اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة: يد الشريك الأصغر أعلي من الأكبر؟
د. أسعد عبد الرحمن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة: يد الشريك الأصغر أعلي من الأكبر؟ في شأن الصراع العربي/الصهيوني، معلوم أن المواضيع الأساسية التي تخضع لكثير من النقاش، بل الجدل الساخن، عديدة. وبعض هذه المواضيع طال النقاش/الجدل حولها بحيث بدت وكأنها إما قتلت بحثا أو بات بحثها أمرا عقيما!! وفي صدر هذه المواضيع، مسألة اللوبي الصهيوني/الإسرائيلي في الولايات المتحدة . وحقا، فإن المفكرين والباحثين والسياسيين، إضافة إلي قطاع عريض من الجمهور، أدلوا بدلائهم علي امتداد السنوات الماضية دون التوصل إلي جواب شاف بخصوص تلك المسألة. وفي هذا السياق، توزعت الخلاصات في تيارات فكرية/سياسية ثلاث: أولها، يقول بأن دور ذلك اللوبي تعرض لكثير من التهويل بحيث وضع في موضع متقدم علي دور الإدارات الأمريكية المتعاقبة وكأن اللوبي هو الكلب والإدارات الأمريكية الحاكمة هي بمثابة الذنب . وثانيها، يقول بأن دور ذلك اللوبي تعرض لكثير من التهوين بحيث جري وضعه وتهميشه (بمثابة الذنب من الكلب) مقارنة بدور الإدارات الأمريكية! وثالثها، طرح موزع ـعلي درجات ـ علي امتداد بندول المواقف والتحليلات بين هذين الطرحين النقيضين. وإزاء ذلك، يبرز التساؤل المزدوج: ما مناسبة هذا الحديث الآن؟ وأين تكمن الحقيقة أو علي الأقل: الحقيــــقة كما يراها كاتب هذه السطور؟.أما عن لماذا العودة الآن، لمسألة اللوبي الصهيوني/ الإسرائيلي، فلأن الجواب يكمن في دخول هذا الموضوع عين العاصفة قبل أقل من شهرين! ففي آذار/مارس المنصرم، عصفت بالمسرح الفكري/السياسي تسونامي أو كاترينا (!) وذلك بعد أن نشر أكاديميان أمريكيان بارزان دراستهما الموسومة: اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة . وهذان البروفسوران هما: جون ميرشايمر، ستيفان والت. أما الأول فهو أستاذ معروف في دائرة العلوم السياسية المعروفة أيضا والتي هي جزء من جامعة شيكاغو الشهيرة! وكذلك الحال مع الباحث الثاني الأستاذ في كلية كنيدي للدراسات الحكومية الشهيرة في جامعة هارفرد العتيدة. وما كانت هذه العاصفة لتثور لولا الصفة المتميزة للباحثين، ولمؤسستيهما العلميتين. فمثل هذه الدراسة (بنصّها الحرفي) لو صدرت عن باحثين مغمورين يعملان في مواقع مغمورة لما كان هنالك زوبعة أو عاصفة! ومن ناحية ثانية، لو كانت الدراسة مطاطية اللغة والمضمون لكانت مرت … بسلام! غير أن اللغة الواضحة للدراسة أسهمت في تسمية المضامين بأسمائها، فأثارت ما أثارته من غبار لم يهدأ بعد. ومن ناحية ثالثة، كان لردود الفعل العصبية حينا (حتي الجنون) والتحتانية أحيانا (حتي حدود المعاقبة والتآمر علي الباحثين) والمحايدة علي نحو تنصلي فادح (حتي حدود التخلي عن الباحثين من قبل قيادتي الجامعتين) هذه الوقائع كلها أدخلت الموضوع إدخالا مباشرا في عين العاصفة التي تبدو الآن وكأنها هدأت، لكنني أظن أنه مثلما كان للدراسة ما قبلها، فإن ما سيكون بعدها سيتراكم ويتفاعل ويسفر عن حالة جديدة ستترك بصماتها علي جسد هذا الموضوع الحيوي ليس بحثيا/فكريا فحسب، وإنما سياسيا أيضا.وإذ تتراكم ردود الفعل المكتوبة علي شكل أبحاث ودراسات جديدة إما في معرض التعليق، أو التنديد، أو التأييد، مع مضامين دراسة ميرشايمر/والت، فإن أفضل ما طالعته شخصيا ورد في مقالة بليغة/موجزة للكاتب المخضرم، والمؤلف الموسوعي، البروفسور نعوم تشومسكي. وهذا الأخير له باع طويل في العديد من قضايا الشرق الأوسط، وكذلك في كل ما يتصل ببنية الأوضاع الداخلية الأمريكية وسياستها الخارجية. وإذ يبدأ كاتبنا بالشكل (وهو أمر هام بحد ذاته) فإنه يلاحظ أن الباحثين ميرشايمر/والت قد نشرا دراستهما في مجلة (London Review of Books) وليس في أي من المجلات الأمريكية البارزة الشبيهة. وهنا، يسجل تشومسكي بأن المجلة البريطانية المذكورة هي مجال رحب (أكثر رحابة من المجلات الأمريكية) للنقاشات الحرة . بل هو يربط بين مكان النشر وقوي العزل والشطب والرقابة المتجسدة في سطوة اللوبي الإسرائيلي موضع البحث. ولقد مضي يقتبس عن أحد الكاتبين (ميرشايمر) شكواه لمجلة (The Jewish Journal Forward) من أن دراسته (مع والت) قد رفض نشرها من قبل الجهة التي استكتبتهما، بحيث تعذر عليهما نشرها في أي من المجلات الأمريكية العلمية. بل أن تشومسكي أشار إلي ردود الفعل الهستيرية التي صدرت ـ كما هو معتاد ـ عن داعمي عنف الدولة الذين عمدوا إلي تسخيف كاتبي الدراسة طالما أنهما لم ينضبطا وفق إيقاع وطلبات تلك القوة ! ثم يمضي تشومسكي ممتدحا شجاعة الكاتبين وقيمة دراستهما متوقعا أنها ستثير ضدهما ما هو متوقع أي الكثير من الأكاذيب والشجب والخداع والفبركة والتشهير!! ومع ذلك، لا يتباطأ تشومسكي في إعلان اختلافه مع الباحثين حين يقول أن أطروحتهما لم تكن، بالنسبة إليه، مقنعة كثيرا ! فلماذا؟بين قائل بأهمية وغلبة عامل قوة اللوبي الإسرائيلي، وقائل بأهمية وغلبة عامل المصالح الاستراتيجية الاقتصادية لمجمعات القوة المحلية في التعاضد المحكم (القائم) بين الدول والشركات (الكبري) في (الولايات المتحدة) يقف تشومسكي ـعلي عكس الباحثين ـ مع العامل الثاني دون أي إنكار لأهمية عامل قوة اللوبي! وفي هذا النطاق، يرفض تشومسكي أطروحة الباحثين القائلة بأن السياسة الأمريكية خسرت بفضل مسايرتها أو خضوعها للوبي الإسرائيلي، بل هو يشرح كيف انتصرت لأنها جاءت حصيلة العامل الثاني المنفصل عن العامل الأول أعلاه. فالشركات الكبري، وبخاصة النفطية، فازت بالعوائد وكذلك الدولة الأمريكية التي أطاحت بالدول القومية المستقلة في الشرق الأوسط (وخارجه). وكل ذلك قد تم بمعزل عن مساعدة اللوبي الإسرائيلي باستثناء حالات تناغم محددة وقعت في فترات محددة. بل أنه يسرد وقائع عن الكيفية التي تعارضت فيها مصالح الطرفين مما أدي إلي موقف أمريكي رادع بل مذل لإسرائيل (في موضوع الصين وتسليحها إسرائيليا) في العامين (2000) و (2005) في عهدين أمريكيين مختلفين: عهد الرئيس بيل كلنتون، وعهد الرئيس جورج بوش الثاني!أما كاتب هذه السطور فينحاز، من حيث الجوهر، إلي أطروحة تشومسكي الأساسية. ومع ذلك، يري أن ثمة أوقاتا ـ مثل الزمن الراهن ـ تصبح فيه يد الشريك الأصغر (في حالة مثل حالتنا مع إسرائيل والصهيونية وتحالفهما مع الصهيونية المتمسيحة ولا نقول المسيحية) أعلي من يد الشريك الأكبر أي الإدارة الأمريكية بكل ما تمثله من تحالفات. غير أن هذا الواقع المختلف هو واقع مؤقت سرعان ما يتعدل بغلبة إرادة الشريك الأكبر. وفي ظني أنه لن يمضي وقت طويل حتي تضيق الولايات المتحدة بهذا الوضع المؤقت ونتائجه فتعود إلي فرض إرادتها الأعلي خدمة لمصالحها لكن بتفهم واسع للمصالح الإسرائيلية، وطبعا وقطعا، دون أن يؤدي التعارض بينهما إلي كسر المصالح الإسرائيلية جوهريا ناهيك عن وقوفها ـ والعياذ بالله (!!!) ـ لصالح النظام الرسمي العربي و/أو النظام الرسمي المسلم!!!كاتب من فلسطين8