الكينونة والوجود في الشعرية المغربية الجديدة: نحو تمثل جديد لأنساق الكتابة الشعرية

إن قراءة راهن الشعرية المغربية يطرح مجموعة من الأسئلة، التي تَرتبط بالجنس الأدبي والهوية، الكينونة والوجود، وشعريات الكتابة الجديدة. وفي اعتقادي يجدر بنا أن نستجمع كل هذه القضايا في عنوان يمكن أن نطلق عليه بلاغة الشعرية المغربية الجديدة، مستثمرين هذا المفهوم الواسع والإجرائي، وفي الوقت نفسه من أجل تجاوز معضلات النقد، حين يَحُدّ من النفاذ إلى عمق إبداعية النص، وذلك لمَّا يَضعه ضمن إطار سلطة مصطلحات جافة مثل، التحقيب والجيل، أو الحساسية والأنماط، أو حتى مفاهيم نقدية نفرضها على النص، في حين تراهن القصيدة الجديدة على ثورة تعيد صياغة سؤال هوية القصيدة وحدود الشعر، ومحاولة الإصغاء لروح العالم الجديد وتمثل قضاياه وراهنه. إن راهن القصيدة المغربية لا ينفصل عن راهن الأسئلة المجتمعية والثقافية التي تنزع إلى تجاوز الحدود، وتمثل سؤال الاختلاف.
ففي تجربة الشاعر نبيل منصر تضعنا القصيدة في قلب البحث المستمر عن هوية النوع من خلال حفريات اللغة وأنساق التخييل التي تتوزع بين الحفر الأنثروبولوجي في بنية اللغة الشعرية، وتمثل الذات والعالم. إن الشاعر ينحت في اللغة من خلال تدمير حدود المعنى وإحلال بلاغة اللامعنى، والبحث عن أفاق تخييلية تستشرف التخييل وطقوس الكتابة. وهكذا يعيد الشاعر في ”أغنية طائر التم” ترتيب العالم في صورة تتجاوز المنطق الضيق للتشبيه البلاغي، إلى التقاط أنثروبولوجيا تعيد صياغة الحدود بين الذات والوجود والكينونة، ولغة طائر التم ولغة الشعر باعتبارها لغة الكون. فنحن أمام انزياح يصل باللغة إلى أقصى حالات الحدس، متوسلا رمزية تنطلق من الرحم النصي، أو ما سماه ريفاتير العكس المقرون، الكاشف لأوضاع العالم وتجليات المفارقة. ففي قصيدة ”تحت السرير تبيض العتمة”، يشتغل الفعل ”تبيض” داخل اللغة الشعرية، ليولد من خلال الخرق دوال ترتبط بالطائر. فتغدو العتمة استعارة للطائر، والسرير العش الدافئ الكينونة والوجود، وكأن القصيدة تتحول إلى مسكن، حيث تتجسد ممارسة الكتابة، باعتبارها لذة الإدراك والتخييل الكاشف لأسطورة الوجود، وهذا ما نستشفه من خلال العلامة والرحم النص «السرير» باعتباره فضاء الولادة والخلق والإبداع. إنه العلامة التي تنضم إلى نسق علامات أخرى «العش» «الطائر» لتؤشر إلى أن الفضاء، حيث يوجد السرير، فضاء الحرية والكينونة والحلم والولادة/الإبداع:
تحت السرير
تبيض العتمة /
إن الذات/ الشاعر يدرك العالم من خلال استعارة العش الكينونة، وعلاقته بالطائر الذي يشكل علامة نسقية ذات محمولات رمزية. هكذا يتم الانتقال من فضاء محدد، أي العش إلى فضاء اللانهاية، فليست هناك حدود بين الماء والتراب، حسب الشاعر. وهذا ما يبرر صعوبة انفصال الماء عن التراب. فكلاهما عناصر تشكل العالم والقصيدة، وبالتالي فهما المسكن الوجودي الذي يَأوي الشاعر ويشكل عالمه، وفضاء تحقق الكينونة، مثلما يتجلى من خلال استعارة الطائر/تبيض، العش/السرير، والبحر/اليابسة باعتبارها تشكل أنساق علامات تحيل إلى فضاء الكينونة، الذي ينحث أبعاده الأفقية والعمودية :
(أكرر دائما) لا معنى للجدار
الذي يفصل البحر عن اليابسة
في بيتي المعرش فوق الجبل (”أغنية طائر التم”)

الشاعر يستبدل الإيقاع بنوعيه، بالحفر في طقوس ورمزية اللغة المرتبطة بآستعارة الطائر، وعلائقها بفضاء اللانهاية، مستحضرا بنية التشظي اللغوي، باعتباره يعكس كينونة الذات وهواجسها وعلاقتها بالوجود.

إن الشاعر يستبدل الإيقاع بنوعيه، بالحفر في طقوس ورمزية اللغة المرتبطة بآستعارة الطائر، وعلائقها بفضاء اللانهاية، مستحضرا بنية التشظي اللغوي، باعتباره يعكس كينونة الذات وهواجسها وعلاقتها بالوجود. إن اللغة تستوعب كل المقومات السياقية لرمزية الطائر، كما نعاين من خلال التم/ اليابسة الماء والخفاش /ظلمة البياض. فالكتابة الشعرية باعتبارها حفرا في اللانهائي توازي وتتمثل رمزية الطائر، كما نرى من خلال قصيدة ”بجوف الكلمة يخفق خفاش”.
إن الذات هنا امتداد للانهاية وللقصيدة. ففي نص ”هذه لم تكن ريحا” تتألم الذات أمام هذا العالم لتحصي خسائره وفوضاه، كما يظهر من خلال معجم الموت (سيف، خنجر، مسموم، قبور، تقاتل) وبقدر ما تحفر الذات في عبثية وناقضات الوجود، من خلال حضور استعارة الموت، تنحث هوية القصيدة وسفرها بين الحدود، بين النثر والشعر كما تنعدم الحدود بين اليابسة والماء. إننا نستشف من خلال هذه التجربة، أن تخييل النص/العلامة يستمد جوهره من التداخل بين ثنائيات الوجود، الحياة والموت، الطبيعة الثقافة.. فالشاعر يدفع باللغة إلى أقاصي الرمزية ويحولها إلى وسائط أسطورية مشبعة بالرمزية، وهاجس القصدية. ففي الوقت الذي نعثر على ظواهرية القصيدة الجديدة ونطمئن إلى فعل الإدراك الجديد للعالم، داخل الخطاب الشعري، نجد أنفسنا في ترحال قلق بين رموز اللغة وطقوسها، وكل تمثلاتها الإنثروبولوجية، بحيث يدمر الشاعر حدود الإدراك ويضعنا داخل مسكن وجودي لانهائي.
أما بالنسبة لشعرية قصيدة سعيد الباز، فتضعنا ضمن مرجعيات لغوية مغايرة تتأسس على اليومي. إنها تحاول أن تقترب من شفافية اللغة، وتبحث من داخلها عن القلق الذي يراود الذات، مستعيدة سيرة اليومي. وهكذا نجد شعرية منصر تحفر القلق في ماهية اللغة ذاتها وتشكلها ولانهائية المعنى. فالقلق داخل اللغة وليس في الحضارة بتعبير فرويد، بينما في تجربة سعيد الباز، تعيد اللغة صياغة اليومي وانكساراته والرؤية للوجود من الخارج، فنحن أمام قلق في الحضارة والوجود.
إن الشاعر هنا يقيم في مناطق اليأس والموت الرمزي، كما تمثله الحياة الجديدة. فبلاغة النص الشعري في تجربة الباز تستنفر أدواتها من لغة السرد اليومي، محاولا إثارة سؤال البحث عن هوية الذات من أجل سبر أغوارها، ورصد هواجسها وعلاقتها المتوترة بالعالم، ولذا نجدها ذاتا تفتقد كينونتها وهويتها وتمتلئ بالعالم من حيث هو كثافة اللغة وانشغالاتها. وهكذا ينسج سعيد الباز صورة الموت الرمزي للذات من خلال سيرة الأمكنة واليومي، في الوقت الذي نجد الموت في تجربة نبيل منصر يَحفر في أنثروبولوجيا اللغة ومرجعياتها. فهو يؤسس لهوية القصيدة التي تنزع إلى استثمار المعنى المنفلت من لامعنى الوجود وبلاغة اللامحدود وتداخلها، حيث تغدو اللغة مشبعة بأساطير وميثولوجيات ومرجعيات معرفية متباينة؛ في الوقت الذي يتخذ سعيد الباز من اليومي الأسطورة الوجودية للذات، وبؤرة النص، ومصدر شعرية القصيدة. ففي أحد نصوص الشاعر سعيد الباز، نجد الذات تصادف الموت في صورة شخص أليف، وهي استعارة تكشف بنية المفارقة في نصوص الراهن الشعري المغربي باعتبارها تعري العالم الموسوم بالتناقض، وتكشف قلق الحضارة.
في كلتا التجربتين السابقتين تنزع الشعرية إلى الحفر في اللانهاية بين الحياة والموت، كما يراها الباز، وأنثروبولوجيا الموت والوجود بكل تمثلاته الرمزية (منحوتات، طيور، فصول) بالنسبة للشاعر نبيل منصر، الذي نجده يعيد الحياة إلى المنحوتات من خلال اللغة، أو ”الاستعارات التي نحيا بها” وهي رمزية حضور الطائر من جهة، ورموز الفن من جهة أخرى:
الهدهد مسح الأرض بأجنحة مثقلة بالملح
وما تلألا في عينيه نبع
تشرب منه عظام
ترعى أعشاب الموت
بيد أن تمثل الموت في تجربة عبد الله زريقة موسومة بالعلاقة الجدلية بين الذات والفضاء والذاكرة. هكذا يجترح الشاعر سيرة الموت وعالم اللامنتهى، من خلال أنساق شعرية مضمرة. فالذات الشاعر تتعقب اللانهاية، من خلال ذاكرة الموت، وهنا مكمن المفارقة، كما نستشف من خلال ديوان ”حشرة اللامنتهى”. إن الموت حفر في لانهاية عالم . فهو «متعفن بالثلج» حسب استعارة الشاعر في القصيدة الأولى. ولعل العنوان ذاته ينطوي على مفارقة وجودية بين العلامة ”الحشرة” والمضمر، باعتبارها علامة تنتج مدلولات مرتبطة بحدود اللانهاية، وحاملة لأنساق الرحم النصي، التي تحيل إلى غياب الحدود والهوية. وهكذا تستبدل القصيدة الإيقاع بهوية أجناسية مختلفة، وهي شعرية السطر، وما نسميه القرائن المرجعية من أجل الكشف عن ذاكرة الموت والحقيقة المفقودة، حقيقة الوجود الإنساني التي تنكشف من خلال نسق العلامات (تفحم، ظلمة القبر، سم الكتابة):
لا أعرف ماذا يريد هذا اللامنتهى مني (حشرة اللامنتهى)
وتكرار هذا المقطع في قصيدتين يحفر في لاوعي ذاكرة الشاعر التي نجدها بالفعل في مجمل النصوص تتفاعل مع الموت:
آه الحقيقة كوجه ميت تفحم
بظلمة القبر

ففي الوقت الذي نجد عند الخصار ومنصر احتفاء ضمنيا باللغة بطرق مختلفة تتحكم فيها طقوس وتقاليد وثقافة هذه اللغة ذاتها، نجد عند عبد الله زريق تمثلا ورؤية مغايريين للعالم

إن الحقيقة كما يظهر من استعارة ”تعفن الثلج” تختفي وتحل محلها رمزية الظلام الذي يحيل إلى عالم الموت والألم، فالحقيقة التي تؤشر إلى الواقع اختفت، وأبيدت بفعل احتراقها فلم تعد هناك هوية أو ذاكرة للذات، الوجه الذي احترق، أما الكتابة فتظهر حين تفتح جلدك ليدخل ”سم الحبر إلى قلبك”. إن الذات بصدد إدانة الكتابة باعتبارها أنساقا عاجزة عن كشف حقيقة العالم والقلق الحضاري. إن نص زريقة يشتغل على تكثيف لحظة الموت، من خلال استثمار بلاغة السطر الشعري في قصيدة النثر، التي تتأسس على الموجز وتكسير الأنماط الجاهزة، كما رأينا مع لغة هوية قصيدة منصر؛ وهي تحفر في لانهائية وحدود الجنس الشعري، وتعيد صياغة اللغة ذاتها من خلال توسيع أفق المعجم، وتحطم تماثيل اللغة المألوفة، فهي لغة تتجاوز ذاتها وتحاور العالم وتعري تناقضاته، وتسائل حدود النوع الأدبي.
وهكذا تتقاطع ثلاثة تشاكلات تؤسس لهوية القصيدة في هذا الديوان، وتنتج أنساق ديوان ”حشرة اللانهاية” وكأن النصوص تتوحد في العلاقة بين الفضاء وذاكرة الموت، الضاربة في لاوعي ذات الشاعر. فنجد تشاكل الموت (الجثة، الموت، السم، مقبرة، جنازة، العزلة، الظلام، البرد، التراب) وتشاكل الفضاء الغرفة (الغرفة، الحائط، الكرسي، الشمعة، الثلاجة) وتشاكل اللانهاية (اللانهاية، الكون، السماء).
إن فضاءات الموت والوجود في قصيدة زريقة، تضرب في عمق لاوعي النص، بينما تتأسس شعرية نص ”عودة آدم” لعبد الرحيم الخصار، على أنساق المرجع الذي يسبر لانهاية أسطورة تشكل الإنسان ”آدم” الموسوم بأبعاد رمزية، تتجلى في التداخل بين الأزمنة، والحوار بين الماضي السحيق والحاضر والمستقبل.. وسنتوقف في السطور التالية عند الفرق بين ما نسميه حضور القرائن المرجعية، وأنساق المرجع. فالمرجع في نص الخصار هو الذي يؤسس لشعرية النص، ويقوم بإرساء البنية الدالة. وهنا مكمن جماليات الراهن الشعري في تجربة الخصار. فاللغة تقاوم التاريخ الميثولوجي، لكن لا تنفك تعيد استحضاره في لاوعي الذات الشاعرة. فلو استحضرنا مفاهيم جيل لاستحضرنا بالقوة مفاهيم مثل الفرادة والخصوصية وغيرها، وهي مفاهيم إشكالية، تغلق النص وتعيق تمثل مفهوم الجنس الأدبي داخل نظرية الأجناس، وهو مفهوم متحلل ومتلاش بتعبير تودوروف، كما أننا سنعود إلى مشكل المعايير والقواعد بتعبير بوالو. فالمشترك يختلف من حيث التمثلات والرؤية للعالم، وهذا يرجع إلى اختلاف المرجعيات، وإطارات التفكير، والمختلف هو اللامعنى الكامن خلف ما يسميه تشومسكي إبداعية اللغة. ففي الوقت الذي نجد عند الخصار ومنصر احتفاء ضمنيا باللغة بطرق مختلفة تتحكم فيها طقوس وتقاليد وثقافة هذه اللغة ذاتها، نجد عند عبد الله زريق تمثلا ورؤية مغايريين للعالم، رغم حضور هاجس الموت والحياة والواقع والذاكرة. وهكذا يدين عبد الله زريقة الكتابة التي شوهت معالم الحقيقة وعجزت عن اقتفاء أثرها وسبر أغوارها اللانهائية والمتوغلة في الألم وعبث الوجود وفقدان الكينونة.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية