ايهاب عبد ربه عام 1095 وقف البابا أوريانوس في كليرمونت وخطب خطبة الجهاد المقدس الشهيرة، التي يدعو بها الى الزحف نحو الشرق لتحريره من نير(الاحتلال المسلم)، وبعد ان تفرغ لحاشيته قال (أصبح عدد السكان كبيرا والموارد قليلة سنجعل من السراق والأفاقين فرسانا ونرسلهم الى أرض اللبن والعسل).ليلة الخامس من تموز من العام 1099 ميلادي، انهار السور الشمالي لمدينة القدس، وانهارت حاميتها المكونة من الف شخص والتي صمدت لشهرين في وجه الصليبيين، وانتشى الأمراء العرب الذين لم يكتفوا بالصمت على الغزو الفرنجي بل تحالفوا معه وكان ابرزهم أمير الساحل السوري الفضل الجنابي والأمير التنوخي حاكم بيروت الذي قدم الطعام والشراب والمؤن للصليبيين وانهار بذلك رباط مقدس بين الشرق بمسلميه ومسيحييه وبين القدس.أربعون ألفا من الرعاع الأوربيين يقتحمون القدس، أسبوعا كامل من القتل والذبح والتهجير والاغتصاب والسبي أكاد أسمع هنا عويل طفل صغير وهو يشاهد أمه تستباح امامه ثم تذبح، الفرق اليهودية ضمن الحملة يصلون (شكرا لربهم) على دخول القدس، والرعاع يستبيحون المدينة وعندما وصل الوفد من وجهاء ومشايخ القدس عند الخليفة المستظهر بالله العباسي طلبا للنجدة (ضرب الأخماس بأسداس) وشكل لجنة تحقيق.دب الذعر العالم العربي كله من هول ما حدث، سقطت الهمم وتبعثر الرجال والنساء في الأمصار، دخل الأجلاف الى كنيسة المهد والمسجد الأقصى وداسوا كرامة الشرق كله، دعى حكام مصر الفاطميين الصليبيين الى انشاء (منطقة عازلة) في فلسطين بينهم وبين السلاجقة (السنة) ونظر السلاطين السلاجقة الى الموضوع كأنه لا يعنيهم وكيف يعنيهم وكل واحد منهم غريب مرتزق لا يعرف عن هذه الأرض الا اقطاعيته وما أعطته من ذهب، كان هذا التخاذل كفيلا بإنشاء أربعة ممالك لأسر فرنجية في كل من أنطاكيا والرها والقدس وجبيل.ليلة العاشر من شباط 1258 ميلادية انهارت أسوار بغداد أمام هولاكو المغولي، مليوني شهيد قذف محتويات مكتبة بغداد العظيمة في نهر دجلة، حرق المدينة وسبي نسائها وقتل رجالها ثم قتل الخليفة المستعصم بالله واسقاط الخلافة العباسية.أعدت اليوم قراءة هاتين الليلتين وما بينهما من أحداث بتمعن كبير وقررت أن أنقل للسادة القراء هاتين الليلتين المعتمتين من تاريخنا الطويل ثم وعلى اعتبار أننا نحن العرب لدينا قادة يحترمون الليالي الحمراء أكثر من السوداء أكملت قراءتي فكان هذا ……ليلة السابع من حزيران 1967 دخل اليهود الى القدس من مرتزقة الهاجنا وغيرها من العصابات اليهودية المجرمة، طرد العرب الفلسطينيين من ديارهم ذُبح من ذُبح وهُجر من هُجر وترافق ذلك مع هزيمة مريعة لكل الدول العربية بلا استثناء وللضمير العربي المطلق.ليلة التاسع من نيسان 2003 دخل التحالف الدولي الى بغداد بقيادة الرعاع (الكاو بوي الأمريكان) فعاثوا في الأرض فسادا وذبحوا وشردوا الآلاف، دخلوا المتحف كما دخل هولاكو الى مكتبة بغداد ودخل اليهود الى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، يذبحون أهل القدس ويرقصون أمام حائط المبكى كما فعلوا أول مرة.والأمراء في الليالي الأربعة متفرغين للياليهم الحمراء متآمرين مشتركين في الليالي السوداء.بعد الليلة الأولى ظهر عماد الدين زنكي نور الدين الشهيد والناصر صلاح الدين وبعد الثانية ظهر المظفر قطز والظاهر بيبرس وكأن الغروب في تلك الليلتين ما هو الا مقدمة لشروق عظيم في حطين أولا ثم في عين جالوت ثانيا، ألم يكن اسقاط الأمراء المتآمرين مع الفرنجة والمغول أولوية لدى أمراء التحرير قبل أن يتم مواجهة الأعداء؟ ومالي الآن وأنا أستذكر الليالي الأربعة وأقيس أمراء اليوم على أمراء الأمس، فيتقاطعون بذلهم وعارهم وطغيانهم وظلمهم واستبدادهم، ثم يقدر الله أن ينشأ جيلا جديدا بعد هزات الربيع العربي، ألم تكن هذه الثورات مقدمة لتهاوي أنظمة الفساد المافيوي، والطغيان الطائفي، والانبطاح للعدو شر انبطاح ألم يبع هؤلاء (الزعماء) الغالي والنفيس وكانوا مرتعا آمنا لهؤلاء الجلاف في فلسطين والعراق؟ وفي كل شبر من عالمنا العربي، هؤلاء الأمراء الذين قسموا العالم العربي الى فقير معدم وغني متخم، يشتركان بنفس المرض (الجهل) وانعدام الثقافة وضياع الهوية.لقد أمَّنت وسائل الاتصال الحديثة تواصلا بين الشباب العربي استطاعوا من خلاله أن يطرحوا على أنفسهم سؤالا صغيرا وهو…. لماذا؟ هذا السؤال أوصل مئات الاف الشباب الى النزول الى الشوارع والمطالبة بالتخلص من الذل القومي الوطني الديني اللامتناهي الذي خلفتاه تلك الليلتان السوداوتان من تاريخنا المعاصر ولماذا دول مثل البرازيل والهند وماليزيا وتركيا وايران استطاعت أن تذلل كل العقبات في وجه التنمية الا نحن وكان الجواب لدى هؤلاء الشباب أن السبب الرئيسي هو …… الطغيان.هذه الأسئلة التي أنتجت البوعزيزي في تونس وخالد سليم في مصر وغياث مطر في سورية وتوكل كرمان في اليمن عوضا عن ما يحدث في البحرين، إن الليالي السوداء مهدت اليوم الى هذه الثورات العظيمة التي بدأت تنتج جيلا قائدا عظيما سيقود الأمة نحو الارتقاء والرفعة والعزة والنصر بإذن الله، إن الأنظمة العربية التي أسست لمعادلات (استقرار) لن يهنأ بها عدو بعد الآن إن الربيع العربي هو خشبة الخلاص لشرق مزقته مدية الجهل وحربة التخلف، إن ما نشهده من تضارب في بعض الأقطار العربية وفوضى في أخرى ما هو الا مخاض طبيعي لمرحلة انتقال حقيقية بين شرق مظلم مهزوم، وشرق متنور عظيم.’ محام سوري