اللهم ارزقني بنتا

حجم الخط
0

البكر أنثى، والثانية أنثى، والثالثة أنثى وكذا الرابعة، وجميعهن آية في الحسن والخلق والعلم والدين الا أن أمهن عندما أنجبتهن الواحدة تلو الأخرى كانت دائما تسمع النساء يدعين لها ‘الله يعوض عليك’ وكأنها مبتلاة أو أصابها مصاب أو منيت بخسارة أو حظ عاثر ينتظر حظا أوفر، وباركوا لها بالأولى، والثانية على مضض، أما في الثالثة والرابعة فلم يسأل عنها أحد لا بكلمة طيبة ولا بصحن حساء ولا بحبة حلوى، وبدأت الحماة تبث في أذن ابنها أن عليه أن يتزوج بأخرى لتنجب له الأولاد الذكور لجهلها أن الذكور والإناث إنما يأتون من صلب الرجل.

كان عندها أربع إناث، وفي نظر المجتمع، وأقربهم زوجها، كانت لم تنجب بعد ما دام الولد الذكر لم يأت بعد، وكان لا بد من المتابعة السريعة التي ترهق صحة الأم وأعصابها وحياة الأسرة، فلا سعادة بالموجود وإنما انتظار دائم للمفقود! حتى البنات لا يشعرن بقيمتهن ولا بتقدير الأسرة لهن، وكأنهن مكسورات الجناح حتى يأتي الأخ الذكر الذي بعد أن يأتي يحتاج الى أخ آخر يؤنس وحدته، وهكذا لا تنتهي الحلقة المفرغة، وأبو البنات الذي أنجب البنات النجيبات يشعر بأنه والعقيم سواء فلا أحد يشد ظهره ويحمل اسمه ويثبت فحولته وأنه ‘راجل من ظهر راجل’! يكاد يكون طبعا في النفس البشرية أن يُفضل الذكر على الأنثى، والفرق بين البشر في درجة الرضى والسخط، فقد وصل من رضى بعض الشعوب والملل أن جعلوا المرأة إلها في خرافاتهم وأساطيرهم، وقد بلغ من سخط بعضهم في الجاهلية أن وأدوها وهي حية ترزق! ناسين ومتناسين أن الأنثى أصل في الخليقة بدونها كانت الجنة حَزنا لآدم حتى خلق الله حواء من ذات نفسه لقد جاء الإسلام ليعالج هذا الشذوذ الفطري فجعل من يُمن المرأة على زوجها أن تبكر له بأنثى، فالأنثى في ركابها الرزق والعون ولقد جاء في الحديث الشريف ‘إذا ولدت الجارية بعث الله عز وجل إليها ملكا يزف البركة زفا، يقول: ضعيفة خرجت من ضعيفة، القيم عليها معان إلى يوم القيامة’، وجعل تربية الإناث والإحسان إليهن سترا من النار وبابا الى الجنة، ولقد وعى الصحابة هذا المُدخل الكريم والفضل العميم فأصبحوا يساومون الرسول صلى الله عليه وسلم لما حدد في الحديث ثلاث إناث على الاثنتين والواحدة حتى يضمن الواحد منهم أن لديه على الأقل ابنة واحدة من فضل الله يدخل بحسن تربيته لها الجنة.

الأنثى التي جعلها سيدنا محمد أم أبيها، فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وكانت له أحب البنات وعوضه الله بها وذريتها عن البنين، وكان يقول هي مني وأنا منها أحب ما تحب وأكره ما تكره، وبشرها بأنها أول أهله لحوقا به الى الجنة حتى يطيب خاطرها المكلوم بوفاته صلى الله عليه وسلم، هي ذاتها الأنثى التي نكسر خاطرها اليوم ونعتبرها من سقط المتاع فلا ننفق عليها في التعليم بدعوى أن مصيرها الى الزواج والمطبخ والبيت فماذا ستفعل بالشهادات؟! ونحرمها من الميراث، مع أن السنة قضت في التقسيم أن نفضلها في العطية، بدعوى ألا تذهب أموالنا الى الغريب زوجها، ونعاملها كالخادمة في البيت لإخوانها الذكور لأن شغل البيت مسؤولية النساء فقط!

الأنثى التي أكرمها الاسلام ونبي الاسلام هي ذاتها التي جاء عنها في الأثر ‘من فرح أنثى كان كمن بكى من خشية الله’، ورجال اليوم يتسابقون أيهم يستطيع فرض عضلاته أكثر عليها!

نقل أحد الكتاب قصة حقيقية بعنوان ‘أبو البنات ينام متعشي’ عن صديقين كان أحدهما لم ينجب الا ذكورا والثاني لم ينجب الا إناثا، وأبو البنين كان يتفاخر أمام أبي البنات ويلمزه، فلما كبر الاثنان في العمر التقيا بعد فراق وكان أبو البنين في حالة يرثى لها، بينما أبو البنات لا تظهر عليه معالم السن، فلما تحادثا أخبر ابو البنين أن أولاده تزوجوا وبقي وحيدا مع زوجته التي كبرت في العمر ولم تعد تستطيع القيام بأمور المنزل، وسأل أبو البنين أبا البنات عن سبب طيب حاله فأخبره أن بناته يتناوبن على خدمته وأمهن ورعايتهما من الألف الى الياء على مدار الأسبوع وقال له ‘أرأيت أبو البنات ينام متعشي’ أبو البنات لا ‘ينام متعشي فقط’ إنه إذا أحسن التربية ينام ويقوم قرير العين دافئ القلب مطمئن النفس، فالحب والحنان صنيعة المرأة، وبيت بلا إناث كجنة خاوية على عروشها لقد فهم الصحابة والصالحون أفضلية الإناث فحرصوا على إنجابهن فهل لدى رجال زماننا هذا ذات الحصافة والكياسة والحرص على إنجاب الإناث واعتبار أن الذرية التي تخلو من الإناث ذرية بتراء حقا؟

إنهن المؤنسات الغاليات لو كانوا يعلمون!

د.

ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية