اللبنانية سارا صفي الدين… الكتابة البوحيّة باباً لمواجهة الذات

حاورتها: هدى مرمر
حجم الخط
0

«اسمعني يا رضا» (هاشيت أنطوان/نوفل 2021) هي الرواية الأولى للبنانية سارا صفي الدي ــ مواليد العام 1988 ــ والتي اختارت أن تلوذ راويتها بالكتابة، كي لا يقاطعها الحبيب بحضوره أو غيابه على حدّ سواء. فهل سيسمعها؟ وهل ستريده أن يسمعها بعد انتهاء بوحها الورقي؟ عن الرواية وصاحبتها دار الحوار التالي ..

■ هل الكتابة البوحيّة تواجه راويها مع ذاته؟
□ الكتابة البوحية حتماً تفتح للكاتب باباً ليواجه ذاته. فهناك دائماً ما يضعه الكاتب من نفسه خلال الكتابة، حتى إن كان كل ما يكتبه اختلاقاً وخيالاً. بالنسبة إليّ، الكتابة تفضح ما أفكر به، تضع كلمات لما يدور في ذهني. حين أكتب، أكتشف ذاتي لأنّني أتعلّم أفكاري. في معظم الأحيان أنا أشعر بالكثير من الأمور التي لا أعرفها، فتعطيني الكتابة لغة تواصل مع ذاتي. تعلّمني بعد أن أقرأ ما كتبته ما يدور في خاطري وتخبرني عنه. تسمح لي بالتعرف على أفكاري التي تؤثر بالتالي في كتابتي. وأحياناً تصفعني الكتابة، تفضح حقيقتي! كذلك الشخصية في روايتي. تواجه ذاتها وتبوح بما لا تعرفه عن نفسها، لأنها حين باحت علمت!

■ هل كتبت الرواية لتُسمعي، أم لتَسمعي صوتك؟
□ كتابتي لهذه الرواية كانت لأسمع صوتي، فكما هي الحال، لم تكن شخصيتي تكتشف نفسها خلال الرواية وحسب، بل أنا أيضاً. لكنني أيضاً أريد أن اُسمع صوتي هذا الذي سمعته، والذي سمعته شخصيّتي. وأكثر ما يزيد من متعتي هو أن كل قارئ سيسمعه بشكل مختلف، بشكل يشبهه، فيجعل من صوتي أصواتاً كثيرة.

■ هل يُبطل الصمت السلبيّ والتقوقع الذاتي فعالية سحر الحبّ؟
□ بالنسبة إليّ سحر الحب ينتهي مع أو دون الصمت والتقوقع. هو حالة أوّليّة لامعة وبرّاقة للحب تنتهي وتتلاشى مع الوقت، خاصة حين تصبح الحياة أكثر جدية. لكنّ الحب بحد ذاته قد يبقى ويقوى. فالحب ينضج فيتغير شكله. يصبح الأنس والألفة والاتفاق، ويتحول إلى احترام ومودة. الصمت السلبي والتقوقع يبطلان هذا الحب بحد ذاته، يبطلان الجوهر، لأنهما يؤديان إلى غياب التواصل. وحين يغيب، يغيب الحب وجوهره. ويصبح كل حبيب في عالمه الخاص ودربه.
■ لمَ يتلاش سحر البدايات؟ هل هو مجرّد وهم؟
□ سحر البدايات يتلاشى لأنّه حالة مثالية جدّاً، البدايات مجبولة دائماً بالحماس والتطلّع والتوقّعات الجميلة. أشعر بأن الإنسان يكون شحنة مليئة بالأمل والهمة حين يكون في بدايات الأمور، فيصبح متطرّفاً في السعادة والعشق. عيناه أوسع ما تكونان، خدّاه في أشدّ التورّد، دمه في دوران مجنون. هذا الكائن المنفعل سرعان ما يخفّ نبضه فتصبح الأمور في نظره أقلّ إثارة. يحتل الواقع بداياته بالتدرّج، وهذه الحالة المثالية التي دفعته ليفرط في الحب والمسامحة، تضمحلّ. لذا سحر البداية وهم بالنسبة لحالته الطبيعية الدائمة. لكنّها وهم مهم، فهي تدفعه ليخوض الشوط الأول من كل تجربة جديدة وفي كلّ واقع جديد.. تخفّف من قلقه. سحر البدايات وهم جميل، وهم مطلوب. نشتاق له، نحبّه ونتوق إليه.

■ في الرواية جزء يتماهى معه كل عاشق وهو الغياب عن الذات و/أو عن الآخر. ما الأصعب: الغياب الجسدي أم الروحي؟
□ جميع الغيابات هي غيابات صعبة، لكل منها حصّة من الألم والوجع، وقد تجتمع أو تقود إحداهما إلى الأخرى. ما أعرفه هو أن الغياب الجسدي غياب معلوم، يقاس بالزمن وله أبعاد جغرافية. أما الغياب الروحي فيأتي بغتة وبالتدرّج. وقد يكون الإنسان غائباً عن غيابه الروحي، فتذبل روحه ببطء، وقد يستيقظ في حياته عن هذا الغياب وقد لا يفعل أبداً.

■ لمَ شرّعتِ كل الأبواب وانتقيتِ نهايةً مفتوحة لم تروِي ظمأ بطلتك بإيجاد أجوبة لأسئلتها عن علاقتها؟
□ لأنني لا أؤمن بالنهايات، فبطلتي في الرواية ستكون بدايتها في أي من النهايات الممكنة. الحياة الواقعية لا تتحمّل النهايات. نهايات القصص هي حجّة تسمح للقارئ بالتوقف عن التفكير، تعطيه الطمأنينة اللازمة. لكنّي لا أريد ذلك له، فبطلتي اكتشفت ذاتها للتو، وبدأت بالتفكير لتوّها، لذا فليفكّر القارئ معها ـ فليعش حالتها وقد يُسقطها على ذاته. في روايتي النهاية تضعفها، تقولب أبعادها. روايتي مساحة مفتوحة للتفكير، فلم أتمكّن من الإقفال عليها بنهاية.

■ هل يمكن للعلاقة بين الحبيبين أن يرمّمها التلاقي بعد أن صدّعها البعد؟
□ في الحقيقة، لا أعرف. كيف لي أن أعرف وما زلت في بداية سني عمري. حين نكون مراهقين نظن أن أمور العشّاق هي أمور المراهقين والشباب فقط. لكن ما أعرفه الان هو أن هذه الامور هي أمور الكبار، وهي أمور معقّدة جدّا. فيها بقدر عدد الناس من التجارب ولا يمكن إحصاؤها. أشعر بأن أمور الحب هي أمور نعيشها ونشعر بها، ثم نرى إلى ما ستقودنا. فلا أعرف حقاً جواباً حقيقياً لما يحصل في تلاقي الحبيبين بعد البُعد. لهذا السؤال ما لا يحصى من الروايات التي يمكن أن تُكتب لتصف هذه اللحظة بالذات أو تأتي بجواب على هذا السؤال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية