‘اللعبة العادلة’: فيلم يكشف آليات فبركة الاكاذيب الامريكية لتدمير العراق

حجم الخط
0

تمثيل سطحي لخالد النبوي في دور عالم نووي عراقي:

مهند النابلسي يتناول فيلم ‘اللعبة العادلة’ موضوع الحرب على العراق من منظور ميلودرامي، ولكنه لا يغفل الأبعاد السياسية والمخابراتية التي أدت لتلك الحرب غير المبررة.

فهو باختصار يتناول تفاصيل حياة وعمل عميلة الاستخبارات المركزية فاليري بليم وعلاقتها بزوجها الدبلوماسي السابق جو ويلسون، على خلفية أحداث الحرب الغاشمة على العراق في العام 2003، حيث قررت ادارة الرئيس السابق جورج بوش (الابن) شن تلك الحرب وجهدت في حينها لايجاد أسباب ومبررات مقنعة، بهدف تضليل الرأي العام وهيئة الامم والاعلام العالمي. وحيث ركزت تقارير غير مؤكدة تدعي قيام دولة النيجر ببيع اليورانيوم (الكعكة الصفراء) للعراق، علما بأن سفير أمريكا السابق لدى النيجر جوزيف نيلسون، قام برحلة لهذا البلد للبحث عن ادلة تثبت ذلك، ولكنه لم يكتشف شيئا، وبالعكس فقد اكتشف أنه من المستحيل عمليا اتمام صفقة كهذه، ولكن لاهداف واضحة فقد تم تجاهل اكتشافه وتقريره.

وذهبت أمريكا للحرب، ولم يجد المفتشون بعد غزوه وتدميره أي أثر لمثل هذا الادعاء الكاذب، مما تطلب قيامه (أي ويلسون) بكتابة مقالة لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ كاشفا أدلته السلبية، وفي محاولة سافرة لردعه وابتزازه، فقد تم فجأة ايقاف زوجته عن عملها، وبدون سابق انذار، وهكذا ترك مصير العملاء العراقيين وبعض علماء الذرة المتعاونين معها غامضا وغير مأمون.

الفيلم الذي أخرجه دوج ليمان عن كتاب ألفه جوزيف ويلسون بعنوان ‘سياسات الحقيقة’ يفضح بشكل مباشر سياسات أمريكا، ويبين تواطؤ الرئيس بوش مع المحافظين الجدد لشن حرب صليبية غاشمة على دولة عربية، باحثا بشكل سافر عن ذرائع كاذبة لتغطية تلك الحرب، يحتوي هذا الفيلم على الكثير من التفاصيل، منها كيفية تجنيد العملاء وابتزازهم، وكيفية التخلي عنهم، كما يوضح آليات تعبئة الرأي العام وشحنه وتضليله بالأكاذيب. الفيلم يوضح انتهاء المشروع النووي العراقي في العام 1993 بعد قصف مركز، كما أنه يسلط الأضواء على مصير المئات من علماء الذرة العراقيين الذين تم تسهيل عمليات تصفيتهم من قبل الموساد الاسرائيلي.

لم يكن الممثل المصري خالد النبوي مقنعا أبدا في دوره القصير كعالم نووي عراقي مرموق، خاصة وعمره لم يتجاوز ربما الأربعين، وكان تمثيله (في اعتقادي) سطحيا بل أنه حتى لم يتقن اللهجة العراقية كما يجب، ولا أعلم سبب وضع اسمه بنفس حجم بطلي الفيلم الأساسيين على أفيشة الفيلم، على الرغم من أن دوره لم يتجاوز العشر دقائق، وللأسف فقد تقمصت الممثلة الاسرائيلية دور شقيقته وأدته بشكل مميز، حيث لعبت دور عميلة مجندة للمخابرات المركزية تسعى لتهريب شقيقها العالم من العراق، قادرة على تضليل المخابرات العراقية، ولا أعرف السر وراء لهاث بعض الممثلين العرب للمشاركة في أفلام أمريكية (سياسية أو تاريخية على الأغلب) ، مقدمين ‘أدوارا باهتة’ سعيا وراء وهم العالمية، كما أن العلاقة بين بطلي الفيلم ‘ناؤمي واتس’ و’سين بين’ كزوجين كانت باهتة وتفتقد ‘للكيمياء’، ولكن تقمصهما لشخصية العميلة والدبلوماسي السابق كان بارعا، وحيث يذكرني اداء شون بين باداء آل باتشينو العصبي، وان كانت تنقصه الكاريزما التي يتمتع بها هذا الأخير.

الفيلم أثبت مهارة دوج ليمان (صاحب الفيلم المثير الغامض ‘هوية بورن’)، وقدرته ‘كمخرج حركة’ على الخوض في مواضيع سياسية ساخنة، وباسلوب مشحون بالحركة والاثارة، ويقترب أحيانا من النمط التسجيلي، خاصة عند تصويره للقطات الحرب وفي المشاهد الأخيرة، مما أعطى الشريط بعدا واقعيا ومصداقية عالية.

الفيلم بمجمله يمثل ادانة واضحة لديمقراطية أمريكا المزيفة وقدرة الساسة وأصحاب القرار على تزييف وفبركة الحقائق لتحقيق اهداف ‘عدوانية’، نتج عنها تدمير بلد عربي واستشهاد مئات الالاف من العراقيين، وأعتقد أن المستقبل القريب سيحمل أخبارا ‘غير سارة’ لبوش وعصابة ‘المحافظين المتصهينين’ (وربما لتوني بلير أيضا)، وذلك عندما يستيقظ الرأي العام والضمير الأمريكي من سباته وغيبوبته، ليقدم هؤلاء ‘الساسة المجرمين’ للمحاكمة، ان لم يكن بسبب مئات الالاف من الضحايا العراقيين الأبرياء، فبسبب مقتل حوالي خمسة الاف جندي أمريكي (وبضع مئات جنود بريطانيين) منذ بداية الحرب في العام 2003. وربما سيشهد التاريخ حينئذ محاكمة وادانة أول رئيس أمريكي، وستقوم ‘هوليوود’ كعادتها بانتاج فيلم مثير حول ‘جرائم الحرب’ هذه.’اللعبة العادلة’ يحرض على الجرأة وقول الحقيقة، بغض النظر عن الثمن والنتيجة، حتى لو كانت تعني ‘خسارة الوظيفة واضطراب الزواج وفقدان الأمن’، ويتضمن دعوة صريحة للشرفاء وأصحاب المبادئ للوقوف بحزم أمام الطغيان والنفوذ والكذب، لذا فانه يحمل رسالة أخلاقية واضحة. وربما جاء عرضه في الوقت المطلوب مع نشر وثائق ويكيليكس السرية والفاضحة لازدواجية الأقوال والممارسات، فهل ان وقت كشف الحقائق وفضح الاكاذيب؟ وهل سيدخل العالم مع تفجر الثورة الاعلامية والمعرفية والانترنت منعطفا ‘تاريخيا – حضاريا’ جديدا اسمه ‘الصدق والشفافية’؟!

كاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية