إننا بصدد تحد ٍ كبير يمسّ وجودنا وهويتنا.. هذا التحدي متشعب ويأتي بمئة لبوس، هل هو قدرُ الخير الضعيف أن يواجه جبروت القوة الطاغية وينتصر بالنهاية؟ ذلك ما نؤمن به، ونتشبث بأذياله حتى لا نفقد ثقتنا بأنفسنا، نتلاشى أو نذوب في الآخر أو ننقرض.
إذن هي مسألة وجود بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والمنظومة التي نفكر من خلالها، ونتواصل بها مع الآخرين هي منظومة اللغة، ونحن كعرب ومسلمين نؤمن بأن (الرحمن، خلق الإنسان، علمه البيان)، إذن فبنيتنا الفكرية ومرجعيتنا هي اللغة العربية في كل المجالات، وفقدانها أو التفريط بها يعني بكل بساطة أن ندخل جحر الضب!
سننزع شوكة الوقوف على الأطلال، ونُطلّ ُ على ما يعـمـر الأرض، نـُطل على جذوة الروح التي قد أخـذ بصيصها يعلو، بفضل العلم، والقضاء على الجهل.- والحمد لله- ليست حالتنا كحالة بداية القرن بالنسبة للأمية والتخلف وانتشار الأمراض، والفقر والفاقة، أما بالنسبة للحال الفوضوية التي تعيشها الأمة فهذا وقت مخاضها الذي سيأتي النور والخير من بعده، وكما قال أنطونيو غرامشي ‘القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يُولد، وفي هذا الفاصل تظهرُ أعراض ٌ مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها’ – دعونا نتفاءل ولو قليلا – فالنور يأتي من داخلنا، وليس من الواقع المظلم للأمة.
ربما المقدمة تعقبها مقدمات، وربما شط الحلم بنا لعالم ٍ تسود فيه الفضيلة، وليس من باب تخدير النفس أن نحلم ونأمل ونفكر ونترجم أفكارنا إلى كلمات ثم إلى عمل. لغتنا العربية لا تحتاج للمزيد من كيل المديح فهي بمرونتها وقوة جذورها وعبْرَ عقولنا جميعاً قادرة على مواكبة العلم، وما استجد في كل المجالات، ولكن تبقى إرادة المنتسبين إلى هذه اللغة في رفع شأنها، وما المطلوب منهم بالشيء المـُعجز، فكل ما هنالك أن يفزع أصحاب الشركات الحكومية والخاصة، وفي كل المجالات إلى فرض تعريب المراسلات بينهم وبين كافة المنتجين وكبار المصنعين في كافة المجالات.. بينهم وبين أوروبا، وآسيا وأمريكا.
قـد يبدو كلامي تبسيطا لمعضلة كبيرة، ولكن لنسأل أنفسنا: ألسنا زبائن يتداعى القاصي والداني إلى بيعنا ما نستهلك، أليست القاعدة الذهبية لدى عتاة التجار والمصنعين أن الزبون دائماً على حق؟ أقول بلى وقد ارتفعت نسبة التوكيد في دمي!
لا شك أن البداية ستكون صعبة، ولكن الثمر الذي يلمع في الأفق يستدعي الجهد والمثابرة على تنفيذ هذه الفكرة، ومن هذه الثمار نـُعدّد ما ورد في الخاطر:1- ستعلن بعض الشركات وكبار المصنعين عن استنكارهم لهذا (الإجحاف!) في حقهم، ولكن بالتصميم على هذا المطلب سرعان ما تزول عن جباههم التقطيبة وتحل محلها علامات الرضا والتفهـّم، هنا نحرز بموقفنا الجمـــــاعي هذا انتــــصاراً ضئيلاً يجدد فينا الأمل بأننا أمـّة ما زال فيها رمق وقادرة على إحراز هدف في مرمى الآخر.2- سيهرع أرباب الصناعات وأصحاب المصالح إلى مَـن ْ؟ بالطبع إلى أي كائن حولهم يتكلم العربية، أو حتى يعرف بعض الكلمات، وستنشأ خلية طوارئ بحثا عن لسان ٍ عربي ٍ مُبين، خوفاً من الكساد، وضياع الملايين.3- سيجدوننا بالطبع فجأة ً وقد ازدانت وجوهنا بالبهاء والعبقرية، بعد أن كانت وجوهنا لا تملك غير مسحة الغباء والإرهاب.4- هنا لا بُـدّ لكل شركة ومصنع، من عربي يحتل مقعدا مخصصا للمراسلات باللغة العربية، إذ لا يُعقل أن يذهب أصحاب العيون الزرق إلى الأزهر، أو جامع الزيتونة لتلقي أصول الفقه واللغة لمدة عشر سنوات كي يُحلل ما جاء في أسطر عديدة من هذه اللغة (العِكس عكاس!).5- ومن ناحية العرب الذين ما يزالون يمشون في مناكبها، سيفاجأون بهذا المدد، والإغاثة التي جاءتهم من العدوة الأخرى للمتوسط، وسوف تلتمع جباههم من الفرح بأن وراءهم تقف الدول والأفراد كالبنيان المرصوص، وسيستعيدون الثقة بهذه اللغة التي يقدسونها وينسونها في خضم التذويب الذي يُمارس عليهم باسم العلمانية، التي أخرجت أجيالاً من المهاجرين لا يعرفون شيئاً عن لغتهم وهي وعاء دينهم، وبالتالي يتمرغون في فوضى اللاهنا واللاهناك، ومن لطف الله بهؤلاء أن بدأ قطاع ٌ كبير من الشباب يدرك تلك الهوة ويحاول ردمها، إما عن علم ٍ ودراية، أو عن تقليد القوالب الجاهزة التي تأتي من هنا وهناك. نقول سيدركون أن هذه اللغة ليست فقط لقراءة القرآن والحديث، أو الشعر والأدب، وأنها سمنت فجأة وأصبحت تطعم من جوع.6- ستنشط حركة الترجمة والتعريب، وسيستفيد الكثيرون من دائرة هذا النشاط، ونستطيع القول إن مجامع اللغة، إلى جانب الأفراد سيقدحون زناد تفكيرهم ومعارفهم لصياغة مصطلحات جديدة ذات دلالات مُحددة.7- من المعروف أن المدارس الإلزامية في أوروبا تنتهج مبدأ اختيار لغة أجنبية (منهج اختياري للتلاميذ) يتعلمها إلى جانب العلوم الأخرى، وربما ساهم التوجه العام في البلدان العربية لتعريب المراسلات في الإقبال على اللغة العربية، وهي موجودة أصلا كمنهج اختياري في بعض المدارس.8- سيكتسي مُعلم اللغة العربية في بلادنا أهمية، ويسترجع الهيبة التي فقدها بفقدان احترام التلاميذ لهذه اللغة، تماما ً مثل مُعلم الإنكليزية في مدارسنا العربية، الذي يحظى بنظرة احترام وإكبار لانه ينطق باللغة التي تسود العالم، معرجين على مقولة ابن خلدون: (أنّ المغلوب مُغرم ٌ بتقليد الغالب).9- مما لا شك فيه أن اللغة العربية لغة غنية وجميلة، وذات حسب ٍ راق ٍ ضارب ٍ في التاريخ، وهي لغة متدينة فلماذا لا نتزوجها؟ كي نُنجب َ منها تاريخنا القادم.
فؤاد أبوحجلة