اللبناني ماهر عطار: الصورة موقف ومسيرتي الفنية بدأت من قلب الحرب الأهلية

الدوحة: اللقطة في عالم التصوير الضوئي تعني جزءاً من أربعةٍ وعشرين جزءاً من الثانية بالمعيار الزمني، وتعني أشياء كثيرة بمعايير أخرى تكوّنها، مثل: فكرة الصورة، وزاوية الرؤية، ودرجة الإضاءة، ونوعية المؤثرات، وطريقة التحميض، ومستوى الطباعة، وربما تأتي أخيراً تقنية الآلة (الكاميرا)، مع أن اللقطة بدونها لن تكون.
اللقطة بهذا المفهوم تجربة مديدة، تستند على موهبة حقيقية، قد تلعب المصادفة دوراً في الارتقاء بقيمتها الفنية، لكن مبدعها لن يصمد طويلاً أمام المتلقي، إذا ما أراد لقطة جديدة، تماثلها من حيث البراعة.
اللقطة إذاً ثقافة متبادلة، بين فنان وجمهور يقدّر قيمتها، وماهر عطار في كل لقطة من لقطاته الفوتوغرافية ـ أحسبه ـ يسأل نفسه مرات عديدة قبل أن يدفع بها إلى عالم الضوء، هل اكتملت الصورة؟ حيث التوهج أو الانطفاء!
عملية احتراق خطيرة يخوض غمارها المصور المحترف.. «التظهير» هو آخر مراحلها الدقيقة والمعقدة بحق، وإلا فما الفرق بين صورة وصورة للموضوع ذاته، بالكاميرا ذاتها؟ إنه يشبه الفرق بين شخص وآخر، وبصمة وأخرى، وأسلوب فني وآخر، استناداً إلى تلك المقولة الفرنسية الشهيرة: «الأسلوب هو الرجل».

بداية كالجرح

يشرح الفنان اللبناني العالمي ماهر عطار، الذي أمضى أكثر من عشرين عاماً في فرنسا ويقيم اليوم في قطر، رؤيته الفنية لـ «القدس العربي» قائلاً: الصورة فكرة أولاً، ولكن من الصعب تعريفها بكلمات قليلة، إنها ليست مجرد «كبسة زر»، بل هي فن قائم بذاته، وحكاية طويلة..
وعند سؤاله عن حكايته هو مع الصورة يجيب عطار: قصتي بدأت كجرح، ففي العام 1982 أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً خلال الحصار الإسرائيلي على بيروت، راحت النظرة إلى الأشياء تتغير، لقد كان معظم الشباب من أبناء جيلي يفكر بالتجارة والأعمال، ولكن ذات مرة استعرت كاميرا من أحد أصدقائي، كاميرا بمواصفات عادية وبسيطة جداً، نزلت بها إلى الشارع لألتقط صورة لما يحدث من حولي، لم يكن لدي أي خبرة، لكن سرعان ما أصبحت «العدسة» عيني التي أرى بها.. بعد ذلك بثلاث سنوات وخلال «حرب المخيمات» أي في العام 1985، وأثناء إحدى رحلاتي التصويرية الرهيبة ظهرت أمامي فجأة من بين الأنقاض امرأة غاية في الأسى والبؤس ومعها طفلة مصابة، كانتا تنظران إلي نظرة غريبة، لقد خرجتا من قلب الموت، من قلب مجزرة حقيقية، وكنت أول من يرى المشهد، لن أنسى ما حييت مشاعري المرتبكة لحظتها، التقطت الصورة، وكانت النتيجة بعدها على الفور أنني تعرضت لضرب شديد من قبل مسلحين، لا أعرف لماذا؟ لكنني استطعت أن أصل بالصورة سالمة إلى وكالة أنباء، وكانت المفاجأة الأكبر أن الصورة وصلت إلى كل العالم، واحتلت الصفحة الأولى في صحيفة «نيويورك تايمز»!

الصورة الصحافية

الصورة تعادل الشجاعة، أو الوقوف بين الحياة والموت؟ (نعم) يقولها عطار من واقع تجربته: الصورة موقف، هنا نتحدث عن الصورة الصحافية، في إحدى المرات أصبت برصاصة في الخد خرجت من الجهة الأخرى من رأسي، وحين أفقت قال لي الطبيب الجراح: لقد ولدت من جديد، فلو انحرفت «الطلقة» ملمترين فقط لكنت الآن في عالم آخر.. بعدها تركت الحروب، لا سيما بعد أن تزوجت وأنجبت واستسلمت لرجاء أمي.
يتابع ماهر عطار، الذي يشغل منصب مدير مكتبة الصور التابعة لمكتب سمو الشيخة موزا بنت ناصر حرم الأمير الوالد في قطر، مفسراً جانباً من علاقته القوية مع موضوعات صوره في مراحل تالية، ومنها سوق واقف: وقعت في غرام هذا السوق الشعبي القديم بالدوحة منذ اللحظة الأولى من إعادة إحيائه وترميمه، حتى قبل أن يصبح أحد أبرز الوجوه المشرقة في نهضة الدولة الخليجية الحديثة، مضيفاً: اشتغلت الموضوع بالتعاون مع الفنان التشكيلي القطري محمد علي عبدالله المشرف الفني على هذا المشروع الحيوي، وكانت النتيجة معرضاً وكتاباً يوثقان علاقتي مع المكان، عبر التقنية الأصعب في التصوير، ألا وهي الأبيض والأسود.

الأبيض والأسود

لماذا الأصعب؟ يقول ماهر: هناك اعتقاد أن الأبيض والأسود يعني غير الملون، لكنه اعتقاد خاطئ، فالأبيض والأسود هما لون واحد هو الرمادي ودرجاته، وهو يتميز بطاقة تعبيرية هائلة، من هنا تأتي صعوبته التي لا يستطيع أي مصور النجاح في التقاط هذه التعبيرية وإيصالها إلى الجمهور.
لم يكتف ماهر عطار بركوب الصعب في عملية التصوير، بل عمد تالياً إلى خوض مغامرة جريئة على صعيد الكاميرا، واللعب معها، في معرض حمل عنوان «لحظة سكون على أرض متحرّكة»، وجاء فيه بلوحات فوتوغرافية التقطها بكاميرا قديمة وبدائية!
المعرض أثار دهشة بالفعل لدى المتابعين في قطر التي تحتفي بالفن الفوتوغرافي بشكل خاص، بدءاً من تأسيس الجمعية القطرية للتصوير الضوئي، إلى إنشاء جائزة آل ثاني الدولية للتصوير، إلى سلسلة المعارض المتلاحقة التي تحتضنها أكبر الصالات وأكثرها فخامة، ومنها «أنيما غاليري» في جزيرة اللؤلؤة، حيث افتتح سعادة الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني نائب رئيس هيئة متاحف قطر ومؤسس المتحف العربي للفن الحديث (متحف) المعرض المشار إليه وسط حشد واهتمام كبيرين.

لوموغرافيا

يَمضي عطار بمُشاهِد لوحاته في رحلة اكتشاف جديدة لقطر، التي تختال بين الماضي والحاضر، مجسّداً من خلال معرضه هذا «لحظة سكون على أرض متحرّكة» حركية الانتقال من زمن إلى آخر، عبر آلة تصوير «لوموغرافيا» متواضعة، من أجل العودة إلى الصور الأصلية والعفوية.. «بعيداً عن الرقمية، والمصنّعة بإتقان والتي يتم التحكّم بتفاصيلها بشكل مبالغ به، ما يجرّدها من روعة تلك الشوائب التي إذا ما أجدنا توظيفها، من شأنها أن تمنح الصورة لمسة فنية خلابة».. هكذا يرى الفنان ماهر عطار الصورة والإحساس بها، مسترسلاً: في عصرنا هذا، ومع التطور السريع الذي يشهده عالم التصوير، تسمح لنا الآلات الحديثة بالتقاط صور رائعة عالية الدقة بواسطة إعدادات أوتوماتيكية، والأمر نفسه ينطبق على مرحلة ما بعد المعالجة، بفضل الكمبيوتر وبرامج التصحيح كالفوتوشوب، والتي هي أيضاً تحظى بتطور متسارع، فيمكننا أن نرى صورنا على الفور، والاحتفاظ بها أو محوها، وهو خيار وميزة لا توفرهما آلات تصوير الزمن الفضي، وتبعاً لذلك ومع كل تلك التقنيات الحديثة المتوافرة، أصبح اليوم بإمكان الجميع أن يصبحوا مصورين محترفين، فأين يكمن التحدي وسط كل ذلك؟ يتابع عطار: لقد اخترت التقاط الصور بواسطة آلة تصوير «لوموغرافيا»، فليس أجمل من تجسيد الماضي بواسطة هذه الآلة المتواضعة التي نجد معها كل تلك الشوائب الجميلة التي تسعى الآلات الحديثة جاهدة إلى تصحيحها، من غشاوة وإنارة رديئة وألوان متغيرة.. ورغم محدودية خيارات التعديل التي تؤمنها آلة التصوير هذه، إلا أنها تتيح القيام بمناورات مختلفة من حيث الإنارة وتقدّم شريط التصوير يدوياً وبشكل تام، ما يسمح باستكشاف مساحات تعجز آلات التصوير الحديثة عن بلوغها.

الصورة – الكتاب

يعلم ماهر عطار أن فن الصورة يتسيّد عصر العولمة، التي اجتاحت عواصفها كل تفاصيل الحياة اليومية، حتى باتت تهدد هوياتنا وخصوصياتنا كشعوب وأفراد، ورداً عليها اقترحَ عطار على ما يبدو كتاب «بورتريه.. لبنان»، يقول: الكتاب عبارة عن مجموعة من البورتريهات، وجوه لأشخاص، حاولتُ من خلالها أن أقدم رؤيتي الخاصة لفن البورتريه، فالبورتريه ليس صورة لبطاقة شخصية أو جواز السفر، البورتريه يدلّك على أشياء عميقة جداً.. ما يمثله هذا الشخص وعصره الذي يعيش فيه، العادات والتقاليد وتفاصيل أخرى كثيرة، وقد اخترت وجوهاً لبنانية أولاً؟ لأن لبنان وطني الأم، وقد تعمدت الابتعاد عن الشخصيات السياسية والدينية وتناولت فقط الوجوه الثقافية والفنية والاقتصادية كي لا أدخل في قصة الانتماءات والتحزبات والطوائف، وكي لا أثير الحساسيات، كما أن الوجوه التي قدمتها في هذا الكتاب هي ليست كل الوجوه، حيث اخترت 49 شخصا ولم أتوقف عند مسألة الرقم لأنها غير مهمة أيضاً، فالمهم في الكتاب أن هؤلاء يمثلون جزءاً أساسياً من لبنان.. ثمة: مارسيل خليفة، أمين الباشا، أليسا، جميل مروة، عيسى مخلوف، أنطوان كرباج، إلياس الرحباني، سامي كليب، نيشان، كارمن لبس، زافين قيومجيان، نادين لبكي، زاهي وهبة، أليسار كاركلا.. وقد قمت بترتيب تسلسلهم في الكتاب حسب الأحرف الأبجدية، حتى أعفي نفسي من عملية المفاضلة، ولكن هناك ملاحظة مهمة في الكتاب، وهي أنني وجهت إلى كل واحد من هؤلاء 10 أسئلة من أسئلة الفيلسوف بروست، فجاءت إجاباتهم بمثابة صورة أخرى، لكن عبر الكلمات موازية للصورة الضوئية، فضلاً عن تعليق موجز يعرفون به أنفسهم، ويضيف عطار: الكتاب من جهة أخرى يعرف بفن البورتريه الذي لم يأخذ حقه عربياً، بل إن فن التصوير إجمالاً لم يأخذ حقه كما ينبغي، ففي أوروبا وأمريكا الصورة الفوتوغرافية دخلت المتاحف وتصدرت مقتنياتها بجدارة، أما في عالمنا العربي فلايزال هذا الفن لا يلقى الاهتمام المطلوب باستثناء قلة قليلة!
لاحقاً أصدر ماهر عطار كتاباً سماه «الدوحة.. راما» دشّنه سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري وزير الثقافة والفنون والتراث ضمن حفل كبير في بهو متحف الفن الإسلامي، ووثّق فيه عطار تاريخ مدينة الدوحة، الذاهبة في اتجاهين متكاملين ومتناغمين في الوقت نفسه: الأصالة والمعاصرة.

تحديات وواقع

حالياً، يغيب ماهر عطار في رحلة عمل طويلة، يستثمر فيها عصارة تجربته المشحونة بالأحداث والشخصيات والأمكنة والأزمنة المختلفة، هذه المرة يعيد الاعتبار لمقولة «الفن للمجتمع» بدلاً من «الفن للفن».. مع ارتفاع منسوب الفقر والمرض والجهل بسبب الحروب الطاحنة هنا وهناك!
يعود عطار إلى «مهنة المتاعب»، انتصاراً لبرنامج «علّم طفلاً»، الذي انبثق من مبادرة الأمم المتحدة «التعليم أولاً» بالشراكة مع المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، وأطلقته الشيخة موزا بنت ناصر قبل نحو عامين..
عطار زار تسع دول أو مناطق منذ حزيران/يونيو 2013 حتى الآن، هي: تاهيتي والبرازيل والهند وبنغلادش ولبنان والأمازون وكينيا والسودان وساحل العاج، على أن يستكمل الرحلة في: تايلاند وكمبوديا واليمن، مصوراً معاناة الأطفال في المناطق الأكثر بؤساً في العالم، هؤلاء الذين لم يفقدوا الأمل في التعليم رغم كل الصعوبات، بل إنهم يواجهون المأساة بقلم الرصاص والدفتر والسبورة الخضراء.. وقبل كل شيء بالابتسامة.
المشروع الذي يحمل عنوان «تحديات وواقع» – حسب ماهر عطار – سوف يسفر عن معرض وكتاب في ايلول/ سبتمبر 2015، لكن الأهم أنه سيعرّف العالم بقضية عشرة ملايين طفل يقاسون الأهوال من أجل الوصول إلى سقف يشع تحته نور العلم.

عبدالله الحامدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية