اللعبة الدموية التي لا تنتهي

حجم الخط
0

ميخائيل أهرونأمور كثيرة يمكن قولها عن اغتيال جوليانو مير. يمكن وصف ذلك بانه ‘تراجيديا’، يمكن تشبيهه بفينك، بطل مسرحية ‘النمر المرقط’، الذي حلمه يدفنه تحته في نهاية المطاف أو ‘زيارة السيدة العجوز’ حين لا تفهم بطلة المسرحية حتى اللحظة الاخيرة بان رجال مدينتها سيقتلونها. ولكن شيئا واحدا محظور علينا ان نقوله: ‘يستحق’. جوليانو مير أغضب، كره، هيج، أشعل النار وأثار الاعصاب. فقد صرخ وركل وضرب وخنق وتمتع بكل لحظة. كان غريبا في داخلنا، ولكنه غريب خدم في قوات المظليين. علم اناسا مثل زكريا الزبيدي ان يقولوا: ‘إما ان نكون أو لا نكون’. وحتى المسرح الذي أقامه في جنين كان نوعا من الاستفزاز. ‘مسرح الحرية’ أسماه، الحرية في التفكير، الحرية في المطالبة، الحرية من الاحتلال والظلم واللجوء. ليس مسرحا هدفه التسلية والمتعة بل مسرحاً تقف خلفه أجندة هي أكثر من طفولة سعيدة وعادية في مخيم لاجئين.كل عمل ابداعي، مهما كان بسيطا، حصل ويحصل على معان سياسية واجتماعية حين يعرض على منصة في جنين. ما كان بوسعنا أن نقبله. كان فيه شيء عاصف فوري، كبير، غاضب، تلقى تعبيرا في فعل فني ضده ما كان بوسعنا أن نقول شيئا. إذهب وقل ‘تحريض’ عن ‘بينوكيو’. اما ‘اليسا’ في بلاد العجائب فلا يمكن وصفها بانها ‘تربية على الكراهية’. وقد وقف امامنا، بحضوره المؤثر، متغذيا بالغضب تجاهنا بالضبط مثلما هو متغذّ ٍ بالحب. مير أحب التصفيق ولكن خلافا لممثلين آخرين عرف كيف يتمتع أيضا بصفير التحقير. هذان الامران غذياه وحركاه للعمل بذات القدر. يتبين أن ليس نحن فقط من نجح في اغضابهم. يتبين أن مسرحه، الذي كنا واثقين بانه ضدنا فقط، اعتبر ايضا كشيء ضدهم. مسرح مير نجح في عمل ما يحلم كل فن جيد في عمله: لمس العمق في الطرفين. في البداية هددوه. بعد ذلك صعدوا التهديد. فهم لم يفهموا ما لم نفهمه نحن. عندما يكرهه الاخرون يشعر بانه اكثر محقا فيواصل. أمس، وصل خمسة مسلحين الى عرضه واطلقوا النار عليه. يحتمل أن يكون أحدهم تلميذا سابقا، ولدا ذات مرة جلس الى جانبه وتعلم النصوص، ومع الزمن تعلم كيف يردد نصوصا أخرى تأتي من كراهية وانطلاقا من حماس كفاح. استفزازه كلفه غاليا، فقد دفع بدمه لقاء رغبته في أن يكون مغايرا وآخر ومحقا دوما.مير كان ضحية نفسه، ضحية حلم وضحية وضع. ورغم كل شيء، محظور علينا أن نقول ‘يستحق’. إذ ان نقول ‘يستحق’ معناه أن نقول انه لم يكن ولن يكون أمل، وان الفن هو فقط أداة اخرى في اللعبة الدموية التي لا تنتهي، وان الاطفال في مخيمات اللاجئين لا يمكنهم ان يكونوا اطفالا فقط. هذا يعني أن نقول اننا فرحون في غياهب قلوبنا من أن حلمه قطعه اولئك الذين كانوا يفترض أن يكونوا جزءا منه وان لاليسا ولهم ولنا لا توجد بلاد عجائب بل فقط واقع بشر ومشوه ولا ينتهي.معاريف 7/4/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية