الكويت والقرار التاريخي
محمد كريشانالكويت والقرار التاريخيبصراحة ودون أدني مجاملة يحق للكويتيين جميعا أن يحتفلوا ويفخروا بقرار المحكمة الدستورية أول أمس بإلغاء قانون التجمعات العامة الصادر قبل سبعة وعشرين عاما والذي يمنع التجمعات دون الحصول علي إذن مسبق فقد اعتبرت المحكمة في حكمها الذي وصف بالتاريخي وبأنه خطوة إصلاحية لم تكن في الحسبان ، علي حد تعبير صحيفة الرأي العام الكويتية أن إلغاء عديد المواد من المرسوم الصادر عام 1979 يعود لإخلالها بالحرية الشخصية التي كفلها الدستور مؤكدة أن ممارسة المواطن للحوارات العامة جزء من مقومات الديمقراطية في البلد الذي يقوم نظامه علي الإرادة الشعبية .عدد من النواب والسياسيين في الكويت لم يكتفوا بالإشادة بحكم المحكمة واعتبار تاريخ صدوره في الأول من ايار (مايو) هذا العام من الأيام المشهودة في تاريخ بلادهم الحديث بل طالبوا كل من تضرر من القانون الذي ساد لثلاثة عقود أن يرفعوا قضايا للمطالبة بتعويضات عن حرمانهم من التجمع في الشارع والإعراب عن آرائهم في شؤون بلدهم العامة، فيما صرح أحد النواب مختالا أن حكم المحكمة الدستورية بشري طيبة للشعب مفادها أن من يمنع وصول الرأي والرأي الآخر مصيره مزبلة التاريخ .قرار المحكمة الكويتية تزداد قيمته تألقا حين نلقي نظرة سريعة علي معظم الممارسات العربية الرسمية الحالية فهو يأتي في الوقت الذي تمدد فيه مصر قانون الطوارئ ويسحل في شوارعها القضاة المحتجون علي إحالة زميلين لهما علي التأديب تمهيدا لفصلهما لآرائهما الجريئة، وتمنع في تونس أية تجمعات شعبية مهما بدت محدودة أو نخبوية، وتفرق في سورية أية مظاهرة ليست من تلك التي تعدها وتشرف عليها الدوائر المختصة إياها، وتحظر في أغلب دولنا المهيبة كل أنواع التجمعات عدا تلك التي ينظمها أنصار فرق كرة القدم المهووسون بعد كل فوز أو خسارة، دون أن ننسي أن فكرة التظاهر في الشارع أصلا لا تدور في مخيلة الكثير من أبناء البلاد العربية لأنهم جلبوا علي اعتبارها خروجا عن القانون وتعكيرا لصفو الأمن العام رغم أنهم يشاهدون علي شاشاتهم ليلا نهارا عشرات المظاهرات في بلاد متحضرة كالولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما ضد قرارات حكومية مختلفة من الحرب في العراق إلي قانون الهجرة إلي قانون العمل ذلك أن الشارع، كما البرلمان المنتخب ديمقراطيا كما الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية والصحافة كلها وسائل تقاس بها الأمزجة العامة حتي وإن كانت لفئة محدودة، بل وحتي وإن اعترتها بعض التصرفات العنيفة، فالأسلم دائما أن تطفو المشاعر والمواقف من أن تكبت وتغبن حتي تنفجر ذات يوم في وجه الجميع أو يتجه أصحابها إلي العمل تحت الأرض مع كل ما يلف ذلك من جنوح إلي الغلو والتطرف. ما يضفي علي الخطوة الكويتية روعة أكثر أنها جاءت مفاجئة فأنظار النخبة هناك كانت متجهة إلي إصلاح قانون الانتخاب وتعديل الدوائر الانتخابية ولم تكن تتوقع قرارا من هذا العيار الثقيل الذي يعني من الآن فصاعدا أن الراغبين في تنظيم أي مظاهرة أو تجمع احتجاجي، صاخبا كان أو صامتا، لم يعودوا مطالبين بالحصول علي ترخيص مسبق بذلك بل كل ما عليهم هو الإعلام به لا غير مما يعيد الاعتبار في الحقيقة للدستور الكويتي في وقت نندهش فيه من حجم الحريات الواردة في معظم الدساتير العربية ولكن عبارة وفق ما ينظمه القانون المذيلة في نهاية كل منها كفيلة بإفراغها من كل مضمون بل بنسفها تماما بكل بساطة. 9