اللهم قلل من زعامتنا وأحزابنا وجمعياتنا

حجم الخط
0

لكل شجار سواء كان نسوّيا أو ذكوريا له قاموسه اللغوي والحانه الخاصة به، فلكل جنس ‘تشاقيعه التي تفش خلقه’ وجميعنا نتعلم هذا الفن اللغوي اما من الشارع أو المدرسة او البيت، ولا ننكر أن لغة الضاد غنية بهذه التعابير ولا تنافسها أية لغة في العالم. أكثر ما كان يدهشني ويحيرني من هذه الشتائم ما كنت أسمعه وأنا في سن الطفولة من احدى النساء وهي تقول لغريمتها (الله يكثر من زعماء عيلتكم)، كنت أستغرب هذا الدعاء غير الساخن كيف يثير حفيظة الطرف الاخر.

أدركت فيما بعد معنى هذا الدعاء وعرفت أن كثرة القادة والزعماء ومن يدعونها يمزق المبنى الاجتماعي لأي مجتمع، لأن تكدس هذه الأعداد يضاعف عدد الأحزاب والحركات والجمعيات والطوائف المختلفة، وهذا من شأنه ان يحول دون اللحمة ورص الصفوف والتعاون، وهل يوجد شعب في العالم بحاجة الى مثل هذا التكاتف أكثر من الشعب الفلسطيني في كل مكان يوجد به.

لا نريد أن نذهب بعيداً كي نقرأ الخرائط والبيانات بأسماء الزعامات والأطر المختلفة التابعة لها، ففي غالبية الدول العربية الأطر والتجمعات القبلية والطائفية هي البديل للأحزاب العلمانية، خاصةً بسبب غياب الديمقراطية، أما هنا بين ظهراني عرب 48 فحدث ولا حرج عن عدد ألوان الطيف الطائفي والقبلي والحزبي والحركي والجمعيات المختلفة.

ان عدد العرب الفلسطينيين في اسرائيل لا ينسجم ولا يتحمل عدد الأحزاب والحركات والجمعيات التي اقيمت في الثلاثة عقود الأخيرة، لقد أصبحنا مثقلين بها لأنها تفوق قدراتنا وطاقاتنا، نتعثر باحداها اينما نسير.

يقدر عدد هذه الجمعيات بمئتي جمعية وأكثر، اسماؤها متشابهة ومتداخلة وأهدافها غير مختلفة حتى أنه أصبح من الصعب على المواطن العادي التمييز بينها، تأسس معظمها في الفترة الواقعة ما بين 1980 ــ 1990 في فترة الاحتدام السياسي بين الحركات والأحزاب السياسية العربية، كل حركة أو حزب لا يتأخر عن ربط أكبر عدد من هذه الجمعيات وراءه، من هذه الجمعيات ما هو طائفي يغلب عليه طابع السرية والعزلة والعمل الانفرادي، غالبيته يعتمد على الدعم المادي الخارجي، ومن هذه الجمعيات ما يكون الوعاء الذي تستمد منه هذه الأحزاب والحركات الأموال لتمويل نشاطها الدعائي والاعلامي، كما تستغل هذه الأموال لاستقطاب الأنصار والمؤيدين في الانتخابات البلدية والبرلمانية.

الغريب انه لا يوجد تنسيق بين غالبية هذه الجمعيات وهذا يمنع استثمار قدراتها لخدمة الجماهير العربية، أين هو الدور الذي قامت به لدعم شبابنا وحمايتهم ومنع العنف بينهم، هناك ثغرة واسعة بينها وبين المواطنين، مع ذلك فانها أي الجمعيات تسمح لنفسها بالتحدث باسم هؤلاء المواطنين في الخارج للحصول على الأموال ليس إلا.

في السنوات الأخيرة اثيرت الشبهات حول العديد من الأشخاص الذين استغلوا مدخول هذه الجمعيات لمصالحهم الخاصة، لماذا لا يتم التنسيق بينها؟ ولماذا لا تندمج الجمعيات ذات الهدف الواحد مع بعضها البعض كي تكون قوة مؤثرة قادرة على النهوض ورفع مداميك البناء الذاتي للعرب في اسرائيل.

اذا تناولت الجمعيات التي أقيمت من أجل دعم طلاب الجامعات ودفع عجلة التعليم والتحصيل العلمي والمدرسي في المعاهد العربية المختلفة في كافة المراحل نجد أن الغيورين على مصلحة التعليم لم يكتف بلجنة متابعة قضايا التعليم العربي في اسرائيل، رغم أن هذه اللجنة هي السقف الشرعي والمهني والأخلاقي والمعنوي القادر على تغطية جزءاً من متطلبات الجماهير العربية، فهي منبثقة عن لجنة المتابعة القطرية توأم اللجنة القطرية للسلطات المحلية، هاتان اللجنتان بمثابة حكومة داخلية تمثل قضايا المواطنين العرب القطرية، رغم تقصيرها في قضايا كثيرة، لكن بسبب الافراط في التعددية وبسبب دوافع ضيقة أقيمت جمعيات خاصة بهذا المجال معظمها ليست أكثر من اسماء انشائية براقة فوقية في تعاملها، تفرض على قضاياها المالية تعتيماً تفضل أن تبقى دائماً في الظل. فعالياتها موسمية دعائية أكثر منها جماهيرية، لا تترك بصمات داخل مجتمعنا، الطلاب العرب يجهلون وجود معظمها وهناك شبه عزلة تامة بينهم وبينها.

من هذه الجمعيات ما هو ‘طائفي’ ومنها ما هو حزبي وأخرى مستقلة، سلوكها الطائفي يزيد ويرسخ ويغذي الانقسامات الطائفية في البلاد، أما الحزبي منها فيزرع الضغينة بين المقربين منها والفئات الأخرى، أما المستقلة منها فلها خصوصيتها لا تعيش ولا تخدم إلا ذاتها، تفضل البقاء بمعزل عن الاخرين.

نأخذ من هذه الجمعيات جمعية اقرأ التي أقيمت بهدف دعم التعليم في الوسط العربي، خاصةً طلاب الجامعات، هل تتعاون هذه الجمعية مع لجنة متابعة قضايا التعليم العربي؟ وهل هي على استعداد لتقديم الدعم لطلاب من خارج الحركة الاسلامية؟ كذلك الأمر بالنسبة لجمعيات الرازي التي تستغل المساجد لنشاطها وهذا بدوره حول هذه المساجد مع انها ملك للجميع، حولها الى مراكز قوى للحركات الاصوليةالمختلفة.

أما جمعية الثقافة العربية، فثقافتها وعروبتها مبتورة لأنها محصورة في الجليل فقط، فالمثلث والنقب لم يذوقوا طعم ثقافتها وعروبتها حتى اليوم، كما أن طابعها الحزبي أكثر منه ثقافيا، وهذا يكبلها أكثر، هناك جمعيات أخرى تحمل الهدف ذاته وهو دعم التعليم العربي، اين هذه الجمعيات من حالة التدني والتدهور وانخفاض منسوب مستوى هذا التعليم؟

من هذه الجمعيات أيضاً نذكر جمعية بلدنا، المجلس الاسلامي الأعلى، جمعية ابن خلدون، جمعية الجليل للأبحاث، المركز العربي للدراسات (مدى)، جمعية الاتحاد القطري للطلاب العرب، المجلس التربوي الذي اقيم حديثاً، معذرةً للجمعيات التي لم يذكر اسمها.

لم يسلم المجمع اللغوي الذي أقيم قبل عدة سنوات هو الاخر من ادران الخلافات والانقسامات فانقسم الى مجمعين للغة العربية، احدهما يوجد في كلية القاسمي والثاني في مدينة حيفا، ان وجود مجمعين للغة واحدة يمثلان شريحة سكانية لا تتعدى المليون مواطن هو العار بحد ذاته.

هل يوجد في سورية أو مصر منبعي لغة الضاد أكثر من مجمع واحد في كل منهما؟ يجب على المثقفين العرب مجافاة هذين المجمعين لعل القائمين عليهما يدركون أن ما يقومون به لا يخدم اللغة العربية ولا الناطقين بها. تميم منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية