الكويت وفلسطين: تصحيح العلاقة من أجل مصلحة الشعبين

تحتفل الكويت هذه الأيام بالذكرى الثالثة والعشرين لتحرير البلاد من احتلال الجيش العراقي، الذي بدأ يوم الثاني من آب/أغسطس 1990 وانتهى يوم 28 شباط/فبراير 1991 وخلف وراءه بلدا محطما منهوبا وشعبه مشتتا في أرجاء الأرض، وفتح هذا الاحتلال فرصة للدول المعادية للأمة وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتدمير العراق وتكبيله بألف قيد وقيد، وتفكيك البلاد وتقسميها ووضعها تحت حصار ظالم شرس لم يمر مثله في التاريخ لمدة 13 سنة، أدى إلى هلاك مئات الألوف وتدمير البنى التحتية وإضعاف كل مقومات الدولة وصولا إلى الاحتلال المباشر عام 2003، الذي فجر الغول الطائفي وترك وراءه بلدا مدمرا مهلهلا يرتفع فيه أكثر من علم ويتلى فيه أكثر من نشيد وطني وتقف على رأسه قيادة طائفية فاسدة فرطت في ثروات البلاد وسيادتها وحفرت شروخا عميقة بين مكونات شعبها. الأمر المحير أن الجيش العراقي هو الذي احتل الكويت بأوامر مباشرة من الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، الذي لم يستشر أحدا، ولكن الذي دفع الثمن غاليا بعد الشعب الكويتي هو الشعب الفلسطيني دونما ذنب منه حتى لو وقفت بعض رموز القيادة الفلسطينية آنذاك مؤيدة لصدام إلا أن الشعب الفلسطيني داخل الكويت بغالبيته الساحقة كان ضد الاحتلال ودفع ثمن هذا الموقف مرتين: فقد تشرد نحو مئتي ألف فلسطيني أثناء الاحتلال العراقي لأنهم رفضوا أي نوع من التعاون مع الاحتلال، وتشرد الجزء الباقي بعد التحرير عقابا لهم على مواقف بعض رموز قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي أيدت الموقف العراقي. لقد عوقبوا على ذنب لم يقترفوه وعلى موقف لم يتخذوه. لقد آن الأوان بعد هذه السنين أن تتم المصارحة والمصالحة بين الشعبين وفتح صفحة من التعاون البناء، لما فيه خير للكويت وفلسطين.

للحقيقة والتاريخ ـ علاقات راسخة بين الشعبين

دعنا نستعرض بعض الحقائق التاريخية التي قد تعيد تذكير الجميع بعمق العلاقة التاريخية بين الفلسطينيين والكويت، ومدى ما لقي الفلسطينيون من ترحيب واحترام وحرية مقابل ما قدموا للكويت من خدمات وبناء واحترام وعدم تدخل في شؤونه الداخلية.
أولا- وصل الفلسطينيون إلى الكويت عام 1936، بناء على طلب من أمير الكويت آنذاك صباح الأحمد الذي استقبل الحاج أمين الحسيني عام 1932 أثناء جولة المفتي لجمع التبرعات لإصلاح المسجد الأقصى. وقد وصلت موجة كبرى من المهاجرين الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948، ووصلت الموجة الثانية بعد حرب حزيران/يونيو 1967، والموجة الثالثة بين عامي 1975
و 1982 بعد ارتفاع أسعار النفط وبداية مرحلة البناء والتوسع والاستثمار.
ثانيا- للأمانة والتاريخ أن الكويتيين عاملوا الفلسطينيين بكل احترام وتقدير وفتحوا لهم المجال للعمل السياسي من أجل فلسطين، ونشأت حركة فتح في الكويت وكان أول مجلس ثوري لها برئاسة الدكتور عبد الله الدنان في الكويت، ولم يمنعوا بقية التنظيمات من العمل، بل كان يطلق على النقرة وحولي ‘الضفة وغزة’. وكان جمع التبرعات لصالح الثورة الفلسطينية شيئا مألوفا، بل تشكلت الفرق الفنية الفلسطينية في الكويت للتعبئة والتحريض، وكثير من الفلسطينيين نشروا أولى إبداعاتهم في الكويت، مثل الشهيدين غسان كنفاني وناجي العلي. كما انضم للثورة الفلسطينية عدد من الكويتيين واستشهد بعضهم على أرض فلسطين، نذكر منهم الشهيد فوزي المجادي، الذي استشهد بتاريخ 4 يونيو 1989 في عملية ‘شهداء نابلس’ قرب مستوطنة مسكاف. كما أن الشهيد فهد الأحمد الذي قتله الجيش العراقي في أول أيام الغزو كان مقاتلا في صفوف حركة فتح واسمه الحركي أبو الفهود.
ثالثا- لقد خدم الفلسطينيون الكويت بكل صدق وجدية وكأنهم يخدمون بلدهم وشعبهم. منهم المعلم والمفتش والطبيب والمهندس والكهربائي وعامل البناء وموظف البنك والكاتب والصحافي والصراف والتقني وغيرهم. كانوا يعملون بجد لأن البدائل لديهم شبه معدومة. لم يسئيوا لأحد ولم يتدخلوا في السياسة ولم يتعرضوا لأمير أو وزير أو مدير، ولم يشاركوا لا من قريب ولا من بعيد بأية عملية إرهابية تسيء لأمن البلد. وفي الوقت نفسه كانوا يحافظون على كرامتهم وإن مس أحدهم إهانة أو هضم حقه يتبع الطرق السلمية في حل الإشكال أو يقدم استقالته ويترك. ولهذا كان الكويتيون يفضلون بشكل عام الفلسطينيين لأنهم مخلصون في عملهم ولا يسيئون لأحد، وإن حدث شيء من هذا القبيل يكون عملا فرديا لا ينسحب على الجالية الفلسطينية التي وصل عددها عشية الغزو العراقي إلى أكثر من 400 ألف. أنا أتحدى أن تأتوني بكويتي واحد، فوق سن الثلاثين، لم يدرس على يد فلسطيني أو يعالج على يد طبيب فلسطيني أو عمل مع فلسطيني رئيسا أو زميلا.
رابعا- إن القيادة الفلسطينية انقسمت على نفسها حول احتلال العراق للكويت. فكيف يمكن لإنسان مثل خالد الحسن أو هاني الحسن أو جويد الغصين أو أبو شاكر النتشة إلا أن يقفوا مع الكويت. خالد الحسن بالتحديد كان يحمل جواز سفر كويتيا أحمر سحب منه بعد التحرير. كما أن صلاح خلف قرر أن ينشر بيانا ضد الاحتلال وتم حجزه لساعات في العراق حتى اضطر أن يذهب ياسر عرفات ليخرجه من بغداد وقتل بعدها بيومين على يد جماعة ‘أبو نضال’ التي كانت تعمل لصالح المخابرات العراقية.
خامسا- إن الموقف الذي اتخذته بعض رموز القيادة في دعم الموقف العراقي أساء لمجمل القضية الفلسطينية فكيف من يناضل ضد احتلال بلده يؤيد احتلال بلد آخر؟ وكيف يمكن من الناحية البراغماتية التخلي عن مصالح أربعمئة ألف فلسطيني في الكويت مقابل ثلاثين ألفا في العراق؟ وكيف من يريد لكل العرب الوقوف إلى جانب قضيته العادلة يقف مع ابتلاع دولة كبيرة لجارتها الصغيرة ومحوها عن الخارطة؟ هل الوحدة تكون بالقوة؟
سادسا- لقد لعبت القوات العراقية على الورقة الفلسطينية بوضع عناصر من جبهة التحرير العربية التابعة للعراق ومجموعات صغيرة من جبهة التحرير الفلسطينية (جماعة أبو العباس) على الحواجز لتبدو الأمور وكأن الفلسطينيين بشكل عام يؤيدون الاحتلال. أما الحقيقة فإن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين في الكويت كانوا ضد الاحتلال ولعبوا دورا كبيرا في حماية الكويتيين من القوات العراقية، وأبقوا على خدمات الماء والكهرباء والصحة والتربية خلال أيام الاحتلال. ويكفي أن نعرف أن الجيش العراقي طرد 3000 معلم من وظائفهم لأنهم رفضوا أن يتعاونوا مع الاحتلال ويعودوا إلى وظائفهم. لقد رفض مكتب منظمة التحرير في الكويت تنظيم مظاهرة مؤيدة للاحتلال العراقي ووزعت التنظيمات الفلسطينية مناشير ضد الاحتلال. والمظاهرة اليتيمة التي خرجت في الكويت ضد الاحتلال العراقي نظمها الفلسطينيون في منطقة حولي ورفعوا صورة الأمير كما جاء في مقال شفيق الغبرا (8 أيار/مايو 1991 بعنوان: منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت). لقد تعاون بعض الفلسطينيين مع عناصر المقاومة الكويتية واعتقل 15 منهم وأعدموا بعد شهر ووجهت التهمة للسيد على الحسن بتنظيم مقاومة للاحتلال.

اعتذار متأخر واعتذار لم يأت بعد

إن الاعتذار الذي قدمه محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية في كانون الأول/ديسمبر 2004 كان متأخرا، وكان يمكن أن يكون الاعتذار أبكر بكثير ومن الرئيس ياسر عرفات حتى لو لم يكن مقبولا كخطوة على طريق المصالحة. مطلوب من الكويت أيضا أن تقدم اعتذارا للشعب الفلسطيني البريء الذي ليس له ذنب في أخطاء القيادة. لقد قتل عدد من الفلسطينيين في الأيام الاولى لتحرير الكويت قدر بنحو 40 فلسطينيا من دون وجه حق ومن دون محاكمات ومن دون تفريق بين من أيد الغزو ومن وقف في وجه الاحتلال، بل ان علي الحسن نفسه تعرض لمحاولة اغتيال وأحرق بيته مما دعا الحكومة الكويتية الى أن تشدد الحراسة عليه لحمايته. لقد طرد الفلسطينيون، نصفهم على يد القوات العراقية أو خوفا منهم، والنصف الثاني على أيدي الكويتيين، وبالتالي انخفض الوجود الفلسطيني من 400000 إلى نحو 30000 فقط. وفي عام 1995 انخفض العدد إلى نحو 26000 معظمهم لا يوجد بلد يستقبله، أو لأن الكويت بحاجة ماسة لخبراته، بل ان مصطلح التطهيرالعرقي أصبح كلمة سائغة يستعملها الكويتيون، أفرادا ومسؤولين، من دون تحفظ. لقد كان رد الفعل الكويتي غير عقلاني فأوقفوا كافة المساعدات التي كانوا يقدمونها للمؤسسات الفلسطينية كالمستشفيات والجامعات والجمعيات الخيرية، لدرجة أن الرجل الطيب والمناضل الفذ فيصل الحسيني في زيارة للبرلمان الكويتي لإصلاح العلاقة بين المنظمة والشعب الكويتي تم تقريعه وتعنيفه بطريقة غير لائقة أثرت نفسيا فيه، حيث توفي في الفندق بالسكتة القلبية يوم 31 أيار/مايو 2001. لقد سدت المنافذ على الجالية الفلسطينية في الكويت من كافة الجهات، حتى لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة كانت سخية في دفع الأموال الطائلة من أموال الشعب العراقي للمتضررين إلا مع الفلسطينيين، فقد قدرت خسائر الفلسطينيين بـ 33 مليارا لم يدفع منها إلا بنسبة 4.4′ أي ما قيمته 139 مليون دولار فقط.
لقد آن الأوان لطي صفحة الماضي، فقد أعادت الكويت علاقاتها شبه الطبيعية مع العراق نفسه ومع كافة الدول التي صوتت ضد مشروع قرار الجامعة العربية لإدانة الاحتلال العــــراقي، أو امتنعت عن التصويت يوم 10 أغسطس 1990 إلا الشعب الفلسطيني.
صحيح أن أعدادا كبيرة من الأردنيين والفلسطينيين عادوا للعمل في الكويت، لكن المصالحة حتى تكون جذرية تستلزم الانفتاح تماما على الشعب العادي ومؤسساته وجامعاته ومدارسه ومستشفياته وأسراه وجرحاه ومنظمات المجتمع المدني. مطلوب من الكويت أن توجه دعوات للناشطين الفلسطينيين والفنانين والاقتصاديين والأكاديميين وجمعيات المرأة وغيرها الكثير، حتى تكون المصالحة على مستوى الشعوب لا على مستوى القيادات فحسب. إن دعم الكويت المتزايد لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أمر جيد لكن لا يشكل بديلا عن الانفتاح الشامل على الشعب الفلسطيني بكامله بغض النظر عن مواقف القيادات.
وفي النهاية لا بد من الإطراء على موقف الكويت من قضية التطبيع مع إسرائيل حيث انفـــــردت من بين دول الخليج بمنع التطبيع باي شكل من الأشكال ولم تستعمل الأبواب الخلفية مثل بعض جيرانها، بل إن هناك لجانا شعبية تقاوم التطبيع وتــحـــرمه وتقــف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أي نوع من الانفتاح. وكي تكتمل هذه الصورة مطلوب من الكويت أن تعزز صمود الشعب الفلسطيني في وطنه الذي لا يقبل عنه بديلا مهما تقادم الاحتلال وحتى لو كوعت الدول والأحزاب والقيادات العربية بمن فيها قيادة أوسلو الكارثية التي جلبت وما زالت كل هذه المصائب للشعب الفلسطيني المناضل.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية