اللواء والوزير والغواصات

حجم الخط
0

رؤوبين بدهتسور

اليكم مفارقة منطقية. عشية حرب الخليج الاولى في 1990 استقر رأي هيئة الاركان العامة في الجيش الاسرائيلي على الغاء مشروع غواصات سلاح البحرية. وقاد القرار نائب رئيس هيئة الاركان، اللواء اهود باراك. ووزير الدفاع اهود باراك اليوم هو الذي سيوقع في المانيا على صفقة شراء غواصة سادسة لسلاح البحرية. ومن حسن الحظ ان استقر رأي حكومة المانيا التي أصبح ضمير وزرائها يؤنبهم بعد ان تبين في أعقاب تلك الحرب ان شركات المانية ساعدت العراق على تطوير سلاح كيماوي على منح اسرائيل غواصتين من الطراز الذي ألغت هيئة القيادة العامة تطويره. وأُضيفت اليهما منذ ذلك الحين ثلاث غواصات اخرى وسيتم اليوم التوقيع على الاتفاق على السادسة.

ان الغواصات الست من طراز ‘دولفين’، هي الرد الاسرائيلي على تسلح طهران بسلاح ذري، لا الهجوم الذي لا أساس له. ان مهاجمة الأهداف الذرية في ايران ستؤخر في أحسن الحالات انتاج القنبلة الذرية أشهرا غير كثيرة، لكنها لن تمنع الايرانيين من الاستمرار في السعي الى التسلح بسلاح ذري. وعلى مقرري السياسة في اسرائيل ان يفترضوا، باعتبار هذا نقطة انطلاق للتخطيط في المستقبل، ان تملك ايران في نهاية الامر قنابل ذرية، وفي هذه الحال فان الطريقة الوحيدة لمنع ايران الذرية المعادية من استعمال سلاحها الذري هي الردع. فاذا أصبح واضحا فقط لحكام ايران ان محاولة اطلاق سلاح ذري على اسرائيل سيُرد عليها برشقة صواريخ ذرية اسرائيلية نتيجتها تخريب مدن ايران المركزية، فلن يخطر ببالهم حتى فعل ذلك. لأنه لا توجد أية مصلحة قومية ايرانية تسوغ الدمار الذي سيُجلب عليها من اجل القضاء على بضع مئات الآلاف من سكان الكيان الصهيوني فقط. وبخلاف ما يحاولون بثه إلينا من القدس فان القيادة التي مقرها طهران عقلانية ولا تميل الى انتحار قومي.

وهذا هو السياق الذي ينبغي ان نفهم في اطاره أهمية التسلح بغواصات ‘دولفين’. فلانشاء ردع صادق لا يكفي ان تُبين اسرائيل لايران أنها تملك قدرة ذرية كما تنشر المصادر الاجنبية في احيان متقاربة، بل عليها ايضا ان تشير الى قدرتها على الضربة الثانية. أي يجب ان يعرف الايرانيون أنهم حتى لو نجحوا في الهجوم بضربة ذرية مفاجئة فسيظل لدى اسرائيل سلاح ذري يكفي لاحداث ضرر لا يحتمل لايران. وكما تبين في فترة الحرب الباردة فان الوسيلة الأنجع والأصدق لبلورة القدرة على الضربة الثانية هي الغواصات المسلحة بصواريخ ذرية لأنه يصعب تحديد مواقعها وأصعب من ذلك ايضا اصابتها.

تعرف المصادر الاجنبية ان تقول ان غواصات ‘دولفين’ لسلاح البحرية مسلحة في الحقيقة بصواريخ بحرية ذرية مداها 1500 كم. وتكشف تلك المصادر ايضا عن أنه تم تركيب في كل غواصة اربعة أنابيب اطلاق قطرها 650 ملم تلائم اطلاق صواريخ بحرية ذرية من طراز ‘بوباي’ تُنتج في اسرائيل. ولا شك في ان سلاح البحرية المسلح بالغواصات الست (وقد صارت ثلاث في يده وستصل الرابعة في السنة التالية والخامسة في 2014، وتنضم السادسة بعد اربع سنين) سيراه أعداء اسرائيل يمثل قدرة صادقة لا مثيل لها على الضربة الثانية.

اليوم، مع توقيع وزير الدفاع على شراء الغواصة السادسة لم يبق سوى ان نتساءل عن نوع التفكير الاستراتيجي للواء باراك الذي استعمل في ذلك الوقت كامل وزنه لالغاء خطة التسلح بالغواصات، وكانت اسرائيل ستفقد بذلك عنصرا حيويا في قدرتها على ردع تهديدات ذرية في المستقبل. فيجب ان نأمل ان يكون سفر الوزير باراك الى المانيا شاهدا بأنه يفهم الآن ما لم يفهمه حينما كان نائب رئيس هيئة الاركان.

هآرتس 21/3/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية