اللصوص عادة من بين المسؤولين الذين تحميهم ترسانة قوية من القوانين!

حجم الخط
0

مكتبة الأسرة تعيد نشر كتاب حول نهب آثار مصر:

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: ضمن سلسلة الأعمال الفكرية عن مشروع مكتبة الأسرة صدر كتاب مهم للأثري وعالم المصريات الأمريكي ‘بريان م. فاجان’ تحت عنوان ‘نهب آثار وادي النيل ودور لصوص المقابر’ بترجمة للدكتور احمد زهير امين ومراجعة الدكتور محمود ماهر طه.

يقدم المؤلف كتابه بفقرة دالة من سفر الخروج 3: 22 حيث ينقل عنه ‘ بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها امتعة فضة وامتعة ذهب وثيابا وتضعونها على بنيكم فتسلبون المصريين.. ‘. يبدأ بريان كتابه بفقرة مطولة للأثري المعروف كارتر الذي اكتشف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، حيث يشير الى الرشوة التي كان يدفعها لصوص الآثار الى حراس المقابر للتسلل في الظلام لسرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه، ويروي برايان ان البرديات حفظت انباء قضية سرقة المقابر الكبرى التي جرت وقائعها في فترة حكم رمسيس التاسع (1142 ـ 1123 ق.

م) وارتبط بها رجلان من كبار الموظفين هما باسر محافظ طيبة الشرقية، و باورو محافظ طيبة الغربية.

وتنقل هذه البردية اعترافا لأحد اللصوص وهو يقول هناك عثرنا على مومياء الملك المبجلة… ووجدنا كثيرا من الشارات والحلي حول رقبته، وكان على رأسه قناع ذهبي، وكانت المومياء نفسها مغطاة بالذهب بكثافة فنزعنا عن مومياء الملك المبجلة، كما استولينا على الشارات والحلي وكسوة التابوت.

ولم تكن الاحتلالات المتوالية التي حلت بمصر اقل وطأة في تخريب آثارها، وكان الفتح العربي لها احد هذه الاحتلالات، فالثابت ان العرب استخدموا المعابد والأهرامات كمحاجر يتم قطع الحجارة منها كمورد سهل للبناء، وقد تحطمت الكثير من المعابد بحثـا عن كنوز وهمية كان يعتقد أنها موجودة داخل الأقبية والمقابر والأهرامات المتعددة، وقد تأسست مدينة الفسطاط العاصمة الجديدة لمصر من كسوة الأهرام وحجارة المعابد والمقابر القريبة. وقد كانت مادة القطران المعدني التي اكتشفت كمادة في التحنيط المصري سببا مباشرا في سرقة آلاف المومياوات من أماكنها وبيعها، وبعد أن كشف الطبيب العربي المعروف عبد اللطيف البغدادي عن أهمية هذه المومياوات في العلاج من كثير من الأمراض راجت الى حد كبير هذه التجارة. ويصف مؤرخ عربي عملية سطو على المومياوات قائلا:

قبض على من جمع كثيرا من الجثث ومثلوا أمام العمدة وضربوا حتى اعترفوا بأنهم تعودوا الاستيلاء على الجثث في المقابر ثم غليها في الماء على نار حامية حتى يقطع لحمها، بعدها يجمعون الزيت الصافي (القطران) على سطح الماء ويبيعونه للفرنجة الذين كانوا يدفعون 25 قطعة ذهبية لكل مئة وزنة منه.

أما في فترة الحكم العثماني فلم يكن الحال أفضل كثيرا فيما يتعلق بتجار ة الآثار، لدرجة دفعت بعض السائحين والزائرين العابرين الى التنقيب بأنفسهم عن الآثار وكانوا يحصلون على تصاريح بنقل محتويات بعض المقابر والبحث عن الآثار والتماثيل والنقوش بالحفر حول المعابد، وقد نجحت بعض هذه الأعمال وأدرت على أصحابها الكثير من المومياوات والمتاع المقبري الجميل رغم المخاطر التي تعرضوا لها. ويضرب بريان مثالا على ذلك بمقتل مغربي ويوناني في آخر معابد طيبة حسبما انبأ الرحالة الانكليزي وليام جورج بروني وذلك من قبل الاهالي لاعتقادهم ان الرجلين يملكان الوسائل السحرية التي سترشدهم الى مخابئ الكنوز والجواهر الأثرية، فإذا تم الكشف عن كنز كان الكل يطالب بحقه فيه، وكانت الحكومة والمحليات على رأس المطالبين.

أما شمشون البتاجوني فيصفه برايان بأنه المهرب الأكبر وهو ايطالي تجول في أوروبا، وعمل كمهرج وساحر ولاعب أثقال وتجول في معظم أنحاء أوروبا حتى حل على العاصمة العثمانية حتى حل بلزوني على مصر وتجول فيها واجري عددا من الحفائر في فناء معبد موت وكشف عن مخبأ يحوي تماثيل غرانيتية للتربة سخمت ذات الرأس الاسدية، زوجة الإله بتاح وكذلك عدد آخر من التماثيل النادرة التي نقلت بعد ذلك القاهرة ثم الإسكندرية ورشيد حيث تم حفظها من القنصلية البريطانية تمهيدا لنقلها الى انكلترا.

الحملة الفرنسية ودورها في الحضارة المصريةيتوقف المؤلف امام الدور الذي لعبه الاحتلال الفرنسي لمصر رغم فشله في وقت وجيز، ويشير برايان الى ما فعله العالم الفرنسي دينون بعد عودته مع الحملة الى فرنسا بعد أن كلف بإنشاء متحف اللوفر، حيث خصص به أول جناح للآثار المصرية، وظل يمده بالتحف والآثار حتى نهاية حكم نابليون، بعد ذلك اصدر كتابه رحلات في مصر السفلى والعليا عام 1801، فذاع أمره وترجم الى عدة لغات، وقد استغرق العمل المهم الذي أعدته الحملة عن مصر وقتا طويلا، ثم تمخض عن كتاب وصف مصر الذي صدر مجلده الأول بعد ثماني سنوات من بداية العمل، وهو الكتاب الذي صدر من أربعة وعشرين جزءا بين أعوام 1809 حتى عام 1813. يشير بعد ذلك برايان الى تجارة الآثار التي كانت في ذلك الوقت، حيث كان العمل في السلك الدبلوماسي هنيا وليست له أعباء كبيرة، لذلك وجد القناصل والدبلوماسيون لديهم من الفراغ والراحة ما مكنهم من الرحلة لجمع الآثار.

ويتوقف المؤلف أمام اسم أول قنصل لفرنسا في مصر وهو برناردينو دروفيتي الذي حقق ثروة هائلة من تجارة الآثار المصرية، حيث عمل قنصلا بمصر حتى عام 1814م، ثم أعيد للعمل بها من عام 1820 حتى 1829م.

أما قنصل بريطانيا في الفترة نفسها الكولونيل ميست فلم يكن من المهتمين بالآثار بينما خلفه هنري سولت اهتم بالآثار اهتماما بالغا، وقد كلفه بعد ذلك وكيل الخارجية البريطانية بجمع ما يستطيع من آثار والبحث عن حجر يضارع حجر رشيد وانه مهما كانت التكاليف فسوف يجد التمويل، من شعب مثقف، متشوق للتفوق على الشعوب الاخرى في إظهار اهتمامه بالعلوم والآداب والثقافة. ويذكر برايان أن الرجلين ـ الفرنسي والانكليزي ـ تجاهلا كل الأصول الدبلوماسية في البحث عن الآثار فمسحا القطر كله من اجل البحث عن مناطق امتياز.

يقول برايان كان للقناصل في مصر القول الفصل، ففي تنشيط البحث الأثري، واستقر بعض الرجال المعروفين في مصر، ومن هؤلاء جان جاك ريفو، وهو فرنسي من مرسيليا اقام بالقاهرة منذ 1805 للتنقيب عن الآثار والتجارة في التحف الخفيفة، ثم انضم الى العاملين مع دروفيتي لبعض سنين، رافق القنصل خلالها في رحلة أثناءها عام 1816 الى الشلال الثاني، ومنهم التاجر الارمني جوفاني انستاسي، وكان والده من موردي التموين لجيش نابليون ثم أفلس بعد انتهاء الحملة، لكن الابن كافح حتى أصبح صاحب تجارة ناجحة، بعد ذلك أصبح قنصلا عاما للسويد والنرويج في مصر، وواحدا من انجح تجار الآثار، وبالأخص البرديات التي اعتاد الحصول عليها من لصوص المقابر بسقارة، وفي ذلك الوقت لم تكن تجارة الآثار بحاجة الى مؤهلات خاصة، بل تعتمد على مجرد الشطارة و الرشوة والواسطة، والاهم الشد والجذب ثم التراضي بين المتنافسين.

وينقل برايان عن هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون قوله كانت هذه الأيام امجد أيام الاستكشاف والبحث عن الآثار، كان كل شيء موجودا من الجعران الى المسلة، وإذا حدث خلاف بين الاخوة الأعداء من المستكشفين فقد كان يمكن للبندقية ان تحسم الامر.

الآثار ومفهوم القوميةيشير برايان في نهاية كتابه الى أن الوقت الحالي شهد تغيرا في الأجواء الفكرية بالنسبة للآثار بحيث أصبحت عاملا في زيادة الانتماء القومي وأصبح الناس أكثر إدراكا لأهمية الآثار والوعي بادراك ما يمكن أن يؤدي إليه التنظيم في مجال الدراسة الصحيحة للجنس البشري، ويوجد تراث مصر القديم ـ الآن ـ مبعثرا في كثير من الدول، ويضيف برايان ان التوابيت والتماثيل المصرية القديمة تتراكم في مخازن المتاحف وأروقتها وقد علتها الأتربة، وكانت هذه الآثار أصلا من مقتنيات هواة جمع الآثار، تنازلوا عنها بعد ذلك للمتاحف، وجاءت نتيجة تكثيف الحفائر في مواسم قصيرة يقوم هواة الآثار بتمويله. وكان اهتمامهم بالكم دائما فوق اهتمامهم بالكيف، وحل محل هذا العبث الذي استمر خمسين عاما موجة من الاتجار في الآثار بصورة غير قانونية يحكمها مبدأ العرض والطلب لاستيفاء رغبة المتاحف والعملاء الأثرياء، ويضيف برايان ان هذه الظاهرة سجلها الصحافي المعروف كارك ماير في كتابه الماضي المنهوب واستهجنها، وأدان هــذا العمل الذي تمتد جذوره الى بلوز وني اكبر مهرب للآثار في تاريخ مصر الحديث ومن يشاكلونه والكتاب يشبه عريضة دعوى ضد التخريب ـ حسب وصف برايان ـ الذي نال آثار مصر في القرن العشرين، ويصف ماير الوعي الجماهيري بخطورة المشكــــلة بأنه مفقود الى درجة الصفر، ويقول ان ذلك سببه سهولة تفهم أهمية الآثار البشرية من الوجهة النـــــظرية، وصعوبة تــكوين وعي اثري لأن المشــــكلة نادرا ما تثار في الصحف، ويخلص المؤلف الى انه من الصعب اقناع دافعي الضرائب بجدوى الصرف على تمويل الكشوف الأثرية على حساب أولوياتهم الاخرى. ولا شك أن القوانين اللاحقة في القرن العشرين وتطور فكرة الدولة بمفهومها القومي رسخ فكرة الحفاظ على الأثر التاريخي وحمايته والاعتناء به وتجريم المساس به بأي تشكيل كان حتى بات الاتجار في الآثار في العرف الاجتماعي رديفا للخيانة العظمى.

غير ان لحظات الضعف في عمر الدولة التي يصاحبها الفساد عادة بشكل كاسح تعود مثل هذه الظواهر لتطفو على السطح وان كان نصيب الأفراد فيها اقل كثيرا من نصيب رجالات المؤسسة المحتمين بترسانة من القوانين العاصمة، فقبضة الدولة القوية تجعل عمل العصابات المقررة عملا صعبا إلا بتواطؤ جهة الإدارة، وينبئنا مؤشر سرقات الآثار في السنوات الأخيرة بضلوع موظفين فاعلين داخل أروقة الهيئة التي تملك حق التصرف والحركة، مثلما تشير وقائع قضية طارق السويسي واحمد عبد الراضي، فالأول كان أمينا للحزب الوطني البائد بإحدى مناطق القاهرة الكبرى، والثاني احد الموظفين الفاعلين في إدارة آثار الأقصر المهمة وهو رجل وصفته أسبوعية الأخبار انه من اقرب رجال الهيئة الى وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.

والإشارة ـ بصرف النظر عن دلالتها، تعني أن ثمة التباسات وإعتامات تتم حيال اخطر الجرائم في مصر، وهــــو الأمر الذي لا يتواءم مطلقا مع خطاب وزارة الثقافة قبل وبعد الثورة الذي يسعى الى إنشاء اكبر عدد ممكن من المتاحف في مصر بشكل يجدد السؤال عن دورها. وهو سؤال لن تصلح الإجابة عنه إلا بقدر تعامل الواقع المصري مع مستويات مختلفة من الوعي، متوصلة بمثل هذه الأماكن النوعية بطبيعتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية