الاستثمارية في العراق، إضافة إلى مساهمات الجمعيات الخيرية الكويتية. وبدأت في تموز/يوليو من العام نفسه بتنفيذ مشاريع في هذا الإطار.
وتُشكّل قضية اللاجئين السوريين ومساعدتهم مالياً، القضية الثالثة في عناوين الالتزامات الكويتية تجاه أزمات المنطقة. فالكويت تساهم، من خلال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، كما من خلال الجمعيات الخيرية، في العمل على توفير الدعم للاجئين السوريين في دول الجوار السوري.
تداعيات الخلاف
الكويت الواقعة ضمن المثلث الساخن (إيران، العراق والسعودية) تعتمد سياسة التخفيف من انعكاس المواجهة السعودية-الإيرانية عليها، نظراً إلى اعتبارات لا يغيب عنها البعد الداخلي، من دون التقليل من تداعيات الخلاف على دول مجلس التعاون الخليجي. وفي هذا الإطار، يُعوّل مراقبون كويتيون على جهود باكستان، خاصة رئيس وزرائها عمر خان، الذي يعمل ضمن الأُطر الدبلوماسية على خط إيران-السعودية لتقريب وجهات النظر تمهيداً للجلوس إلى طاولة المفاوضات، على الرغم من أن تحقيق اختراق على هذا الصعيد يرتبط بشكل رئيسي بما ستؤول إليه المواجهة الأمريكية-الإيرانية في المنطقة.
وبعد المراوحة الطويلة، يُقفل عام 2019 على حل للنزاع النفطي بين الكويت والسعودية في المنطقة الحدودية، الذي أدى إلى توقف الإنتاج لخمس سنوات. فالبلدان وقعا، بالأمس القريب، اتفاقية ملحقة باتفاقيتي تقسيم المنطقة المحايدة والمنطقة المغمورة المحاذية للمنطقة المقسومة بين الدولتين لاستئناف إنتاج البترول من الحقول المشتركة، إلى جانب مذكرة تفاهم تقضي باستئناف إنتاج النفط من حقلين مشتركين في المنطقة الحدودية. وهي خطوة وُصفت بالإنجاز التاريخي، وستعقبها مفاوضات ثلاثية بين الكويت والسعودية كطرف، وإيران كطرف ثان، في ضوء إنجاز اتفاق المنطقة المحايدة بين السعودية والكويت.
وفي الداخل الكويتي، يبرز عنوان مكافحة الفساد كأولوية، في ظل الشعور السائد في أوساط الحكم والمواطنين أن هذه الآفة بدأت تستشري في الجسد الكويتي. فهناك قضايا الفساد المالي والسرقات من المال العام، التي عرَّتها قضية الاختلاسات من “صندوق الجيش” بمبالغ وصلت لنحو 800 مليون دولار على سنوات من الزمن. وهي القضية التي أزّمت المشهد السياسي وأدت إلى استقالة حكومة جابر المبارك الصباح في 14 تشرين الثاني/نوفمبر والاعتذار عن تشكيل حكومة جديدة، بفعل السهام التي أصابته من بلاغ الاختلاسات، كما أدت إلى حرب بيانات بين وزيرين من الأسرة الحاكمة هما نجل الأمير الشيخ ناصر وزير الدفاع والشيخ خالد الجرَّاح وزير الداخلية في حكومة المبارك، ما فاقم من تأزم المشهد السياسي ليخرج الأمير بمرسوم إعفائهما من تصريف الأعمال، لتغدو حدثاً يحصل للمرة الثانية في تاريخ الكويت.
قضية “صندوق الجيش” الذي تم إنشاؤه منذ تأسيس الجيش الكويتي لأغراض تختص بأمن البلاد، أضحت اليوم تحت مجهر المراقبة الشعبية، بعد إحالتها على محكمة الوزراء، كونها قضية شائكة ستحدد بوصلة الاتجاهات المستقبلية لكيفية مقاربة الملفات المرتبطة بالفساد، مهما علا شأن المتورطين فيها، ولا سيما أن التجارب مع “هيئة مكافحة الفساد” التي أُنشئت عام 2016 لم تخلق الثقة لدى الكويتيين، ذلك أنه لم يُقدم إليها أي وزير لمحاكمته لإخلاله بإدارة وزارته.
وستكون الحكومة الجديدة برئاسة وزير الخارجية السابق الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، والتي نالت الثقة قبل أيام من انتهاء العام، أمام المحك في كيفية استرجاع الأموال المنهوبة والمحاسبة، فضلاً عن تحدي صوغ علاقة تعاون مع مجلس الأمة، وسط سلاح الاستجوابات الذي بيده، والذي يرى كثير من المحللين الكويتيين أنه سلاح ذو حدين، إذ أن فيض الديموقراطية الذي تتغنى به الكويت يتحوَّل إلى نقمة بفعل عدم القدرة على انتظام العلاقة بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية، ما ينعكس شللاً في البلاد.
وثمة أسئلة تدور في الأوساط الكويتية عن مستقبل مشروع “مدينة الحرير” العملاق، الذي يحلو للبعض تسميته بـ”سنغافورة الكويت”. المؤيدون له يشبّهون من يرفضونه بأنهم “كالمريض الذي يمتنع عن تناول جرعة الدواء”. فحسب وجهة نظر هؤلاء، فإن هذا المشروع يساهم بتنويع مصادر دخل الدولة التي يشكل النفط عمادها الأساسي، كما يطوّر القطاع الخاص، مما يساهم في خفض الإنفاق الحكومي على الأجور. وهو يقوم على تطوير مجموعة الجزر في شمال الكويت ويربطها بالعاصمة عبر أحد أطول الجسور البحرية في العالم، ويتضمن مطاراً وملعباً أولمبياً وبرجاً أطول من برج خليفة في دبي ومساكن تستوعب نحو 700 ألف شخص.
ورغم أن التسمية المرتبطة بالحرير تشي بأنه سيُنفذ “بنعومة تشريعية”، إلا أن أصواتاً معترضة من أعضاء في مجلس الأمة ارتفعت بحجة أن هذا المشروع سيضع المنطقة خارج نطاق الرقابة وسينزع عن الكويت هويتها العربية والإسلامية المُحافِظة، وسط تخوُّف من احتواء المشروع على مراقص ومحلات لبيع الخمور ودور عبادة لغير أهل الكتاب، إلى حد تشبيه بعضهم الوضع بـ”دولة داخل الدولة”.
الأسئلة حول مستقبل “إقليم الحرير” أو “مدينة الحرير” تنطلق من أن هذا المشروع ارتبط ارتباطاً وثيقاً باسم الشيخ ناصر الصباح بوصفه “العقل المدبّر له” الذي رعاه وتنباه. وثمَّة من يتخوَّف، لا بل يعتقد، بأن فكرة “المدينة الحلم” ماتت بخروجه، وما عاد من أحد هناك ليتبناها.