د. خالد الكركياللُّغَةُ وَهُوِيَّةُ الأُمَّةِ تَقِفُ هذِهِ ‘الْواو’ بَيْني وَبَيْنَ الْكِتابَةِ كَما وَقَفَت ‘الْكافُ’ عِنْدَ أَبي الطَّيِّبِ يَوْمَ قالَ: ‘كَفاتِكٍ وَدُخولُ الْكافِ مَنْقَصَةٌ’* لِذلِكَ أَحْذِفُ الْواوَ، وَأُعيدُ الْعُنْوانَ إِلى سَوِيَّةٍ أَفْضَلَ: ‘اللُّغَةُ هُوِيَّةُ الأُمَّةِ’ وَأَسْتَذْكِرُ فيخته الّذي أَقامَ أَلمانْيا عَلى ثُنائِيَّةِ: اللُّغَةِ والتّاريخِ في خِطاباتِهِ الْمَشْهورَةِ، وَظَلَّ يُنادي أَنَّ اللُّغَةَ هِيَ مَصْدَرُ قُوَّةِ الأُمَّةِ. وَرُبَّ مُسْتَشْرِقٍ أَوْ مُسْتَغْرِبٍ يُبادِرُني بِالْقَوْلِ: فَما بالُ أُمَمٍ تُغَيِّرُ لُغاتها؟! وَلَهُ أَقولُ: إِذا كانَ أَمْرُ الأُمَّةِ في إِدْبارٍ اخْتارَتْ لُغات الْغالِبينَ عَلَيْها، وَفي إِفْريقيا وَغَيْرِها مِنْ ذلِكَ نَماذِجُ. وَإِنْ قالَ آخَرُ: إِنَّ النّاسَ في الأُمَّةِ الْواحِدَةِ تَتَعَدَّدُ لُغاتُهُم أَوْ لَهْجاتُهُمْ حَتّى تَغْلبَ إِحْداها، أَقولُ: أَمّا نَحْنُ فَقَدْ بَدَأْنا مِنَ الْكَمالِ مَعاً: أُمَّةً وَلُغَةً، بَدَأْنا مِنْ أَعْلى ما في اكْتِمالِ اللُّغَةِ مِنْ نَحْوٍ، وَصَرْفٍ، وَموسيقى، وَبَلاغَةٍ، بَلْ نَكادُ نَكونُ أُمَّةً أَنْبَتَها الْكَلامُ!! أَبْدَأُ بِهذا وَأَنا أَرى أَمامي هذا الزَّخَمَ الْهائِلَ مِنَ الْكُتّابِ وَالْبُحوثِ حَوْلَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ: أَزْمَتِها، والطَّواعينِ الّتي تُلاحِقُها: الأُمِّيَّةِ، والْعامّيَّة، وَسَطْوَةِ اللُّغَةِ الأَجْنَبِيَّةِ… وَنَسْتَطيعُ تَوْجيهَ الْكَلامِ لَوْ رَغِبْنا إِلى الْحَديثِ عَنِ الازْدِواجِيَّةِ، والتَّعَدُّدِيَّةِ، وَالْعَوْلَمَةِ، وَمَوْقِعِ لُغَتِنا بَيْنَ اللُّغاتِ، وَما تُرْجِمَ مِنْها وَإِلَيْها، وَصِلَتِها بِالتِكْنولوجْيا الْحَديثَةِ، وَنَسْأَلُ: ما الَّذي نُريدُ في ظِلِّ تَعَدُّدِ اللَّهْجاتِ؟ هَلْ نُريدُ الْعَرَبِيَّةَ الْفَصيحَةَ أَوِ السَّليمَةَ؟ وَغَيْر ذلِكَ مِنَ الأَسْئِلَةِ وَالتَّحَوُّلاتِ وَالتَّحَدِّياتِ في أَزْمانٍ طالَتْ عَلَيْنا حَتّى وَهَنَ فيها عَزْمُنا، وَاضْطَرَبَ أَمْرُنا بَيْنَ هَزائِمَ وَنَكْساتٍ، وَهَوانٍ وَتَخَلُّفٍ، وَتَبَعِيَّةٍ وَاسْتِبْدادٍ، وَفُرْقَةٍ وَخَرابٍ! أَعْرِفُ أَنَّ اللُّغَةَ هي لهُوِيَّةُ الأُمَّةِ، كما اللفظ للمعنى في الشعر: جسدٌ للروح حسب ابن طباطبا العلويّ. لا الروح تحيا بلا جسد، ولا الجسد بلا روح. اللغة هي وجْدانُ الأمّة، وَوُجودُها، ووِعاءُ مَواجِعِها، وَصَبْرُها، وَرِسالَتُها، وَرَحيلُها، وَحِكايَةُ تاريخِها، وَانْتِصاراتُها وَهَزائِمُها، لكِنَّها لَمْ تَكُنْ يَوماً مَطِيَّةً لِأولئِكَ الْعَوامِّ ‘الْجَهَلَةِ’ مِنْ سائِرِ فِئاتِ النّاسِ، وَأَوَّلُهُمْ مُعَلِّمٌ لا يُقيمُ لِسانَهُ في الصفّ،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*شطر البيت الآخر: ‘كالشَمسِ قُلتُ وَما لِلشَمسِ أَمثالُ’. وَأُسْتاذُ جامِعَةٍ يَتَعَثَّرُ بِالنَّحْوِ وَالْإِملاءِ، وَإِعْلامِيٌّ يَخونُهُ مَحْصولُهُ في الصِّياغَةِ، وَأَخيراً سِياسِيٌّ لا يُقيمُ سِياسَةً ولا لُغَةً. أَمّا مَنْ مالَ عَنها إِلى غَيْرِها، فَحَسْبُهُ غُرْبَةُ لِسانِهِ، وَيَكْفيهِ كَذِبُهُ عَلى النّاسِ حينَ ادَّعى أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ صَعْبَةُ الْمِراسِ، أو عَصِيَّةٌ عَلى التَعَلُّمِ.على أنّ الجهل الأثقَلَ على الروح هو الجهل بـ’روح’ اللغة؛ بـ’هويّتها’، وإن استقام اللّسان. ليس غريباً أن نُطالع من لا يلحنون، لساناً، ولكنّهم يلحنون، فِكراً، حين يختَزلون هويّة الأمّة بتفاصيل غارقة في السطحيّة، وفتاوى تخجل منها اللّغة نفسُها. أولئك يجهلون أنّ اللغة، أيّ لغة، قد تتسامح مع من يخدش جلدها، بأن يحدثَ له أن يخلِطَ مرّة، في العَربيّة مثلاً، بين لا النافية للجنس ولا النافية للوحدة، لكنّها لن تغفر أبداً لمن يخدش روحها حتّى النزف، بأن يجهل أنّها يوماً اتّسعت لكلّ أطياف الفكر والوجدان. لقد اتّسعت لأبي بكر الرازيّ كما اتّسعت للشافعيّ، واتّسعت للغزاليّ كما اتّسعت لابن رشد، ولامرئ القيس وأبي نواس كما لكثيّر وأبي العتاهية، وللحلّاج كما لابن قيّم، بل ولأبي بشر متّى بن يونس، المنطقيّ النصرانيّ، الذي ناظر أبا سعيد السيرافيّ، المعتزليّ النحويّ، ودافع بلسان عربيّ عن تفوّق علوم المنطق على علوم اللغة، بل وعن ضرورة تعلّم اليونانيّة، كما جاء في الإمتاع والمؤانسة. هي اللغة، هويّة الأمّة، التي رفضت يومَ كانت حقّا أمّة، وجهاً واحداً من الحقيقة. ولعلّها، أي اللغة، ضَعُفَت بضَعف روحها: الحريّة، والفكر، والتعدّد، والاختلاف الذي كانت تجمعه، مهما وَصَل حدّ التناقض، لغة عربيّة واحدة، درسها الفارابي في بغداد، روح الأمّة الحقيقيّة، وكان منه ومن أشباهه ما كان. يعرف الباحثون في مجال اللغة والهويّة هذه الحقيقة جيّداً، إذ يشيرون إلى معاييرَ لا بُدَّ مِنْ تَوافُرِها حَتّى تَحْمِلَ اللغةُ هُوِيَّةَ الأُمَّةِ، مِنْها: إِنْتاجُ اللُّغَةِ في مَجالِ الْفِكْرِ وَالثَّقافَةِ، وَدَرَجَةُ التَّطَوُّرِ في اللُّغَةِ ذاتِها، وَالتَّرْجَمَةُ الْمُتَبادَلَةُ مِنَ اللُّغَةِ وَإِلَيْها، بِالْإِضافَةِ إِلى قُدْرَةِ هذِهِ اللُّغَةِ عَلى الاسْتِجابَةِ لِلْمُتَغَيِّراتِ في مَجالاتِ: الْعِلْمِ، والاقْتِصادِ، وَالتِّكْنولوجْيا، وَغَيْر ذلِكَ مِن مَشاكِلِ اللُّغَةِ وَصُعوباتِها في زَمانٍ غَيْرِ زَمانِها. أدْرِكُ أَنَّني بِهذا أُرَدِّدُ مَقولاً، وَأُكَرِّرُ مَأْلوفاً، لكِنَّهُ تَذْكيرٌ فَحَسْب، فَما مِنْ مَوْضوعٍ في هذا الْمَجالِ إِلّا وَقَدْ تَمَّ بَحْثُهُ، وَما مِنْ طَريقَةٍ أَوْ وَسيلَةٍ إِلاّ وَجَدَتْ لَها سَبيلاً إِلى كِتاباتِ الْباحِثينَ الْمَسْكونينَ بِوَجَعِ الْعَرَبِيَّةِ، الْحامِلينَ لِهَمِّها، لا أُولئِكَ الّذينَ تَصَدَّوا لِتَعْليمِها وَهُمْ عَنِ الْحَديثِ بِها وعن فهم روحها عاجِزونَ!! نُحاوِلُ الْيَوْمَ أَنْ نَقْرَأَ تَحَوُّلاتِ الْأُمَّةِ، وَأَثَرَها عَلى اللُّغَةِ لِنَكْتَشِفَ أَنَّ الْأَزْمَةَ لَيْسَتْ في اللُّغَةِ ذاتِها، فَاللُّغَةُ، حتّى لو كانت مقدّسة، يُصيبُها ما يُصيبُ أَهْلَها مِنَ الصَّغارِ، فَتَتَأَثَّرُ حَتّى تَتَحَلْحَلَ أَرْكانُها، وَتَسْتَحيلَ فَصاحَتُها عُجْمَةً. وَنَحْنُ الْيَوْمَ في مُجْتَمَعاتٍ غابَتْ عَنْها شَمْسُ عُروبَتِها وَقَوْمِيَّتِها، وما كان في تلك العروبة والقوميّة والإسلام من انفتاح وتعدّد، فَزَمانُ الأَنْدَلُسِ غَيْرُ زَمَنِ النِّفْطِ، وَزَمانُ بَني أُمَيَّةَ غَيْرُ زَمَنِ بني…لقد تهالكت اللغة وغدت جسدا نحيلاً رقيقاً برقّة شعر العذريّين، مخلصة كإخلاصهم لمن أحبّوا، فحفظت ذكرى أزمانها البعيدة الأحبّ. ولولا أنّ هويّتنا مخبّأة في ‘اللسان’ لضاع من كرومها أكثر من الذي فقدناه، ولصار الحزنُ أبعد غوراً في الروح من المراثي في جمهرة أشعار العرب…أَزْمَةُ اللُّغَةِ الْيَوْمَ أَزْمَةُ مُجْتَمَعٍ مَهْزومٍ، لا يستطيع إصلاح المنطق، مُنْكَسِرٍ حَضارِيّاً، مُصابٍ في هُوِيَّتِهِ، فاسد في كثير من طبائعه، وما زال يبحث عن ذاته. الأزمة كَما وَصَفها د.عبد الْعلي الودغيري، هي أَزْمَةُ أَنْظِمَةِ حُكْمٍ، وَحُكّامٍ سَمَحوا لِلنّاسِ أَنْ يُفَرِّطوا في لُغَتِهِمْ حَتّى ازْدَوَجَتْ مِنْهُمُ الأَلْسِنَةُ فَصاروا عاجِزينَ بِاللِّسانَيْنِ، خاضِعينَ لِهَيْمَنَةِ الْعَوْلَمَةِ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ، هَيْمَنَةٍ حَبَسَتْ لُغَتَنا فيها، وَحَكَمَتْ عَلى ماضينا بِالْمَحْوِ وَالنِّسْيانِ، وَقَيَّدَتْ مُسْتَقْبَلَنا بِأَغْلالِها حَتّى صارَ أَمْرُنا لِغَيْرِنا تَبَعاً كَما قالَ الرَّافِعِيّ، وَكَأَنَّ زَمانَ بَني الْعَبّاسِ ما كانَ أَعْلى تَجْرِبَةٍ في الْعَوْلَمَةِ الإِنْسانِيَّةِ عَلى مَدى الأزْمانِ! وَأَقْتَبِسُ هُنا نَصّاً مِنْ مُحاضَرَةٍ لِلدُّكْتور: عَبْد الْعَلي الودغيري عُنْوانُها: ‘وَضْعُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ في عَصْرِ الْعَوْلَمَةِ، وَتَحَدِّياتها’، قُدّمت في الْمَوْسِمِ الثَّقافِيِّ لِمَجْمَعِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْأُرْدُنِيِّ سَنَةَ 2011، وفيها يَنْقُلُ الودغيري عَنْ تَقْريرٍ لِلْيونِسْكو سَنَةَ 2003 حَوْلَ حَيَوِيّةِ اللُّغاتِ وَتَعَرُّضِها للانْدِثارِ: ‘إِنَّ مَوْقِفَ أَفْرادِ الْمُجْتَمَعِ إِزاءَ لُغَتِهِمْ واحِدٌ مِنْ أَهَمِّ الْمَعاييرِ الأَساسِيَّةِ التِّسْعَةِ لِلْحُكْمِ عَلى مَدى حَيَوِيَّةِ لِسانٍ مِنَ الأَلْسِنَةِ، وَدَرَجَةِ الْخُطورَةِ الَّتي تُهَدِّدُهُ، ثُمَّ يُقَسِّمونَ هذا الْمِعْيارَ بِدَوْرِهِ إِلى سِتِّ دَرَجاتٍ أَهَمُّها: أَنْ يَكونَ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ مُتَعَلِّقاً بِلُغَتِهِ، وَيَتَمَنّى لَها التَّطَوُّرَ وَالنُّمُوَّ، وَأَدْناها هُوَ أَلاّ يَكونَ هُناكَ شَخْصٌ يَهُمُّهُ مَوْتُ اللُّغَةِ أَوْ بَقاؤُها، وَتِلْكَ هِيَ الْعَلامَةُ السَّوْداءُ، وَدَرَجَةُ الْخَطَرِ الأَكْبَرِ…’ اطْرَحوا هذا السُّؤالَ عَلى الْعَرَبِ إِنْ رَغِبْتُمْ، وَادْفِنوا الْجَوابَ، وَاقْرَأوا عَلَيْهِمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمي أَنْطَقَتْني رِماحُهُمْ نَطَقْتُ وَلكِنَّ الرِّماحَ أَجَرَّتِ!!وتذكّروا أنّ لغتكم هي التي كانت خيل المتنبّي تسمع همسها مناجاةً:وتنصِبُ للجرسِ الخفيّ سوامعاً يَخلنَ مناجاة الضمير تناديا…ثُمَّ يَنْقُلُ الودغيري عَنْ كلود هاجيج، مُؤَلِّفِ كِتابِ: ‘لا لِمَوْتِ اللُّغاتِ’ مَقولَةً عَنْ لُغَتِهِ: ‘ اللِّسانُ الَّذي يَكونُ في صِحَّةٍ جَيِّدَةٍ هُوَ ذلِكَ الّذي يَحْظى بِتَقْديرِ مُسْتَعْمِليهِ الَّذينَ يَجِدونَهُ جَميلاً وَغَنِيّاً وَدَقيقاً، وَبِحُكْمِ أَنَّهُمْ يَعْرِفونَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ لِسانٍ آخَرَ، وَأَنَّهُمْ لَيْسوا عَلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ مِنَ الازْدِواجِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ لا يُعَبِّرونَ جَيِّدا عَنْ رَغْباتِهِمْ إِلاّ بِهذا اللِّسانِ، وَعَلى الْعَكْسِ مِنْ ذلِكَ حينَ يَكونُ هُناكَ مُسْتَعْمِلونَ تَجْتَذِبُهُمْ لُغَةٌ أُخْرى، فَإِنَّهُمْ يَكُفُّونَ عَنْ إِعْطاءِ الْقيمَةِ اللاّزِمَةِ لِلِسانِهِمْ، وَرُبَّما أَحَسُّوا بِالْخَجَلِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ، وَأَدّى بِهِمْ في النِّهايَةِ إِلى التَّخَلّي عَنْهُ…’ وَنَحْنُ بِدَوْرِنا يَجِبُ أَلاّ نَكونَ في حالِ الازْدِواجِيَّةِ هذِهِ، فالأُمَّةُ ما تَزالُ قائِمَةً وَإِنْ لَمْ تَنْطَبِقْ حُدودُها الْيَوْمَ عَلى حُدودِ الدَّوْلَةِ الَّتي كانَتْ لَها أَلْف عامٍ وَتَزيدُ. الأُمَّةُ الَّتي يُحَرِّرُها الإِسْلامُ مِنَ التَّعَصُبِ لِلْعِرْقِ، وَتُحَرِّرُها الْقَوْمِيَّةُ مِنَ التَّعَصُّبِ لِلطّائِفَةِ وَالدّينِ، وَتُقيمُ دَوْلَةَ الْمَدينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مِنْ جَديدٍ سَواءٌ غَنّى حَسّانُ لِلَّذينَ: يَسْقونَ مَنْ وَرَدَ الْبَريصَ عَلَيْهِمُ… أَوْ غَنّى الأَخْطَلُ لِتَغْلِبَ الَّتي أَلْهَتْها قَصيدَةٌ واحِدَةٌ زَماناً بَعْدَ زَمانٍ!ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*حين كتبت هذا النصّ كنتُ في صورة الدراسات الحديثة ذات الصلة بالموضوع، وأذكر هنا اثنين من هذه المصادر والمراجع لأهميّتها: مؤتمر اللغة العربيّة ووحدة الأـمّة، الموسم الثقافيّ لمجمع اللغة العربيّة الأردنيّ، 2011؛ ومؤتمر العربيّة وهويّة الأمّة، قسم اللغة العربيّة وآدابها، الجامعة الأردنيّة، 2012، وقد اطّلعت على معظم الأوراق التي قُدّمت فيه.اللُّغَةُ والسلطةليس سؤال السلطة والتسلّط بعيداً أبداً عن كونه سبباً رئيساً فيما أصاب اللغة، روحاً وجسداً. نعم، الأُمَّةُ ما تزال قائِمَةٌ، لكنّ السُّلُطات متسلّطة، وشَظايا، وَدُوَلٌ، وَإِماراتٌ، وَطَوائِفُ، وَفيها مِنْ موجِعاتِ الْقَلْبِ ما يَسْتَنْفِرُ دَمْعَ الشَّجِيِّ، وَيَمْتَحِنُ صَبْرَ الْحَليمِ، وَيُهَدِّدُ بِجَعْلِ ورْدِ رَبيعِها هَشيماً تَذْروهُ الرِّياح… فقد ضيّعَت فتيانها من أزمان بعيدة، وانفصل الحلم عن الواقع، وصار لنا ما يزيد على خمسين وزارة ثقافة بينما كان لخليفة الأمّة كاتب أو بعض كتّاب يحرسون السياسة واللغة حتى لا تضيع.وَاللُّغَةُ أَمامَنا تُواجِهُ تَحَدِّياً عَظيماً في ظِلِّ ارْتِباكِ فِكْرِ أَهْلِها، واسْتِلابِ عُقولِهِمْ، وَحَوْلَها مِنْ مَظاهِرِ الإِهْمالِ والنُّكْرانِ ما يُغْضِبُ الْقَريبَ وَالْبَعيدَ، وَيُزَلْزِلُ حِجارَةَ قَبْرِ الْمَعَرّي، وَيَمَسُّ عُنْفُوانَ المتنبّي، وَيَقْتَلِعُ الْحِجارَةَ مِنْ ضَريحِ الْخَليلِ، وَيَجْعَلُ التَّوْحيدِيَّ، وَعَبْدَ الْقاهِرِ، وَالْجاحِظَ حائِرينَ في أَمْرِنا نَحْنُ الّذينَ نَعُدُّ ما يَزيدُ عَلى أَرْبَعِمائةِ جامِعَةٍ فيها جَميعِها أَقْسامٌ للغة العربيّة كانَ عَلَيْها أَنْ تُخَرِّجَ أَجْيالاً تُحْسِنُ التَّعْليمَ في كُلِّ مَدينَةٍ وَقَرْيَةٍ وَبادِيَةٍ، وَأَنْ تَحْرُسَ الْعَرَبِيَّةَ وَتَرْعاها وَهِيَ تَرى الأُمَّةَ تَتَرَدّى سِياسِيّاً في الأَزْماتِ، وَتَهْوي بِلُغَتِها إِلى الْقاعِ، بعد أن كانت جسد هويّتها، ومنبر خطاباتها، وعكاظ شعرها، وإلهام متصوّفيها، وحارس فنّانيها. ولكِنَّها أمّة اخْتارَتْ أَنْ تَقْعُدَ مَعَ الْقاعِدينَ، وَرَضِيَتْ أَنْ تكونَ مَعَ الْخَوالِفِ، وَلَيْتَها فَعَلَتْ مِثْلَ الّذي كانَ في الْقَرْنِ الْهِجْرِيِّ الرّابِعِ حينَ تَهاوَتِ السِّياسَةُ وَصَعَدَتِ اللُّغَةُ وَالْكِتابَةُ لِتَحْفَظَ عَلى النّاسِ دينَهُمْ، وَأَحْلامَهُمْ، وَمَعاجِمَهُمْ، وَبَلاغَتَهُم، وَخِطاباتِهِمْ، وَفَلْسَفَتَهُمْ، بَلْ وَحُزْنَهُمُ الْقادِمَ مَعَ الْمَغولِيِّ والصَّليبِيِّ اللَّذَيْنِ سَيُمْعِنانِ فيهِمْ ذَبْحاً وَخَراباً، وَخَيْباتِ أَمَلٍ لا يَدْرَؤُها عَنْهُمْ إِلاّ كِبارٌ آمَنوا بَعْدَ اللّهِ بِالأُمَّةِ، وَكانوا أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ اللُّغَةَ مُسْتَوْدَعُ أَسْرارِ الأُمَّةِ، وَراياتُ جُنودِها، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَذلِكَ فَأَخْبروني: مَنْ كانَ مَعَ الْمُعْتَصِمِ، وَيوسُفَ بنِ تاشَفينَ، وَصَلاحِ الدِّينِ الأَيّوبِيِّ، وَمُحَمَدٍ الْفاتِحِ، والظّاهِرِ بيبَرْس وَهُمْ يَخوضونَ حُروبَهُمُ الْعَظيمَةَ؟! مَنْ كانَ مَعَهُمْ غَيْر الْعُلَماءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ؟ اقْرَأوا خُطْبَةَ مُحْي الدِّينِ بِنِ الزَّكِيِّ في تَحْريرِ الْقُدْسِ، وَكِتابَ الْعمادِ الَأَصْفَهانِيِّ في ‘الْفَتْحِ’، وَرَسائِلَ الْقاضي الْفَاضِلِ لَعَلَّنا نُذَكِّرُ ناسِياً، أَوْ نُعَلِّمُ جاهِلاً، أَوْ نُنَبِّهُ غافِلاً! وَهُنا يَنْبَغي لَنا أَنْ نَقولَ بِكُلِّ وُضوحٍ: إِنَّ غِيابَ الْقَرارِ السِّياسِيِّ عَنْ حِمايَةِ اللُّغَةِ هُوَ أَكْبَرُ أَسْبابِ الْبَلاءِ، مَعَ اطِّلاعِنا عَلى نِيّاتٍ طَيِّبَةٍ هُنا وَهُناكَ، لكِنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، بَلْ تَظَلُّ مِنْ بابِ الدِّعايَةِ وَالْإِعْلانِ، وَتَجْميلِ الْقَبيحِ، وَتَقْبيحِ الْحَسَنِ. وَاللّهُ أَعْلَمُ بِما يَصْنَعونَ!! اللُّغَةُ و الثَّوْرَةُيُظِلُّنا في هذِهِ الأَيّامِ زَمان بدا وكأنّ مُقَدِّماتِ ثَوْرَةٍ عَرَبِيَّةٍ شامِلَةٍ تُطِلُّ مِنْ شُرُفاتِهِ، سمّوه ‘الربيع’ ثمّ أسكنوا التعصّب والانغلاق في حقوله وسهوله، ولم يقل لنا أحد إنه ما من ثَوْرَةٍ دونَ لُغَةٍ سَليمَةٍ، وَرِجالٍ صالِحينَ مُصْلِحينَ يودّون إسقاط الجهل والتخلّف بقدر ما يريدون إسقاط الاستبداد. وَهَلْ مِنْ لُغَةٍ غَيْر هذِهِ الْعَرَبِيَّةِ الْعالِيَةِ تَنْهَضُ بِهذا الْوَجَعِ كُلِّهِ؟ وَتَحْمِلُ ذلِكَ الأَمَلَ لِتَبْلُغَ بِهِ مَداهُ؟ إِلاّ إِذا كانَ بَعْضُنا يُفَصِّلُها عَلى مَعاييرِ الأَمْريكانِ الّذينَ يُريدونَ مُسْتَبِدّاً مُحَسَّناً مَكانَ مُسْتَبِدٍّ أَكَلَ الدَّهْرُ عَلَيْهِ وَشَرِبَ، بَلْ هُوَ مُسْتَبِدٌ أَكَلَ كُلَّ شَيءٍ وَشَرِبَ حَتّى صِرْنا نَرِدُ الْماءَ مِنْ عَطَشٍ فَلا نَجِدُهُ، يُريدونَها لَهْجاتٍ لا لُغاتٍ، وَأَحْلاماً صَغيرَةً عاجِزَةً عَنْ حَمْلِ مَبادئِ الْحُرِّيَّةِ، وَالْعَدْلِ، والْمُساواةِ، وَالْحَقِّ، والْوحْدَةِ، الْوحْدَةِ الَّتي تَأْتي مَرَّةً جَديدَةً حَوْلَ الْقُدْسِ. أَقولُ هذا وَأَنا أَعْرِفُ أَنَّ أَحْلامَ الْخائِفينَ مِنَ الْواقِعِيّينَ ضَئيلَةٌ، تَجْعَلُهُمْ يَخافونَ الْمَوْتَ الّذي هُوَ حَقٌّ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَرَأوا أَبا الطَّيِّبِ لاسْتَعادوا قَوْلَهُ: يُحاذِرُني حَتْفي كَأَنّيَ حَتْفُهُ… فَهَلْ نَمْلِكُ بَعْدَ هذا أَنْ نَموتَ كَما نَتَخَيَّرُ لا كَما يَخْتارُ لَنا الآخَرونَ؟! وَهَلْ تَزْدَهِرُ مع الربيع الذي يهزجون له في هذِهِ الصَّحارى جَنائِنُ مُعَلَّقَةٌ تَأْوي إِلَيْها أَرْواحُ الشُّهَداءِ وَقَدْ تَفَتَّحَتْ وَرْداً وَرَيْحاناً؟! لِماذا نَحْنُ إِلى الْعَبيدِ أَقْرَبُ مِنّا إِلى الأَحْرارِ؟ بَلْ نَحْنُ الْعَبيدُ، وسادَتُنا مِثْلُنا، ‘وَكُلٌّ يَدَّعي وَصْلاً بِلَيْلى’ دونَ أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَ وِصالِها، وَيُغَنّي بِالْعادِيَةِ لِحَرْبٍ لا يُريدُ أَنْ يَكونَ طَرَفاً فيها، بَلْ لا يُريدُ لَها أَنْ تَقَعَ، وَيَتَغَنّى بِحُبٍّ لَمْ يَعْرِفْ مَعْناهُ، وَيَنْتَظِرُ زَرْعاً لَمْ يَحْرُثِ الأَرْضَ كَيْ تَتَطَهَّرَ بِالْماءِ مِنْ أَجْلِهِ! وَمَعَ هذا كُلِّهِ لَوْ أَنَّنا بَحَثْنا عَنْ شَخْصٍ واحِدٍ نُدينُهُ لَما وَجَدْنا، فَكُلُّهُمْ عِنْدَ الصَّلاةِ وَالْبُكاءِ حاضِرونَ، لكِنَّهُمْ في آخِرِ اللَّيْلِ إِقْليمِيّونَ، وَعامِيّونَ، وَطائِفِيّونَ، وَخائِفونَ، وَمُسْتَعْبَدونَ!! لِلثَّورَةِ مَعنىً جَديدٌ، وَهِيَ انْزِياحٌ عَنْ مَعْنىً سُلْطَوِيٍّ قَديمٍ يَجْعَلُنا نَتَساءَلُ: بِأَيِّ لُغَةٍ يَتَجَلّى هذا الْمَعْنى الْجَديدُ؟ وَبِأيِّ لُغَةٍ يَتَحَدَّثُ الْخَوارِجُ الْجُدُدُ مِنْ أَبْناءِ الأُمَّةِ؟ وَكَيْفَ نُنَقّي الثَّوْرَةَ مِنَ التَّعَصُّبِ، والتَّطَرُّفِ، والانْغِلاقِ، والْخَوْفِ، وَكَراهِيَةِ الْخَيْرِ، وَالْحَقِّ، وَالْجَمالِ؟! لِلثَّوْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ تَدْخُلَ مَخاضَها الأَليمَ الآنَ، وَتَهُزَّ إِلَيْها شَجَرَ الْحُرِّيَّةِ عَبْرَ الأَرْضِ الْعَرَبِيَّةِ كُلِّها، وَالإسْلامِيَّةِ مِنْ بَعْدِها. أَلَم يَشْتَدَّ الْغِناءُ بَعْدَ:إِذا الشَّعْبُ يَوْماً أَرادَ الْحَياةَ…؟ثَوْرَةٌ بَدَأَت في تونُسَ احْتاجَتْ شَطْرَ مَطْلَعِ قَصيدَةٍ فَقَطْ كَيْ تَمْتَدَّ عَبْرَ هذِهِ الْبَيْداءِ كُلِّها، لِتُشَكِّلَ تِلْقائِيَّةً شَعْبِيَّةً تُحَرِّرُ، وَتُجَدِّدُ، وَتُبْدِعُ، وَما ذلِكَ إِلاّ بِهذِهِ الْعَرَبِيَّةِ الّتي لا نَعْرِفُ سِواها، لُغَتِنا الّتي بِها نَعْتَصِمُ، وَما نَزالُ نَأْوي إِلَيْها مُنْذُ أَنْ: ‘بَكى صاحِبي لَمّا’ حَتّى: ‘فَتَّح الْوَرد في جَناين مصر’ وَغَيْر مصرَ. نَحْنُ نُدْرِكُ أَنَّ السِّياسَةَ فِعْلٌ مُؤَقَّتٌ، وَالثَّقافَةُ رُؤْيَةٌ راسِخَةٌ، وَالتّاريخُ ثابِتٌ لا يَتَبَدَّلُ، أَمّا الثَّوْرَةُ فَإِنَّها إِرادةٌ تَتَراجَعُ أَمامَها كُلُّ جَدَلِيّاتِ الأَنْظِمَةِ الّتي تُفاوِضُ عَلى إِصْلاحِها بَدَلَ إِسْقاطِها، وَكَأَنَّها قاطِرَةٌ صَدِئَةٌ تَحْتاجُ إِلى قِطَعِ غَيارٍ. اللُّغَةُ والنّاسُ إِنَّها الْعَرَبِيَّةُ، لَيْلى هذِهِ الصَّحْراءِ، عَذْراؤُها، وَعِشْقُها، وَنَحْنُ مِنْها: يَقولُ الْعِدا، لا بارَكَ اللّهُ في الْعِدا قَدْ اَقْصَرَ عَنْ لَيْلى وَرَثَّتْ وَسائِلُهْ وَلَوْ أَصْبَحَتْ لَيْلى تَدُبُّ عَلى الْعَصا لَكانَ هَوى لَيْلى جَديداً أَوائِلُهْوَأَقولُ: بَلْ نَحْنُ الّذينَ نَدُبُّ عَلى الْعَصا لا لَيْلى، ولا نَمْلِكُ أَنْ نَرُدَّ عَنْ صَحْرائِها عَدُوّاً وَلا دَخيلاً! مَنِ الّذي غَيْرَ الّذينَ حَكَموا الأُمَّةَ وَاسْتَعْمَروها، وَلُغَتُهُمْ غَيرُ الْعَرَبِيَّةِ، دَفَعوا لَغَتَهُمْ إِلى أَلْسِنَةِ النّاسِ؟! وَما الّذي غَيْرُ الْفَقْرِ وَالْجَهْلِ، وَالتَّخَلُّفِ والتَّعَصُّبِ ضَيَّعَ عَلَيْنا أَنْ نَسْتَكْمِلَ نَهْضَةً بَدَأْناها في الْقَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ، فيها مَلامِحُ جَديدَةٌ أَرادَتْ أَنْ تُعيدَ لِلْعَرَبِيَّةِ أَلَقَها، وللأمة هويتها، وَتَعودَ بِها إِلى مَجْدِها الْغابِرِ، وَتُتَوِّجَها لُغَةً لِلْعِلْمِ، وَالْكِتابَةِ، وَالإِعْلامِ، وَالْكَلامِ؟ مَنْ ضَيَّعَ عَلى النّاسِ فُرْصَةَ الإيمانِ بِأَنَّ لُغَتَهُمْ هِيَ هُوِيّتُهُمْ؟ مَنِ الّذي حَوَّلَ الْمَدارِسَ، وَكثيراً مِنَ الْجامِعاتِ مِنْ منابِرِ نورٍ إِلى مَراكِزَ مَحْوِ أُمّيّةٍ؟ لَقَدْ هانَتْ عَلَيْنا الأُمَّةُ حَتّى وَصَلَ الْهَوانُ إِلى اللُّغَةِ، فَذَبَحْناها مِنَ الْوَريدِ إِلى الْوَريدِ لَوْلا تِلْكَ الْفِئَةُ الْمُرابِطَةُ الّتي ظَلَّتْ تَحْرُسُ الْعَرَبِيَّةَ في بَعْضِ الْجامِعاتِ، وَالْمَجامِعِ، وَرُوّادُ الصَّحافَةِ والْكِتابَةِ. ما مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ وَتُشارِكُ في الْمَشْهَدِ الْعالَمِيِّ بِفِكْرِها، وَفَنِّها، وَإِبْداعِها الّذي يَتَناسَبُ وَمَنْظومَتَها الْفِكْرِيَّةَ وَالْحَضارِيَّةَ، وَذلِكَ بِلُغَتِها الَّتي تَقْرَأُ إِنْجازاتِها، وَأَوْجاعَها، وَفَقْرَها، وَأَحْلامَها الَّتي تَزْرَعُ فيها الأَمَلَ بِالْمُسْتَقْبَلِ حَتّى لَوْ رَأَتِ السَّرابَ: حُلْمَ الرِّمالِ الْهاجِعاتِ عَلى الظَّما لِتُقْنِعَ النّاسَ بِذلِكَ حَتّى لا يُداخِلَهُمُ الْيَأْسُ، فَيَموتوا وهُمْ في أَماكِنهِمْ جامِدونَ! لَقَدْ أَدْخَلَنا الْجامِدونَ والْجاحِدونَ في التّيهِ، بَلْ في الْمَتاهاتِ وَالْعَواصِفِ، وَقالوا لَنا إِنَّنا نَتَقَدَّمُ بَيْنَما نَحْنُ نَرْتَدُّ عَلى أَدْبارِنا، وَإِلاّ كَيْفَ يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ مَنْ لا يَحْتَرِمُ لُغَتَهُ؟! هَلْ كانَ يَدْري أَنَّ عَلَيْنا، لَوْ كانَ مِنّا، أَنْ نَتَوَقَّفَ عِنْدَ نُصوصِنا الشَّهيرَةِ، فَنَدْرُسَها في بيئاتِها، وَلُغَتِها، وَصِلَتِها بِالْحَياةِ وَالنّاسِ حَتّى لا تَنْقَطِعَ الصِّلَةُ بَيْنَ النّاسِ وَلُغَةِ الأُمَّةِ وَتُراثِها؟! وَلَعَلّي أَوَضِّحُ هُنا أَمراً: فَلَيْسَ لَنا لُغَتانِ جَديدَةٌ وَقَديمَةٌ، وما مِنْ لُغَةٍ فَصيحَةٍ وَأُخْرى شِبْهِ فَصيحَةٍ، وَلَيْسَ لَنا عَصْرٌ صَعْبٌ وَآخَرُ سَهْلٌ، بَلْ لَنا لُغَةٌ هِيَ حَياتُنا، لُغَةٌ أَنْشَدَ الدَّهْرُ بِها قَصائِدَهُ، ثُمَّ نامَ مِلْءَ جُفونِهِ فيما: يَسْهَرُ الْخَلْقُ جَرّاها وَيَخْتَصِمُ وَلي أَنْ أَسْأَلَ في هذا الْمَقامِ: ما الّذي نَحْنُ فيهِ مُخْتَلِفونَ؟ وَعَلامَ هذا الاخْتِصامُ؟ عَلى كِتاباتٍ عامِيَّةٍ، وَإِذاعاتٍ عامِيَّةٍ، وَخِطاباتٍ عامِيَّةٍ لَمْ تَسْلَمْ مِنْها الْمَنابِرُ، وَلا الْجامِعاتُ، وَلا الْمَدارِسُ، حَتّى ظَنَّ الّذينَ يَقْبِضونَ عَلى جَمْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُمْ غُرَباءُ، لا واللّهِ، بَلِ الْغُرَباءُ التّائِهونَ هُمْ أَصْحابُ تِلْكَ الْعامِيَّةِ، وَلَوْلا حُرْمَةُ الْمَكانِ لَقُلْتُ فيهِمْ ما هُوَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنْ مِثْلِ: ما يَقْبِضُ الْمَوْتُ نَفْساً مِنْ نُفوسِهِمُ… اللُّغَةُ وَالْمُسْتَقْبَلُ لي أَنْ أَبْدَأَ هذا الْحَديثَ عَنِ اللُّغَةِ وَمُسْتَقْبَلِها بِأَنْ أَقولَ: فَإِنَّ الْجُرْحَ يَنْفِرُ بَعْدَ حينٍ إِذا رُمَّ الْبِناءُ عَلى فَسادِ! وَأَتَساءَلُ: هلْ نَحْنُ في الطَّريقِ الّذي يَصِلُ بِنا إِلى غايَتِنا؟ أُمَّةٌ تَتَعَلَّمُ بِلُغَتِها، وَتُعَلِّمُ بِها، وَتَنْطِقُ بِلِسانِها، وَتُفيضُ عَلى الدُّنْيا مِنْ إِبْداعِها تَرْجَمَةً مِنْ لُغَتْها وَإِلَيْها؟! أَمْ أَنّنا: نُحاوِلُ مُلْكاً أَوْ نَموتَ فَنُعْذَرا صاحِبي الّذي حَدَّثْتُهُ في هذا الأَمْرِ بَكى لَمّا رَأى الدَّرْبَ دونَهُ، وَقالَ لي: ‘إِنَّ الدَّرْبَ هِيَ الطَّريقُ في الْجِبالِ إِلى بِلادِ الرّومِ، فَهَلْ نَحْنُ الّذينَ نَرْمي الدَّرْبَ ‘بِالْجُردِ الْجِيادِ؟’ فَقُلْتُ لَهُ: فَلْنَكُنْ أَنْدَلُسِيّينَ إِذَن، فَقَدْ نَبَتَتْ مِنْ نَخْلَةِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدّاخِلِ ثَقافَةٌ أَنْدَلُسِيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ امْتَدَّتْ ثَمانِيَةَ قُرونٍ أَيْنَعَتْ كِتابَةً، وَمُوَشَّحاتٍ، وَفَلْسَفَةً غَيَّرَتْ وَجْهَ الدُّنْيا، وَيَوْمَ انْتَهَتْ غرْناطَةُ ( كَما قالَ تشومسكي/ 500 عام الغَزو مسْتَمِرّ) انْتَهَتْ ثَقافَةُ التَّسامُحِ، وَبَدَأَتْ ثَقافَةُ الْعُنْفِ. وَما تَزالُ هذِهِ هِيَ الصّورَةُ الْحَقيقِيَّةُ لِلثَّقافَةِ الْغَرْبِيَّةِ الَّتي يُغَطّيها: ادّعاءُ حُقوقِ الإِنْسانِ، والدّيمقْراطِيَّةُ، وَالْحِفاظُ عَلى الْبيئَةِ، وَتَمْكينُ الْمَرْأَةِ، والتَّعَدُّدِيَّةُ…وَغَيْرُ ذلِكَ مِمّا يَحْمِلُهُ بَعْضُ قَوْمِنا الّذينَ نَسوا اللّهَ فَأَنساهُمْ أَنْفُسَهُمْ، وَأُمَّتَهُمْ، وَاحْتِرامَ النّاسِ لَهُمْ، وَسَوْفَ يَموتونَ مَطْرودينَ مَرْذولينَ. أَمّا بَعْدُلا أَدْري: أَطَويلٌ طَريقُنا أَمْ يَطولُ! وَلَسْتُ أَخْشى عَلى الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الانْقِراضِ، أَوِ الْمَوْتِ أَوِ الضَّياعِ، وَإنْ كُنْتُ أَخْشى كَثيراً مِنْ ذلِكَ عَلى الْعَرَبِ أَنْفُسِهِمْ. وَها نَحْنُ نَنْتَظِرُ زَخَمَ الثَّوْراتِ، وَمَواقِفَها مِنَ اللُّغَةِ، وَنَقْرَأُ عَنْ ثائِرٍ فَرَنْسِيٍّ اقْتادَهُ النّازِيّونَ في الْحَرْبِ الْعالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ إِلى الإِعْدامِ، وَطَلَبوا إِلَيْهِ تَوْقيعَ وَرَقَةٍ، لكِنَّهُ رَفَضَ لِوُجودِ خَطَأ في تَهْجِئَةِ كَلِمَةٍ بِالْفَرَنْسِيَّةِ في النَّصِّ! وَأَتَساءَلُ هُنا: حَتّامَ نَحْنُ نُساري النَّجْمَ في الظُّلَمِ وَما سُراهُ عَلى خُفٍّ ولا قَدَمِ؟! هَلْ نَصْمِتُ وَنَنْتَظِرُ وَهُناكَ مِنَ الْباحِثينَ مَنْ يُشيرُ إِلى ‘انْتِحارِ الْعَرَبِيَّةِ’ أَوْ ‘نَحْرِها’؟ فَهذا أنيس منصور يَكْتُبُ: ‘هَلْ تَنْتَحِرُ الْعَرَبِيَّةُ’؟ وَيَكْتُبُ عَبْد السَّلام المسدّي: ‘الْعَرَبُ والانْتِحارُ اللُّغَوِيُّ’ وَيُعْطي مُهْلَةَ ثَلاثَةِ أَجْيالٍ لانْقِراضِ الْعَرَبِيَّةِ إِنْ ظَلَّتْ عَلى ما هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْم، وَيُحَدِّدُ عَبْدُ الْعَلي الْودغري أَشَدَّ الأَخْطارِ فَتْكاً بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُسَمّيها: ‘ثُلاثِيَّ الْمَوْتِ’، وَيَقْصِدُ بِها: التَّعَدُّدِيَّةَ، وازْدِواجِيَّةَ اللِّسانِ، وَتَفْريطَ أَهْلِ اللُّغَةِ فيها. أم نترك الخوفَ يتملّكنا ونحن نطالع العدد الأخير من مجلّة العربيّ، الذي كتب فيه سليمان العسكريّ عن ‘اقتلاع الجذور وتنمية الضياع’، موضّحا كيف اقترحت الشركات الأجنبيّة في الدول النفطيّة تشريعات تربط العقارات بالإقامة، ‘مّما يمنحها براءةَ اختراع تغيير تركيبة سكّان بلدان وطمس هويّتها الوطنيّة والثقافيّة، وربّما الدينيّة كذلك’. لقد أدّى ذلك إلى ‘خلل في اللغة’، إذ أصبحت العربيّة في أغلب دول مجلس التعاون تأتي في المرتبة الثالثة أو الرابعة من بين الإنجليزية والهنديّة والأوردو، كما أصبحت الإنجليزيّة اللغة الرئيسية للأعمال والتعليم والإدارة.مُفارقة مؤلمة هي، أن لا يحتاج الوافد لتعلّم لغة بلد عربيّ يعيش فيه، بل قد لا يحسّ فيه بالاغتراب، بينما يحتاج العربيّ لإتقان غير العربيّة إذا ما أراد كسب رزقه في بلد عربيّ هو جزء من تلك الصحراء التي يفترض أنّها أقرب إلى كل عربيّ، تاريخاً وهويّة، من حبل الوريد. أَمْ نَتْرُكُ مِساحَةً مِنَ التَّفاؤُل بِمُسْتَقْبَلِ الْعَرَبِيَّةِ وَنَحْنُ نَقْرَأُ تَوَقُّعاتِ: لوي كالفي ( 2010 ) عَنْ مُسْتَقْبَلِ اللُّغاتِ الْعالَمِيَّةِ الْكُبْرى وَمِنْها الْعَرَبِيَّةُ الَّتي تُؤَكِّدُ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ سَتَحْتَلُّ عامَ 2025 الرُّتْبَةَ السَّابِعَةَ بَيْنَ اللُّغاتِ الْعَشْرِ الأَوائِلِ في الْعالَمِ، وَحَسْبَ مِعْيارٍ خاصٍّ سَيَكونُ مَرْكزُ الْعَرَبِيَّةِ في الرُّتْبَةِ الْخامِسَةِ في الْعامِ نَفْسِهِ، وَسَتَكونُ في الرُّتْبَةِ الرّابِعَةِ عالَمِيّاً عامَ 2050، ثُمَّ وَضَعَ ثَلاثَةَ تَوَقُّعاتٍ عَنْ مُسْتَقْبَلِ اللُّغاتِ الْكُبْرى عامَ 2025 تَنَبَّأَ أَحَدُها بِأَنَّ الْعَرَبِيَّةَ سَوْفَ تَتَقَدَّمُ إِلى الرُّتْبَةِ الثّالِثَةِ، وَسَتَتَراجَعُ الْفَرَنْسِيَّةُ لِتَصْطَفَّ خَلْفَ الْعَرَبِيَّةِ. أَمْ نَعيشُ عَلى أَمَلِ اسْتِعادَةِ لُغَتِنا مَكانَتَها في زَمانٍ قادِمٍ وَنَحْنُ نَقْرَأُ شَهادَةَ الْمُسْتَشْرِقِ الأَلْمانِيِّ يوهان فك:قَدْ بَرْهَنَ التُّراثُ العَرَبِيُّ الْخالِدُ أَنَّهُ أَقْوى مِنْ كُلِّ مُحاوَلَةٍ يُقْصَدُ بِها زَحْزَحَةُ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحى عَنْ مَقامِها الْمُسَيْطِرِ، وَإِذا صَدَقَتِ الْبَوادِرُ، وَلَمْ تُخْطئِ الدَّلائلُ فَسَتَحْتَفِظُ الْعَرَبِيَّةُ بِهذا الْمَقامِ الْعَتيدِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لُغَةُ الْمَدَنِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ. أَمْ نَظَلُّ مَعَ الَّذينَ يَبْحَثونَ في الأَزْمَةِ الَّتي تَعيشُها الأُمَّةُ، والتَّحَدِّياتِ الَّتي تُواجِهُها؟ وَبَيْنَ هذا وَذاكَ نَرى أَنَّ الثَّوْرَةَ الشّامِلَةَ لا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ في اعْتِبارِها لُغَةَ الْخِطابِ، فَقُوَّةُ اللُّغَةِ في أُمَّةٍ ما تَعْني اسْتِمْرارِيَّةُ هذِهِ الأُمَّةِ بِأَخْذِ دَوْرِها بَيْنَ بَقِيَّةِ الأُمَمِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ اللُّغَةِ بِغَلَبَةِ أَهْلِها، وَمَنْزِلَتُها بَيْنَ اللُّغاتِ صورَةٌ لِمَنْزِلَةِ دَوْلَتِها بَيْنَ الأُمَمِ كَما يَقولُ ابْنُ خلدون. ولا بُدَّ أَنْ يَرْتَقي النّاسُ مَعَ اللُّغَةِ وَبِها إِلى آفاقَ جَديدَةٍ تَنْقُلُهُمْ مِنْ مُجَرَّدِ التَّعْليمِ إِلى فَضاءاتٍ مِنَ الثَّقافَةِ، وَالْفِكْرِ، وَالإِبْداعِ، وَتُذَكِّرُهُم بِدَوْرِهِمْ في الْمَشْهَدِ الإِنْسانِيِّ الّذي كانَتْ لَهُمْ فيهِ صَوْلاتٌ وَجَوْلاتٌ.وَقَدْ يَكونُ عَنْ كَثَبٍ مِنّا يَوْمٌ تَعودُ فيهِ لِلْعَرَبيَّةِ مَكانَتُها، وَلِأَهْلِهاعِزَّتُهُم بِلُغَتِهِمْ، فَتَلْحَقُ أُمَّتُنا بِرَكْبِ التَّقَدُّمِ وَالتَّغْييرِ، فَمَنْ يَمْلِكُ لُغَتَهُ يَرْتَقي في الأَسْبابِ، وَتُفَتَّحُ لَهُ الأَبْوابُ. ليس هذا من باب الحنين الشوفينيّ لأن تعود الأمّة ‘صائحاً محكيّاً’ بينما ‘الآخر الصدى’؛ بل هو وجع صادق على من كاد أهلها ينسَون أنّ أمّتَهم مثلُهم؛ بأصغريها: لسانها نصفٌ ونصف فؤادها كما أدرك زهير بن أبي سلمى، وعليها أن لا تعود بعد اليوم محض صدى خافت لغيرها، بكيِّ العقل والقلب واللسان.