اللمبارة .. فيلم جديد للمخرج علي العبيدي: الهجرة السرية… والاحلام المفتوحة علي المجهول

حجم الخط
0

اللمبارة .. فيلم جديد للمخرج علي العبيدي: الهجرة السرية… والاحلام المفتوحة علي المجهول

اللمبارة .. فيلم جديد للمخرج علي العبيدي: الهجرة السرية… والاحلام المفتوحة علي المجهولتونس ـ القدس العربي ـ من شمس الدين العوني: علي العبيدي من السينمائيين التونسيين المثيرين للجدل من خلال رؤاه واطروحاته ودراساته المقدمة في عديد المنابر الفكرية والنقدية فضلا عن اعماله السينمائية فهو عضو اتحاد الكتاب التونسيين كما صدر له مؤخرا كتاب به بحوث واسهامات متعلقة بمجالات السينما وفنونها، كما عرف بآرائه ونقده تجاه بعض السينمائيين التونسيين وكتابه الاخير حول السينما.وقد اعرض عن المشاركة في تظاهرة ايام قرطاج السينمائية لموقف حول ملابساتها وتجسد ذلك مؤخرا حين رفض تقديم عمله الجديد الذي كان جاهزا نهاية سنة 2005.هذا الفيلم عنوانه اللمبارة وقد اخرجه بعد اعمال اخري منها برق الليل 1990 و رديف 54 سنة 1997. اللمبارة قدمه علي العبيدي في عرض خاص امام عدد من الاعلاميين والمثقفين في قاعة عليسة السينمائية بجهة المنار وقد شفع العرض بلقاء مفتوح حضره بالخصوص المنتج والمخرج السينمائي عبد اللطيف بن عمار والمخرج لطفي العيوني والفنان يوسف الرقيق ومدير التصوير عبد الله الرتيمي. السيناريو والحوار في الفيلم اعدته الهام الشريف مع المخرج وقد لقي هذا العمل دعما من وزارة الثقافة والمحافظة علي التراث في تونس والوكالة الدولية للفرنكفونية. في الفيلم تلتقي شخصيات مختلفة من حيث الهواجس والاوضاع والقضايا والاهتمامات الاجتماعية والذهنية والثقافية ولكنها تشترك في البحث عن المغادرة …مغادرة تونس نحو ضفاف اخري في المتوسط.حسناء تفر من اخيها الذي يهددها بالقتل لممارسة الفن وياقوتة تريد البحث عن خطيبها الذي غادر البلاد ودوجة تروم العودة الي فرنسا بعد ان خابت في المكوث بها.وهكذا يختلط المشهد لتتداخل الحالات والاحداث حيث الناصر في مطاردة مستمرة لحسناء والصقع رفقة الشهبا في غمار هذا العالم السري لرحلات الحلم والموت وبربروسة المهرب الذي ينتهي الي الموت نتيجة ما يدبره للآخرين…تلتقي المجموعة. كل يبحث عن ملاذ ولو في المجهول حيث يكون الحرقان (الهجرة السرية) نافذة مفتوحة علي عوالم الاحلام والدواخل في سياق من الهواجس نحو استعادة الاحساس بالحياة وبالحرية وبالذات. وهنا نذكر ما جاء علي لسان دوجة حين تقول: (بنتي هي بلادي) او حين تلوذ حسناء بدوجة ويبرز الحوار بينهما سيلا من الهموم المشتركة لتتكون عاطفة مشتركة وحميمية مشوبة بالخلاف والتشنج. الا ان التصعيد الدرامي في الفيلم وتوتر الشخصيات يقلبان هذه التفاعلات لتظهر علي اكثر من صعيد وبأكثر من وجه. وهنا لعب المخرج علي العبيدي جيدا علي الحالات وعلي الجانب السايكولوجي لنجد كما من العبارات المنفجرة نذكر منها علي سبيل المثال ما يأتي علي لسان حسناء وهي تخاطب دوجة قائلة: ـ الرجال وينهم …الرجال ورطة وتشربيكة … ـ وتقول ياقوتة ـ خربوا البلاد …الاقتصاد …التهريب والتخريب… ـ وهي التي اعتدي عليها بربروسة واصحابه لتدخل عالم الحرقان ناقمة ويظهر ذلك في معاملتها للاخرين الحارقين علي غرار دوجة…وفي حيز آخر يمثل هذا الفيلم نقدا لمظاهر ثقافية واجتماعية وسياسية في تونس حيث عمل علي العبيدي علي تضمين حوارات الممثلين لملاحظات منها تذكر الصقع للكاباس وبرامج التكوين المهني .. وفي هذا النقد الاجتماعي يبرز الفيلم ان الهجرة السرية لم تعد حلما محسوبا علي اليائسين الذين لم يتعلموا او خابوا في الدراسة بل انسحب ايضا علي اصحاب الشهادات الذين تهشمت احلامهم علي عتبات المجتمع وانهكتهم البطالة..كما يأتي علي ألسنة الممثلين ذكر عدد من المعتقلات مثل ابو غريب وبرج الرومي فضلا عن النقد تجاه اهالي الجريد وهو نقد لاذع علي غرار ـ يا جريدي يا…الجريدية تحاموا…الثورة والثوار…اللي تربي في احضان البيوعة متاع الاستعمار….لكن المخرج اراد ان يدين جانبا من طفولته او شبابه باعتباره من جهة الرديف بالجريد التونسي وهذه الادانة هي ثورة اخري للقول بان الخلاص باتجاه الهجرة او المغادرة يقتضي التنصل من الهوية الثقافية ومن كل ما هو قيمي وذاتي…الحوارات في الفيلم مشحونة بكثير من المعاني والعبارات وحتي الشعارات وهنا نلمس اهمية ان يرتقي الحوار في الفيلم باعتبار سحر الفن السينمائي اذ ليس من المهم ان نسرد عبارات هي من قبيل ما يسمعه الناس في الشارع والمقاهي وما يتداوله الشبان ..كان يمكن التركيز علي جمالية جانب من الحوار رغم شحنته الدلالية والثقافية والسوسيولوجية.الفيلم منحنا جانبا جماليا يحسب لصاحبه حيث عمل مع فريق فني عرف كيف يسحر المتفرج بالصورة الباذخة والاخاذة التي تسعي في بعض الاحيان الي اتمام ما بتر من الحوار بين شخصيات اللمبارة ..فالبحر يبرز بعيدا عن المحسنات بما يتماشي مع الحالة الدرامية للشخصيات كما يمر قطار الضاحية الشمالية قاطعا، ويتم تصوير حسناء الباحثة عن ملاذ وسط ضجيج الحياة اليومية حيث المارة والعابرون وجمهرة الناس والازدحام. ونذكر هنا ان الفيلم عبر بكثير من المتعة والتشويق في تخير المشاهد والصور عن الحالات والشحنات بل كانت الصورة وجمالية المكان في غاية الدقة رغم ان الأمكنة قد عبرت احيانا عن تلك المصانع والمخازن المهجورة والمتروكة الا انه تم حسن توظيفها مشهديا .ان هذه المصانع الخربة والمخازن قد عبرت عن بقايا واطلال الخصخصة وصرنا امام امكنة لم تعد في الدورة الاقتصادية بل صارت ملاذا ومرتعا للباحثين عن الرحيل …يبقي ان نذكر حب المخرج للشعر لذلك اقحم قصائد لابي القاسم الشابي في اول الفيلم وفي اخره حيث نشاهد حسناء وهي تغني للشابي وتمشي علي الشاطئ ونري في هذا الجانب ان القصائد تعبر عن الانعتاق في مطلقه، في حين ان الحرقان ظاهرة يومية وهي حل يائس فرضته العولمة وسياسات الغرب واوروبا التي افادت كثيرا من المهارات العربية ولاهل الجنوب ولكنها لم تطور قوانينها بما يستجيب للتعاون والتبادل فهي تريد ان تكتفي بدور الحارس للسواحل الذي تقوم به دول جنوب المتوسط.ان فيلم اللمبارة يطرح ويثير في عمقه وبعيدا عن احداثه الدرامية اسئلة وقضايا هي من الاهمية بمكان خاصة امام هذه التحولات والتبدلات التي يشهدها العالم المختلف..العربي والاسلامي والغربي. اللمبارة شخصيات يائسة وهاربة ..لكن الي اين؟ ..ربما عبرت عن ذلك اكثر موسيقي رضا الشمك وصور عبد الله الرتيمي..المبدعين اللذين نجحا في نقل الايقاع المتوتر والموجوع والحالم..الايقاع الخاص بمختلف الشخصيات انطلاقا من المحامي ـ علي الخميري العاجز عن الحل …هل سقطت القيم والحقوق والقوانين في هذا العالم الي هذا الحد..وهل خيم العجز والظلام لذلك كان لا بد من اللمبارة ؟ هل.. وهل…تلك بعض اسئلة بعد فرجة رائقة منحها الفيلم وفي خيال مخرجه اكثر من سؤال… واكثر من شكوي. اللمبارة حلم صغير… في عالم كبير يعيش علي ايقاع الخراب والفجيعة ..في الفيلم هناك حديث الدموع …حديث البحر الحزين…حديث النساء حسناء/ دوجة ـ..دوجة / ياقوتو.. حديث الرجال ـ الصقع / شهبا ـ وحديث الشجن والذكريات للقادمين من الجريد بحثا عن الهجرة عبر القارب… وفي النهاية حديث القارب الذي يشتغل محركه ويصعد علي متنه الجميع الي…الي اين؟ هنا تقف الصورة لينبثق صوت حسناء بقصيد الشاعر ابي القاسم الشابي المشحون بالشجن وبالآه…اسكني يا جراح…هكذا هو الشريط الاخير لعلي العبيدي..كتلة من الآهات والاحلام والعبارات التي تنفجر مع هموم اصحابها …اختيار الشخصيات كان موفقا الي حد ما فالمجتمع تتقاذفه احلام وهواجس ليراها الناس كل من زاوية نظره ولكن اللمبارة عري جوانب اخري من مجتمع يعيش كغيره من المجتمعات تحولات كبري وتبدلات رهيبة اتت علي كل شيء..وهكذا يبقي الفن (السينما هنا) شاهدا آخر علي عمق الوجيعة داخل الانسان …وحجم الاحلام ايضا وهنا يتمركز صراع الدراما الانسانية الذي مس الفلاسفة والفنانين والشعراء.هذا وقد دار لقاء مفتوح بعد العرض تحدث فيه المخرج علي العبيدي عن ملابسات شريطه وظروف التصوير وعبر عن معاناته في هذا العمل كما بين اسباب عدم تقديمه لمسابقات ايام قرطاج السينمائية الاخيرة انطلاقا من رؤيته تجاه المسارات الجديدة لهذه التظاهرة التي انطلقت كتعبيرة حالمة للسينما العربية والافريقية. وقال علي العبيدي: هذا الفيلم هو تعبير صادق عن احساسي ووجيعتي تجاه حبي لتونس…كما تحدث المنتج والمخرج عبد اللطيف بن عمار عن علاقة السينما بالشعر وكذلك عن تحولات ايام قرطاج المسرحية وظروف المخرج التونسي ومسائل تتعلق بصعوبات العمل والتوزيع وفي ذات السياق تدخل المخرج لطفي العيوني.عموما يظل فيلم اللمبارة مثيرا للجدل وهذا مهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية