هذا تحذير أخير للجنة إعداد الدستور المصري التي تنهي عملها خلال أيام، موضوع التحذير صريح ومباشر، وهو نسب التمييز الإيجابي أو ‘الكوتة’ للأقباط والنساء والشباب، التي اقترحها بعض الأعضاء نساء ورجالا، من دون أن يدركوا أنهم يلعبون بالنار، ويذهبون بالبلد إلى كارثة عنوانها ‘تقسيم مصر’ بنصوص هجينة في الدستور .
وقد ذهب الخبل العقلي بإحدى الاضاء إلى اقتراح غاية في العجب، فقد اقترحت ‘كوتات’ لما سمته الفئات المهمشة والضعيفة، ووصلت بنسبة ‘الكوتات’ إلى نصف أعضاء البرلمان، وتصورت تكوينا لبرلمان لا سابقة له في التاريخ الإنساني، نصف أعضائه من المهمشين، والنصف الآخر من الأساسيين، وكأن الأصل قد يصح أن يتساوى مع الفرع في أي تصور ذهني سليم.
بدا التصور كفضيحة عقلية قبل أن يكون فضيحة دستورية، وقد حاولت السيدة الموقرة التخفي بالفضيحة من وراء ستار، وحشرت نسبة لم تحددها للعمال والفلاحين، لكن ما ألح على ذهنها أكثر كان ضمان مقعد في البرلمان لسيادتها، أو لمثيلاتها من سيدات المجتمع المخملي الثرثارات الفارغات، فقد أرادت ضمان ‘كوتة’ للنساء، ووصلت بها إلى عشرين بالمئة من مجموع أعضاء البرلمان، وأرادت ضمان نسبة ‘ملاكي’ للشباب.
وزادت الطين بلة بمغازلة الشعور الطائفي، وإظهار الرغبة في حجز ‘كوتة’ للأقباط، أقلها عشرة بالمئة من أعضاء البرلمان، وحين رأت أن النسب المقترحة قد لا تخاطب الغرائز الطائفية والفئوية كلها، وان فئات أخرى قد تريد ‘الكوتة الملاكي’، وأن ممثل المعاقين جسديا يطالب هو الآخر بنسبة في التمثيل البرلماني، فيما يطالب النوبيون بمقاعد محجوزة، وقد يتحمس البدو والسيناويون و’الأمازيغ’ في واحة سيوة لإغراء الأخذ بنصيب من كعكة التقسيم، وهكذا اتسع الخرق على الأخت الراتقة، وهو ما جعلها تستعين بخبرات ومناورات السيد عمرو موسى رئيس لجنة الدستور، وبغيره من كبار الترزية، ولكي يستبدلوا التعميم بالتخصيص، ويدبجوا مادة انتقالية في الدستور، تلزم المشرع بالتمييز الإيجابي ـ أي ‘الكوتة’ ـ للشباب والنساء والأقباط والعمال والفلاحين، وبدا أن الاقتراح قد يخدع السذج وذوي النيات الحسنة، وقد يكسب التصويت في لجنة الدستور بأغلبية أعضائها المخدوعين، وهذه هي الكارثة الكبرى، التي قد تطيح بالدستور في الاستفتاء الشعبي، وتقدم خدمة مجانية للمتربصين من جماعة الإخوان وغيرهم، وتغري برفض دستور الطوائف، الذي يصنع ما قد يوصف شعبيا ببرلمان ‘النصارى والستات.
وبعيدا عن دعاوى التربص، وحيل الدعاية المضادة لخطة الانتقال السلس إلى حكم ديمقراطي، بعيدا عن هذا كله، فإن تأمل مغزى اقتراحات ‘الكوتة’، وفهم ما تؤدي إليه، يجعل رفض الاقتراح المدمر فريضة وطنية وديمقراطيـــة، وأسباب الرفض كثيرة، أولها أنها ـ أي الاقتراحات الشاذة ـ تخـــلق برلمانا يزور صورة البلد، فمن فضائل مصر العظمــــى، هذا التجانس في تكوينها الثقافي والحضارى والسكاني، الذي يجعــــلها كقبضة يد لا تفض، فالمصريون ليسوا عرقا بذاته، المصريون حالة انصــــهار تاريخي فريد، وما من أقليات ولا طوائـــف في مصـــر، صحيح أن المسيحيين عددهم أقل بما لا يقاس إلى أعداد المسلمين المصريين، لكن المسيحيين ـ على قلة العدد ـ ليسوا في وضع الأقلية ولا الطائفة المنفصلة، فلا اختصاص جغرافيا بعينه لوجود المسيحيين المصريين، وهم ممتزجون في التوزيع السكاني وسط أقرانهم من المسلمين، ولا يوجد حي ولا منطـــقة يصح القول انها مقصورة على المسيحيين، ولا ان لهم غالبية سكانية فيها، وغيـــــاب الاختصاص الجغرافي جعل التمايز الثقافي شـــبه معــــدوم، وكلنا يتذكر محاولات اللورد كرومر ـ معتمد الاحتلال البريطاني ـ التلاعب بورقة المسيحيين قبل قرن من الزمان، وتدبيـــر افتراق طائفي يجعل المسيحيين في خانة دعم قوات الاحتلال، وبدعوى وحدة دين المحتلين مع دين المسيحيين المصريين، ورغم الذكاء المفرط للورد كرومر، أو ربما بسبب هذا الذكاء بالذات، فقـــد أدرك اســتحالة المهمة، وانتهت محاولاته إلى خيبة ثقيلة، عبر فيها الرجل عن دهشته لما رأى، فلم ير كرومر من فارق يذكر بــين المسلمين والمسيحيين المصــــريين، سوى أن المسلم يذهب للمسجد، بينما يذهــب المسيحي إلى الكنيسة وقت الصلاة، وهو ما يفسر سلوك نخبة المسيحيين المصريين في ثورة 1919، الذين رفضوا بحزم أي محاولات لاســتدراجهم إلى خطيئة وطنية، وذهب دعاتهم ـ كالقمص سرجيوس ـ ليخطب في الجامع الأزهر، وكانت صيحتهم الكبرى تقول ‘ليمت المسيحيون وتحيا مصر’.
كان الدرس جليلا عظيما، ويثبت امتياز وتفوق وتفرد الوطنية المصرية، فالوطنية المصرية سبيكة انصهار تاريخي نادر، وهو ما يفسر الوحدة الراسخة للتكوين المصري، فقد تغيرت اللغة، وتغير الدين الغالب مرات، لكن مصر لم تنقسم جغرافيا أبدا، وقد تكالب عليها المحتلون والغزاة من كل صنف ولون، لكنها ظلت قائمة في حدودها التاريخية التي لم تتغير أبدا، ولم تقم فيها حرب أهلية واحدة على مدار عشرات القرون، فمصر الحالية هي مصر التي صنعها الملك ‘مينا’ موحد القطرين، وفي لحظات الضعف، قد تنشأ حالات توتر واحتقان طائفي، لكن مصر تعود فتسترد عافيتها، مهما طالت عهود المرض، وتتفتح فيها ورود الازدهار والامتزاج الوطني لحظة صعود الثورات، وهو ما يفسر رفض المسيحيين المصريين لمبدأ ‘الكوتة’ في دستور 1923، ويفسر المقولة الخالدة لمكرم عبيد أشهر سياسي مسيحي مصري في القرن العشرين، كان مكرم يقول ببساطة ‘أنا مسيحي دينا مسلم وطنا’، وظل التقليد الوطني أصيلا في تكوين الكنيسة المصرية، وهو ما يفسر صحوة الروح التي تداعت مع وقائع الثورة المصرية المعاصرة، وبمـــوجاتها المتلاحقة من 25 يناير 2011 إلى 30 يونيو 2013، التي بدا فيها الــــبابا تواضروس الثاني ـ رأس الكنيسة ـ عنوانا ساطــــعا للوطنية المصرية، فلن ينسى المصريون ابدا صيحته الوطنية بعد إحراق الإرهابيين المجرمين لعشرات الكنائس، فقد قال البابا بوضوح قاطع بليغ ‘ كنائسنا فداء لمصر ‘، ورفض البابا مبدأ ‘الكوتة’ لتمثيل الأقباط، ثم حاولت أصوات طائفــــية التشــكيك في موقف البابا، وتناست أن مبدأ ‘الكوتة’ يهدم مبدأ المواطنة والمساواة، وأن تخصيص ‘كوتة’ قد ينظر إليه كامتياز يقيد حرية الاختيار، وقد يثير الحفيــــظة ضد الأقـــباط، ويشعل دورة جديدة من التوتر والاحتقان الطائفي، ويثير جدالا لا ينتهي حول نسبة الأقباط سكانيا، ومدى تناسبها مع نسبة العشرة بالمئة المقترحة للأقباط، بينما طريق ‘الاندماج الوطني’ هو الأسلم لمصر كلها بما فيها أقباطها، واسترداد مبدأ المواطنة هو الكفيل بنيل الحقوق الطبيعية، فقد تزايدت موجات خروج المسيحيين من وراء أسوار الكنيسة مع موجات الثورة المتلاحقة، وعكس التطور نفسه في انتخابات النقابات المهنية بعد الثورة، تغير المزاج تدريجيا، وزادت رقعة تقبل الناخبين المسلمين لمبدأ التصويت لمرشحين مسيحيين، وهو ما يفسر فوز د. منى مينا بعضوية مجلس نقابة الأطباء، الذي يهيمن عليه الإخوان، وهو ما كان فرضا مستحيلا قبل الثورة، وكذلك جرى في انتخابات نقابة الصحافيين الذي يهيمن عليه الناصريون، وفازت الزميلة حنان فكري، ولاحظ أن منى وحنان قبطيتان وامرأتان أيضا، وهو ما يثبت فساد مبدأ ‘كوتة’ النساء، فالعمل الدؤوب في أوساط الناس هو الذي يكسب الثقة ويضمن الفوز، وليس التحصن وراء ‘كوتة’ مصنوعة للنساء، وعلى الطريقة التي جرى تجريبها في برلماني 1979 و2010، ولم ينجح التمييز الإيجابي أبدا في حفز المجتمع لتقبل مبدأ التصويت للنساء، فهذه ليست طريقة مضمونة الأثر في مواجهة التخلف الاجتماعي، والمطلوب: ناشطات حقيقيات في المجتمع لا على شاشات التلفزيون أو في قاعة لجنة الدستور، ثم ان حشر قضية الشباب في دعاوى ‘الكوتات’ اللقيطة لا معنى له، فالشباب عماد المجتمع والثورة، وإفساح الطريق للشباب لا يكون بغير خفض سن الترشح وتبني نظام القوائم الانتخابية النسبية غير المشروطة.
هذا هو الطريق الديمقراطي الذي يليق بمصر، وليس اقتراحات الكوتات اللقيطة، التي تفتت مصر سكانيا وفئويا، وتصنع دستورا طائفيا، وتفتح علينا أبواب الجحيم.
‘ كاتب مصري