منذ تولّي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح مقاليد الحكم في البلاد، اتجهت القيادة السياسية إلى التركيز على المسائل الداخلية وتقليص الدور الخارجي بقدر الممكن رغم تزايد التحديات الإقليمية.
الكويت ـ «القدس العربي»: يُنظر إلى سنة 2024 كويتياً على أنها سنة ترتيب «البيت الداخلي». بدا واضحاً منذ تولّي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح مقاليد الحكم في البلاد، أن القيادة السياسية اتجهت إلى التركيز على المسائل الداخلية وتقليص الدور الخارجي بقدر الممكن رغم تزايد التحديات الإقليمية.
شهد العام 2024 في الكويت تصعيدين بارزين: الأول محليّ، حيث عملت الغالبية البرلمانية من المعارضة على فرض قيم وتقاليد جديدة في العمل التشريعي، وحَمل مطالب «شعبوية» مثل إسقاط ديون المواطنين، ورفع رواتب المتقاعدين، وغيرها من العناوين التي تثقل كاهل الخزينة، إضافة إلى التصعيد في الخطاب البرلماني والتلويح الدائم بسيف الاستجوابات، والتعرُّض لأمير البلاد بعبارات تجاوزت الثوابت الدستورية في إبراز الاحترام الواجب للمقام السامي.
أما التصعيد الثاني، فكان خارجيًا. إذ على وقع مشهد التضامن مع غزة، تحوَّلت «ساحة الإرادة» في الكويت إلى ساحة مناصرة، شهدت ظهوراً قوياً لجماعات إسلامية مثل «الإخوان المسلمون» والسلفيين، والتآلف الإسلامي الوطني (المحسوب على خط الإمام الموالي لإيران) وتعمَّدت التهجم الشديد على دول خليجية ومصر بحجة التطبيع مع إسرائيل، ورفع الصوت عالياً ضد السياسة الأميركية في المنطقة، وحتى ضد وجود السفيرة الأمريكية في الكويت.
آخر الدواء الكيّ
اتخذت القيادة السياسية خطوات حاسمة: تمَّ حل البرلمان في شباط/فبراير وتعيين الشيخ محمد صباح السالم رئيسًا للحكومة، وهو المعروف بتاريخه الأكاديمي والسياسي الكبير. جرت انتخابات مجلس الأمة في شهر نيسان/أبريل، فأعادت جزءاً من الوجوه التصعيدية التي عادت لتكسر الكثير من الخطوط الحمر في مخاطبة الأمير والمسّ بحقه الدستوري وصلاحياته في تعيين ولي عهده، ومحاولة تحديد مُهلٍ للأسرة الحاكمة، ورفع سلاح الاستجواب، خصوصاً في وجه وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف الصباح إنْ لم يستقل، ما أدى الى ارتفاع منسوب التوتر في البلاد، واعتذار محمد صباح السالم عن ترؤس حكومة جديدة. فتشكّلت حكومة الشيخ أحمد العبدالله الصباح التي ضمَّت شخصيات مؤثرة، أبرزها فهد اليوسف الذي تحوَّل إلى «سوبر وزير» مع تعيينه نائباً لرئيس الوزراء وزيراً لحقيبتَي الداخلية والدفاع.
في أيار/مايو، جاء خطاب الأمير حاملاً رسائل حاسمة، فحلَّ البرلمان وأصدر قرارات بتعليق مواد من الدستور. وفرضت وزارة الداخلية قيوداً على الاعتصامات والتظاهرات في «ساحة الإرادة». واتُخذت إجراءات قانونية بحق عددٍ من الذين خرقوا الدستور في ما يتعلق بـ«المس بصلاحيات الأمير». مثَّلتْ تلك الخطوات جزءًا من مساعي القيادة لتطويق الفوضى السياسية وحماية النظام من التحديات المتزايدة.
جاءت المفاجأة الأبرز بتعيين أمير البلاد ولياً جديداً للعهد من «خارج الصندوق»، وهو صباح الخالد الصباح الذي تولى سابقاً رئاسة الحكومة، ونالت كثيراً منه سهام النواب في مجلس الأمة. تكمن المفاجأة في أن الرجل لا ينطبق عليه العُرف السائد في الكويت بأن يكون ولي العهد وفق التسلسل العمري، أو أنَّ والده أميرٌ سابق. لكن الاختيار الأميري لصباح الخالد لقي ترحيبًا داخليًا كبيرًا حتى من معارضيه، نظراً لما عُرف عنه من نزاهة وحنكة سياسية وتجرية واسعة في الإدارة وخبرة في الملفات الخارجية كسبها من توليه أيضاً وزارة الخارجية.
بدا العمل يُشبه «ورشة داخلية» لإعادة تصحيح الكثير من الأمور التي ترى القيادة السياسية أنها ساهمت في نشر الفساد والتجاوزات. ومن أهم هذه الخطوات ما اصطُلح على تسميته بـ«حماية الهوية الوطنية»، وترجمته الفعلية سحب جنسيات المزوّرين ومزدوجي الجنسية وصولاً إلى اللواتي حصلن عليها من خلال الزواج من كويتيين. كان الوزير اليوسف هو «النجم-الواجهة» في تنفيذ هذا الملف.
اهتمت الكويت بإعادة تنظيم وافتتاح طرق ومتابعة العقود مع الصين لبناء مدن عمالية وإنهاء العمل في ميناء مبارك الكبير، وتمَّ سد الشواغر القيادية في الدولة وتفعيل وتجديد اتفاقات الاستثمار المباشر، وانخرطت الوزارات في عمليات تصحيح للسياسات السابقة وهي خطوة ما كانوا يستطيعون فعلها سابقاً خوفاً من مساءلات النواب التي شابت الكثير منها الحسابات الشعبوية والمصلحية الضيّقة.
قد لا تكون 2024 سوى البداية لمرحلة طويلة من ترتيب «البيت الداخلي الكويتي» فيما الأعاصير تضرب الإقليم، لكن المراقبين يرون أن تلك الإمارة الخليجية تسير باتجاه تعزيز وصَون استقرارها الداخلي لاستعادة الديمقراطية الكويتية المعلّقة إلى حين.