د. فوزية ابو خالد إن لم يكن لي أن اكون حاضرة في اي من ميادين التحرير وساحات التغيير، فإنه بحسب تقديري، لا يليق بتواريخ تمردي العذري وبأشواقي المعتقة الطاعنة في عمر العشق الوطني ان أغيب عن سموات الشعر أو على الأقل ألا أحضر في مجال التحليل السياسي والاجتماعي لهذه الشلالات البشرية المنطلقة في الوطن العربي، بروح فروسية خلف راية الحرية. غير ان ‘بُعد المنال’ لا ينازله إلا ما هو أطول من عمر الإنسان وليس ذلك ‘لعمري’ إلا الأمل.
الاستشفاء بمحو الحبربعد يوم طويل آخر لعبت فيه رحى الوجع بعظامي وسلسلة ظهري وحولت اطرافي إلى ما يشبه تراب الرياض بما جعلني في ذروة عذابي أزهو بما في تكويني من زعفران الأرض التي لا هوى إلا هواها، كنت أتطلع إلى لحظة سلام واحدة أبحث فيها عن نفسي بين نثار المواد الأسيدية المستعرة في أعصابي من مشط قدمي إلى بصيلات حواجبي وشعر رأسي. ولكن ما لم يكن في الحسبان أن أجد سلطان النوم يقف لي بالمرصاد يلوح بعصاه في وجهي، فهل يحق لي أن أغمض عينيّ، فيما الشعب الليبي يستميت بين مخالب الجوارح الخارجية وحراب الطاغية في أن يضيف صفحة جديدة إلى سفر الحرية العربية التي رمى شراراتها الأولى البوعزيزي في عروش الخراب؟ من يستطيع أن يستسلم لملمس الوسادة وإن هدمه السهاد بينما دوار اللؤلؤة يسوى بالارض وتخلط به أوراق حسابات أقدار منطقة الخليج، وميدان التحرير حامل بأجنة التوقعات في ما يرتفع ضغطنا وينخفض تارة حسب درجة توتر وانفراج أحلام الشعب اليمني في ساحة التغيير، وأخرى حسب مقياس ريختر للكارثة الإنسانية والنووية في اليابان، وكان هذا العام ‘عام فوران التنور’ على عدد من الجبهات لوجستيا وسياسيا. ‘لا نامت أعين الجبناء’ صهلت جملة خالد بن الوليد في دمي على أبواب درعا بأصوات ابطالها، بعد أربعين عاما والشعب السوري مثلما في ‘ضيعة تشرين’ للشاعر محمد الماغوط ليس في نور ليصحو وليس من متسع لأكثر من واحد لينام. وسط هذا الزحام الذي لا يرحم العزل إلا من علب الأدوية لم يكن لي إلا أن استحي من قرائي وعشاق مفاتيحي ومني لو أني سمحت لنفسي بعد ذلك العناء المضني الذي اضطرني للانسحاب عدة اسابيع ان أخلد للنوم. لم يتطلب الأمر إلا أن أتخذ قرارا صغيرا شجاعا بأن أقاوم رشاوى النعاس بين جلسات العلاج فاكف عن التثاؤب وأشق عصا الطاعة على الميتة الصغرى التي تلوح أمامي، او ربما في مخيلتي ليس إلا، لأعود إلى الاستشفاء بالكتابة لمقاومة هذا الزائر الخبيث وإخراجه بإرادة الله إلى غير رجعة. ابتهالاتي في سمهرير النهار وبياض الليل’لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين، يا حي يا قيوم برحمتك استغيث ربِّ ان مسني الضر وأنت أرحم الراحمين’.’اللهم اني أمتك ابنة عبدك وأمتك، ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو احتفظت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وذهاب حزني وجلاء همي وغمي. اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي بل انني معتزة بنعمة المرض’. حاولت بالاستعاذة بالله وأسمائه الحسنى وبالاستعانة بآيات من كتاب الله المحكم بصوت الشيخ أحمد العجمي الشجي أن أحرر روحي وجسدي من كل أسباب السبات، ومن الآلام التي ما برحت تلوي حبال رقبتي وتشبك كل شريان من شراييني الدقيقة وأوردتي في أسلاك كهربائية عارية مباشرة. منازلة الموت لا أدري منذ أن نقلت لي د. اليسون جونز طبيبة الانكولوجي بصوتها الودود وبشرتها المشربة بنقع الورد رسالتها اللدود المسقاة بمذاق الرصاص، كم ساعة مضت ولا كم كيلومترا قطعت وأنا أمشي وأمشي وأمشي، لا أحس لذع البرد القارس الذي شقق وجهي، ولا بلل المطر الذي أغرق معطفي ولا لفح رياح وداع الشتاء الجارحة التي كسرت شمسيتي، ولا البكاء المكتوم لتلك الفراشة التي أتعلق بعودها النحيل والوانها الطيفية الصاخبة، ليكون لي دافعا حقيقيا لمنازلة الموت. ربما كنت سأمضي أجرجر حرير روحي على أشواك السائل الكاوي من ‘لندن كلينك’ بشارع ‘هارلي ستريت’ غربا إلى مدخل بيتي بشارع ‘جرين كروفت جاردن’ شمال غرب، ‘لا يرد رأسي’ إلا حريملا وملهم والطائف ومكة المكرمة والمدينة المنورة وجيزان والجوف والهفوف وجدة والقطيف أو أي مواقع غالية على امتداد الوطن العربي ‘مسقط القلب’ بتعبير الشاعر اللبناني زاهي وهبة، و’مربط أفراس ولهي’ و’مهوى إلهامي’ بتعبيري. قبل أن تبرأ جراح العملية، يتخبطني مس الدواء أو سموم العلاج الكيماوي فلا أجد اسما في اللغة الفتاكة لكل التجارب القاسية التي خضتها أو العذابات التي مر بها جسدي عبر أي مرحلة من مراحل حياتي الحافلة بالتحديات المبرحة حسب كل مرحلة، ما يعبر عن شراسة الساعات الطوووويلة البطيئة التي قضيتها على كرسي جلسة الاستشفاء مقيدة بقضبان من صلب وحديد، تحك جمجمتي طاقية من مسحوق الزجاج لجليد يفور بمعدل خمس درجات تحت الصفر. فما ينفثه ذلك الأنبوب الأفعوي من زعاف كحلي مخضر في فوهة الجرح حالة لا تشبه العنف الجسدي للكي ولا تمزق الأحشاء عند المخاض ولا عسر الإنسلاخ الذي يمر به الأطفال للتحول من فراشات ونحول وأزهار إلى مواطنين صالحين في الأوطان المطبقة. انها حالة جافة جارفة متعجرفة من السقام اللئيم قد لا يقاربها إلا ضرب الأعناق بلؤم الكلام أو بطعنة غدر. التناص بين حالات التحديهل أقول ‘كأني لم أكن’ مثلما قالت بتفجع الشاعرة السورية سهام الشعشاع، وهي عبثا تحصي خسارات العمر التي لا ندركها إلا في الوقت الضائع، حين نبلغ تلك الحافات الحادة من لحظات الزوال في التحول من حال إلى حال لما خلناه خالدا أو أهدل، كما قال الشاعر أحمد شوقي في نجوى التناص بين حالة التحدي الشخصي التي أمر بها وحالة التحدي التحولي التي تمر بها بلاد العرب أوطاني، فاقول ‘بي مثل ما بك ياجارة الوادي… إذ محوت كل لبانة من خاطري ونسيت كل وجع وتشاك’ أو أرسل قبلة في الهواء بما قاله المتنبي إذا كانت النفوس عظاما تعبت في حملها الأجسام. هذه هي اللحظة التاريخية الشامخة الجامحة من لحظات منى الحرية، التي كتبت لها قصائدي ومقالاتي وابحاثي وهدرت في هواها حبري واشعلت لها اصابعي العشرة وعشتها في مخيلتي عشرات المرات منذ كنت في الرابعة عشرة، هذه هي اللحظة التي شغلت لها شالاتها ورياتها بابرة الصبر والحبر وجمعت لها ماءها من مطر الصحراء وطل الخزامى والعرفج قطرة قطرة، ووقفت بانتظار هلة موكبها عبر الجهات الأربع على قدمين حافيتين الا من الف وميم ولام لأكثر من 25 عاما. لذا فالمفروض ان أكون هناك مع المتظاهرين في الساحات والميادين والفلوات لا محتبسة قيد السرير قاب قارتين من مشتهى الحرية وهي ادنى لي من حبل الوريد.
غير أني في هذا المقام البعيد القريب ليس لي إلا أن أقوي مناعتي وأذود عن مقاومتي بأطيافها الحرة. ‘ كاتبة سعودية