في بلدٍ ينزلق إلى هوة العنف يوماً بعد الآخر وسط مهرجان، أو بالأدق ‘سيرك الصوت الواحد’، حيث يطبل ويزمر الإعلاميون بابتساماتٍ كالحة، صفيقةٍ وبليدة ‘للبطل المفدى’ و’المخلص المنتظر’ الذي سيحقق معجزة العبور الثاني للمستقبل المشرق، حيث ستصبح مصر أكبر من الدنيا (أي أكبر وأغنى وأقوى من بلدانٍ كأمريكا وروسيا والصين والهند والبرازيل، لمن نسي الجغرافية التي تعلمها في المدرسة) لكي يصفق ويرقص الكثير من الجماهير الغفيرة متناسين الواقع ومتجاهلين شكاً ينخر في أحشائهم كالسوس.. يقولون لنا ان الدستور هو الحل والعلاج الناجع لكل أمراضنا الاجتماعية، وعلينا أن نصدق أن وثيقةً ما ستنجح في إقناع النظام بتقديم تنازلاتٍ، ليس فقط لم ينجح بها دستور 1971 وإنما حراكان شعبيان مثل 25 يناير و30 يونيو. أمام كل هذا العبث المجاني لا يملك الكثيرون سوى أن يسألوا: هل هناك ما يمكن أن يقال؟ هل عادت من الكلام جدوى؟
ألاحظ أنها ليست المرة الأولى التي أكرر فيها هذين السؤالين في عمر الثورة المصرية المغدورة المسروقة، لكن يتبقى دائماً ما يمكن، بل يتعين قوله،
أولاً، لا مهرب من تقرير تعاظم وتيرة العنف وتغير طابعه، ففي الماضي لم يكن معهوداً قتل أشخاصٍ، كما حدث مع سائق الأجرة في المنصورة مثلاً، الأمر الذي أدى إلى اشتعال غضب الجمهور؛ المشكلة في ذلك العنف في رأيي تكمن في عدة نقاطٍ فارقة وشديدة الخطورة: أولاً، أن يألف الجمهور أخبار العنف ومشاهد الدم ويعتادوا عليها، بحيث يصبح القتل أمراً طبيعياً وفقدان الحياة شيئاً عابراً لا يستوجب أن يقف المجتمع عنده بالاستهجان الأشد وتحليل الأسباب، ولن يمكننا أن نتصور ما قد يؤدي إليه ابتذال قيمة الحياة الإنسانية ذاك، من دون الانتباه إلى تلك الحالة الفريدة وغير المسبوقة التي انتابت قطاعاتٍ واسعة من الشعب المصري، حيث يستدعي الجمهور عنف النظام وبطشه.. إن هذا المُركب البغيض سيفتح المجال واسعاً على مصراعيه للنظام للتنكيل بمن ينتهجون العنف ويقومون به أولاً، ومن ثم تتسع دائرة البطش لتشمل المعارضين والمختلفين والمشككين والمتحفظين والناقمين والمتسائلين الخ، وحينذاك لن يكترث بهم أحد من جمهورٍ تبلد وتملكت منه شهوة الدم.
ليس ذلك فحسب، بل إن نمط الصراع ذاك، أي العنف بين النظام والجماعات المسلحة، يعيدنا إلى الوراء، إلى حقبة التسعينات، وهو بذلك يقوض أحد أهم مكتسبات الحراك الثوري بإخراج الجماهير من الصراع باعتماد أسلوبٍ ونمطٍ من الصراع، أي العنف المسلح، لا يستطيع رجل الشارع العادي وبقية الجمهور أن يجاروا فيه، ناهيك عن كونه يوفر ذريعةً لبطش النظام وبغض النظر عن كونه لم ينجح من قبل.
ثانياً، هناك متغير خطير، فوق كونه منفراً ومنحطاً، في صورة ‘تسريبات’ لشرائط لمجموعة من الناشطين والوجوه العامة التي تصدرت المشهد العام والإعلامي بصورة خاصة طيلة الثلاث السنوات الماضية، تظهرهم بصورة مزرية ومشينة، والمقصود طبعاً من ذلك تشويه حراك هذا الشعب في إطار حملة من التيئيس الممنهج لإقناع الناس بأنهم وقعوا فريسة خدعة كبيرة وأنهم ‘مضحوكٌ’ عليهم بحسب التعبير المصري الشائع. وكأن مصر جنة شوارعها من ذهب ولا تعرف الديون والفقر المدقع والبطالة النحس وأعلى معدلات السرطان والفشل الكلوي والتهاب الكبد الوبائي.
خلاصة القول، يصر النظام والإخوان ومن ينتهجون العنف على عدم الفهم والتعاطي مع الواقع الاجتماعي- الاقتصادي الذي أفرز هذه الثورة ودفع بالناس إلى الشوارع.. يحاولون فضح بعض الناشطين وتصويرهم في هيئة الفاسدين المرتزقة، وينسون أن التسجيل للجمهور عملٌ غير قانوني تخجل منه الأنظمة المحترمة وشبه المحترمة وتنفيه عن نفسها (مع علمنا جميعاً بإدمانها له على نطاقٍ واسع) ولا تباهي به سوى أنظمة العالم الثالث القمعية، وينسون فوق ذلك أن هؤلاء الشباب أوالناشطين على حالتهم تلك هم أكبر إدانة متجسدة لهذا النظام بتركيبته الطبقية وانحيازاته الاجتماعية والاقتصادية.. أليس ذلك النظام هو الذي سد كل آفاق التغيير وسبله وأخصى كل فصائل المعارضة وجوع أجيالاً من الشباب بالتعليم الرديء والبطالة واليأس؟ لقد قام الشباب بدور المحفز، لكن من ثار هو الشعب المصري، لذا فلا يهم دور فلان أو علان أو الشياطين الزرقاء في حض الناس على الخروج، فهؤلاء ثاروا لأسباب موضوعية، حقيقية وملحة تدبغ جلودهم. كما أن خلاصة القول أيضاً ان النظام وإعلامه (لا أعني هنا الإعلام الحكومي وإنما كل جوقة المطبلين) لا يدركون أن هذا النظام بتركيبته الطبقية وانحيازاته الاجتماعية – الاقتصادية استهلك وقته وزمنه، وهو الآن يلعب في الوقت الضائع، فلا تراهم يلتفتون أو يلقون بالاً إلى اختياراته وتناقضاته وإشكالياته التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، وهم يعيدون تدوير حثالة الحلول من عهود الفاشية والنازية (ربما من دون وعي وبطريقة غريزية) كصناعة أسطورة البطل – المخلص وشيطنة قطاعٍ من الجمهور واعتبارهم طابوراً خامس، الأمر الذي يساعدهم عليه الإخوان ومن يفجرون، وأخيراً النفخ في روح الوطنية الشوفينية الحمقاء في طبعتها التي تعبر عن مزيجٍ سام من الغضب واليأس والشعور بالهزيمة والغضب والرغبة في الانتقام.
هو لعبٌ في الوقت الضائع من دون شك، فكما أن ‘الأفكار لا تسقط من السماء’ كما قال المفكر الإيطالي لابريولا فإن حلول التناقضات الاجتماعية والانهيار الاقتصادي لا يسقط من السماء هو الآخر، وما لم يجِد اكتشافٌ معجز كمحيطٍ من النفط مثلاً تعوم عليه مصر ينقذ هذا النظام، فلن تجدي تلك المساعدات من اليمين واليسار في حل المشكلة. إن كل ما يحدث الآن من تفجيراتٍ وقتلٍ واستفتاءٍ على الدستور، وما سيليه من مجلس شعب وانتخابات رئاسية، لعبٌ في الوقت الضائع، وإني لأعتقد أن الشعب المصري سيصبر على كل ذلك، على عادته، ليرى ‘آخرتها’، لكن بعد أن ينفض المولد، وبعد موسم ، ستعود المطالبة بالاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية، وساعتها إذا لم تحدث تنازلات وتتحققق مكاسب سيبدأ الصراع الحقيقي، ولن يجدي فيه الحل الأمني و’التسجيلات’.
‘ كاتب مصري