اللاجئون العرب يناضلون للعودة أم للاستقرار؟
د. عصام نعمان اللاجئون العرب يناضلون للعودة أم للاستقرار؟ اللاجئون العرب ثلاثة أنواع: لاجئون داخل أوطانهم، ولاجئون إلي أوطان عربية مجاورة، ولاجئون إلي أوطان أجنبية قريبة أو بعيدة.اللاجئون في داخل أوطانهم هم المهجّرون أو المشردون. اللاجئون إلي أوطان عربية هم النازحون، واللاجئون إلي أوطان أجنبية هم المهاجرون أو المغتربون.لعل اللبنانيين والعراقيين أبرز المهجّرين أو المشردين. منذ منتصف القرن التاسع عشر، ونتيجةَ اضطراباتٍ سياسية وأمنية وطائفية، تهجّر اللبنانيون في داخل مناطق متصرفية جبل لبنان والي بعض مناطق ولاية بيروت المجاورة. وبعد نحو 125 سنة من تهجيرهم الأول، عاني اللبنانيون التهجير مرة أخري نتيجة الحرب الأهلية التي اندلعت العام 1976 ولم تهدأ إلاّ في نهاية العام 1990.العراقيون يعانون الآن وعلي نطاق واسع، بسبب الإحتلال الأمريكي والحرب الأهلية الناجمة عنه، محنة التهجير والتشرد في داخل العراق. ففي إحصائية للمفوضية الأوروبية العليا للاجئين، بلغ عدد هؤلاء حتي الآن 1,7 مليون مهجر أو متشرد، والحبل علي الجرار.لعل الفلسطينيين ابرز النازحين الي أوطان عربية مجاورة منذ نكبة العام 1948 نتيجةَ زرع الكيان الصهيوني. هؤلاء يربو عددهم علي خمسة ملايين أي ما نسبته، حسب إحصائيات وكالـة الأمــم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا)، 65 في المئة من أبناء الشعب الفلسطيني، يعيش معظمهم (بمن فيهم المهجّرون في الداخل) في 59 مخيما منتشراً في مناطق عمليات الاونروا الخمس: الأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة. وبعد نكبة العراق بالإحتلال الأمريكي والحرب الأهلية نزح مجاميع من العراقيين إلي سورية والأردن. هؤلاء يربـو عددهم، حسب إحصائية المفوضية الأوروبية العليا للاجئين، أكثر من مليون نازح في سورية ونحو 750 ألفا في الأردن.اللاجئون العرب إلي أوطان أجنبية، أي المهاجرون أو المغتربون، يربو عددهم علي عشرات الملايين. لعل اللبنانيين كانوا الأسبق إلي الهجرة إلي الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر. بعدهم يأتي إخوانهم في بلاد الشام من سوريين وفلسطينيين، ثم يأتي العراقيون والمصريون المهاجرون في معظمهم، منذ منتصف القرن الماضي، إلي أوروبا وأمريكا.تكاد تتساوي الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية ـ الإجتماعية في دفع اللاجئين العرب، من مهجّرين ونازحين ومهاجرين، إلي التشرد والنزوح والهجرة. بنتيجتها يصبح العرب في التاريخ المعاصر في مقدمة الأمم المصدرة للأدمغة وأصحاب المهارات واليد العاملة ومحدودي الدخل والفقراء إلي مختلف أنحاء العالم. ما هي مفاعيل هذه الظاهرة المتمادية والمقلقة؟ثمة نتائج داخلية وخارجية لظاهرة التهجير والهجرة. وهي نتائج سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية سرعان ما تتحول أسباباً وعوامل فاعلة ومنتجة لمشاكل إضافية معقدة. طردُ الفلسطينيين من وطنهم ونزوحهم إلي الأردن ولبنان وسورية تسبّبا في تعديل التركيبة الديموغرافية في البلدان الثلاثة الأمر الذي انعكس تاليا علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ثم ما لبثت هذه العوامل والفواعل أن انعكست علي الأوضاع السياسية في البلدان الثلاثة (ومن ثم في مصر) فتسببت في حدوث إنقلابات عسكرية وسياسية، ما زالت نتائجها تتفاعل حتي الوقت الحاضر.أحالت الحكومات العربية عبء اللاجئين الفلسطينيين علي الغير كونه ليس مـن فعلها، فتولّت الأمم المتحدة معالجة نتائج محنتهم منذ منتصف القرن الماضي. اليوم، إذ تتفاقم مشكلة المهجّرين والنازحين والمهاجرين العراقيين، هل تشعر الحكومات العربية بأنها مسؤولة، قبل غيرها، عن محنة هؤلاء وانعكاساتها المحلية والإقليمية؟لا يبدو ان مسؤولي ما تبقي من النظام العربي المترنح يعون مفاعيل النكبة العربية الجديدة المتمثلة بمحنة اللاجئين العراقيين، من مهجرين ونازحين ومهاجرين، وانعكاساتها علي مستقبل العراق وعلي البلدان المضيفة. ذلك ان أحداً منهم لم يطلب إدراج هذه المشكلة المتفاقمة في جدول أعمال مؤتمر القمة العربية المقبلة أو يتطرق إليها في المحادثات الثنائية التي تجري بين المسؤولين أنفسهم. المفارقة تتجدد مرة أخري إذ توفد الولايات المتحدة إلي سورية مسؤولا في وزارة خارجيتها لتقصي الحقائق ربما من اجل إيجاد مخرج لبلاده من هذه الورطة الإضافية التي ستنعكس عليها. مثلها فعلت أوروبا التي أوفدت رئيس المفوضية الأوروبية العليا للاجئين انطونيو غوتيريس من اجل جمع مبلغ 60 مليون دولار للمساعدة في رفع المعاناة عن العراقيين النازحين والمهاجرين. كل ذلك في وقـت ينبري شيخان جمهوريان، نورم كولمان ولوت ترنت، وآخران ديمقراطيان، ريتشارد دوربن وفرانك لوتنبرغ، إلي تقديم مشروع قرار إلي مجلس الشيوخ الأمريكي يركزون فيه علي ان للاجئين الفلسطينيين حقوقا وللاجئين اليهود الحقوق ذاتها أيضا ، وأن الحلّ هو في توطين اللاجئين الفلسطينيين وفي المساواة حيث هم، في ظل عملية التبادل السكاني التي حدثت بين يهود البلدان العربية الذين هاجروا إلي إسرائيل واللاجئين الفلسطينيين الذين حلّوا في البلدان العربية ! وعليه، يقترح الشيوخ الأربعة اعتبار مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بديلا من وكالة الاونــــروا التي يقتضي إلغاؤها ! هكذا يصبح همّ اللاجئين الفلسطــــينيين (وبعدهم اللاجئون العراقــيون) النضال ليس من اجل العودة إلي الوطن السليب أو المحتل بل الاستقرار في الوطن البديل!في ضوء هذه التطورات ينهض سؤال: تري، هل ستكون للنكبة العراقية مفاعيل مماثلة للنكبة الفلسطينية في العراق نفسه وفي البلدان المضيفة؟نعم، علي الأرجح. إنها الآن قيد التكوين وسوف تتبلور وتتفجر عاجلاً أو آجلاً وبأشكال متعددة. من هنا تنبع أهمية التحسب علي صعيدي التفكير والتدبير لهذا التحدي الكبير والخطير. إن الشبكات الحاكمة في البلاد العربية لا توحي بأنها قادرة أو حتي راغبة في التصدي لمفاعيل النكبة العراقية بتجلياتها وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن اهتمامها بها لا يتعدي الجانب الأمني ليس إلاّ. ما يهمها هو البقاء… البقاء في السلطة بمنأي عن أية هموم أخري. ولكن، ماذا عن أهل النخبة والقوي الوطنية الملتزمة؟ هل أصيبت بعدوي الكسل والتخاذل العربيين؟ أين المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي الإسلامي، والمؤتمر العربي العام؟ أين مراكز الدراسات الاستراتيجية والأبحاث النهضوية؟ أين المفكرون والصحافيون والمحامون والمهندسون والأطباء وسائر المهنيين والنقابيين العرب؟ ماذا ينتظرون، وعلي من يعوّلون ويراهنون؟أمَا لليلِ العُرْب آخر؟ كاتب وسياسي من لبنان9