تتسارع الخطى في ليبيا، من أطراف داخلية وخارجية، تمهيدا لعقد “المؤتمر الوطني الجامع” المُقرر ليوم 28 نيسان/ابريل المقبل بمدينة سرت (وسط الشمال). وأهدر الليبيون فرصة أولى لعقد مؤتمر وطني جامع، كان مقررا يومي 10 و11 نيسان/ابريل عام 2019 بمدينة غدامس، بمشاركة ألف شخصية من جميع الاتجاهات. غير أن الجنرال المتقاعد خليفة حفتر استبق المؤتمر بهجوم عسكري واسع النطاق، على العاصمة طرابلس، في الرابع من الشهر نفسه، لم تنجُ منه إلا بعد تدخل عسكري تركي، بواسطة مُسيرات كرست التفوق الجوي لقوات الحكومة المعترف بها دوليا، ومُجبرة القوات المُهاجمة على التراجع، إلى ما وراء خط سرت.
أخذ الليبيون درسا من تلك الفرصة الضائعة، فلم يُعدُوا هذه المرة 22 ورقة في جميع المجالات، مثلما فعلوا في المحاولة الأولى. كما سيكون عدد المشاركين في “المؤتمر الجامع” أقل بكثير من الألف شخصية، الذين كانوا سيُشاركون في مؤتمر غدامس.
والأهم من ذلك أن عواصم دولية وإقليمية دخلت على خط الأزمة لإطلاق “مبادرات” جديدة، إثر رفض بعض الفرقاء الليبيين خطة الموفد الأممي عبد الله باثيلي، المتمثلة بالسعي إلى عقد مائدة خماسية تضم كلا من عبد الحميد الدبيبة وعقيلة صالح ومحمد تكالة وخليفة حفتر ومحمد المنفي.
هذه “المبادرة” الفرنسية، أبلغها إلى القيادات الليبية الموفد الفرنسي الخاص إلى ليبيا بول سولير والسفير لدى طرابلس مصطفى مهراج. ولم يُكشف النقاب عن تفاصيل هذه “المبادرة” التي ستُعبدُ الطريق لعقد مؤتمر المصالحة الوطنية في مدينة سرت. لكن من المفيد التذكير هنا بأن مراهنة فرنسا كبيرة على المشاركة في تسوية الصراع الليبي.
وقدم ماكرون كل أنواع الدعم، في السر والعلن، للواء المتقاعد خليفة حفتر. وأثار وجود 180 خبيرا ومدربا عسكريا فرنسيا في قاعدة بنينة الجوية، القريبة من بنغازي، والتي يسيطر عليها حفتر، رفضا غير خاف بين الليبيين. وأماطت حادثة سقوط مروحية تابعة لحفتر، اللثام عن حجم الوجود العسكري الفرنسي في شرق ليبيا، بعد ما قُتل ثلاثة مستشارين عسكريين فرنسيين كانوا على متنها.
وعلى إثر قصف قاعدة براك الشاطئ، من قبل خصوم حفتر على الأرجح، في عملية قُتل فيها عشرات من عناصر جيش الجنرال، بكل وحشية، تعالت الأصوات المطالبة بالثأر للقتلى. ومن المفارقات أن الرئيس ماكرون اختار أن يطرح مبادرته، التي لم يُعرف مضمونها بالتفصيل، بينما هو يجمع قواته لمغادرة غرب أفريقيا نهائيا. في هذا السياق دعا ماكرون كلا من عقيلة وتكالة إلى باريس في نهاية الشهر الجاري، ليعرض عليهما الخطة الفرنسية الجديدة بشأن ليبيا، والتي ترمي إلى إنهاء المراحل الانتقالية.
ولم يُعرف ما إذا كان ماكرون يعتزم استئناف المسار، الذي توقف بعد إخفاق الأمم المتحدة، في تنظيم الانتخابات الرئاسية والنيابية، التي كانت مُقررة كانون الأول/ديسمبر 2021 أم أن الدبلوماسيين يحملان أفكارا جديدة؟ كما يجوز التساؤل أيضا عن دوافع توجيه الدعوة إلى كل من عقيلة وتكالة، وتغييب الدبيبة وحفتر، اللذين لا يمكن بناء سلام من دون إشراكهما في العملية السياسية، بصيغة أو بأخرى، إذ هناك تعهدات والتزامات يُفترض أن تصدر عن هكذا اجتماع.
ثلاثون شخصية
وحسب بوابة “الوسط” الليبية، نقلا عن مصادر استخباراتية فرنسية، زارت باريس منذ مطلع الشهر الجاري، ثلاثون شخصية سياسية وحقوقية وحزبية ليبية، تلبية لدعوة من الحكومة الفرنسية، من بينهم وزراء في حكومات ما بعد الثورة، ورؤساء أحزاب، لإجراء حوارات تمهيدية حول سُبُل إنهاء المراحل الانتقالية. كما من المقرر أيضا، بعد استكمال هذه المرحلة الأولى من المناقشات، إجراءُ مشاورات لإشراك ممثلي القطاع الاقتصادي ثم ممثلي المجتمع المدني في المشاورات، التي ترمي إلى البحث عن نقاط توافق. وفي هذا الإطار أفادت مصادر ليبية أن عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، استقبل المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى ليبيا سولير، وتسلم منه رسالة أكد فيها ماكرون استمرار الاهتمام الفرنسي بتحقيق المصالحة المأمولة في ليبيا، ومعالجة الأعطال التي تعرقل الوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة.
وأكد ماكرون في الرسالة، استمرار فرنسا في الاهتمام بالملف الليبي، ومعالجة الانسداد السياسي، وتحقيق الاستقرار، بُغية الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. هذه المحاولة للتقريب بين الفرقاء، التي تراهن عليها فرنسا، تأتي في أعقاب المحاولة الفاشلة لجمع الدبيبة وعقيلة وتكالة وحفتر والمنفي حول الطاولة الخماسية، التي دعا لها الممثل الخاص للأمين العام رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبد الله باثيلي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
ويبدو أن ميقات زيارة كل من عقيلة وتكالة لباريس، حُددت بأواخر الشهر الجاري. ويتم التمهيد لها حاليا، في تناسق مع الدورين الأمريكي والمصري، اللذين يسعيان لإقناع جميع الأطراف بالتفاعل الايجابي مع الخطة الفرنسية الجديدة. وكانت باريس جربت جمع الفرقاء الليبيين حول مائدة واحدة، مرتين، لكن بلا نتيجة. كانت الأولى في قصر الإيليزيه، وضمت عددا من الزعماء الليبيين من اتجاهات مختلفة، فيما اقتصرت الثانية على السراج وحفتر في ضاحية سان كلو الباريسية. ولم تُحقق الهدف المُراد منها أيضا، عدا مصافحة بين الزعيمين الليبيين بدفع من الرئيس الفرنسي.
وتُعزى هذه العودة الفرنسية القوية إلى ليبيا، بعد غياب استمر سنوات، لأسباب اقتصادية وأخرى جيواستراتيجية، في مقدمها خروج الفرنسيين من مستعمراتهم السابقة في القارة الأفريقية، مُكرهين، وتولي مقاليد السلطة في تلك البلدان، طُغم عسكرية انقلابية، لا تُخفي عداءها الشديد لفرنسا، ورفضها الحوار معها. على هذه الخلفية أصبحت ليبيا محط اهتمام خاص من قبل فرنسا، بالنظر إلى أن مصالح باريس الاقتصادية ترتبط بدور مجموعة “توتال” ذات الحضور المهم في ليبيا، وهي في منافسة مفتوحة مع مجموعتي “إيني” الإيطالية و”بريتش بتروليوم” البريطانية.
بيد أن الجميع يشتركون في السعي إلى نيل أكثر ما يمكن لهم من صفقات إعادة الإعمار وتجديد البنى الأساسية، التي ألحقت بها الحروب والصراعات المسلحة أضرارا كبيرة، بما فيها البنية التحتية للقطاعين النفطي والغازي، اللذين تراجع حجم إنتاجهما جراء عمليات الإغلاق المتكررة.
دورٌ محوريٌ
ويتبوأ إقليم فزان، الذي يسعى الفرنسيون إلى تجديد السيطرة عليه، أهمية محورية في صناعة النفط الليبية، ففيه يوجد أكبر حقل نفطي، غرب مدينة الشرارة في صحراء مُرزق. ويوجد في الحوض نفسه حقل الفيل الذي يُؤمن بمفرده ثلث إنتاج ليبيا من النفط ومشتقاته. ولدى اندلاع الحرب الأهلية الثانية (2014-2015) ألهبت الخلافات على توزيع الحصص المُتأتية من إيرادات النفط، مشاعر العداء بين الطوارق والتبو. وتتولى حاليا عناصر من الأقليتين حماية المنشآت النفطية والغازية. وتشكل هذه المهمة وسيلة ضغط قوية على الحكومات المركزية في طرابلس، إذ تُستخدم كورقة في المفاوضات بين الحكومة والأقليات العرقية. وفي مناسبات عدة اتُخذت المنشآت النفطية والغازية رهينة لفرض تلبية المطالب الاجتماعية والسياسية للمجموعتين، والاعتراف بحقوقهما، التي طالما تجاهلها نظام معمر القذافي.
من هنا تحاول فرنسا تدارك خسارة نفوذها في ليبيا، خاصة في إقليم فزان، بعد دخول مجموعة فاغنر الروسية على الخط. لذلك قام المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي، مثلما أسلفنا، بجولة في الأيام الأخيرة، التقى خلالها مختلف الأطياف السياسية والعسكرية الفاعلة في ليبيا.
وتنتشر فاغنر في مواقع استراتيجية شرق وجنوب ليبيا من بينها قواعد عسكرية وحقول نفطية، وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً لنفوذ باريس التاريخي على إقليم فزان.
وما يضاعف من قلق الفرنسيين تلك الاختراقاتُ، التي حدثت في الأيام الأخيرة، وجعلت خصوم الأمس يجنحون إلى المصالحة ومعاودة بناء جسور التفاهم على قاسم مشترك في الملف الليبي. في هذا السياق انفتحت تركيا على مصر، من خلال زيارة الرئيس رجب طيب اردوغان “التاريخية” إلى القاهرة، بعد جفاء طويل، وزيارة وزير خارجيته هاكان فيدان إلى ليبيا. وكان الوزير التركي، المُطلع جيدا على الملف الليبي، بوصفه كان يشغل منصب رئيس الاستخبارات، حاملا رسالة شفوية من اردوغان إلى الزعماء الليبيين الذين اجتمع معهم في طرابلس، مفادها أن حكومة الوحدة برئاسة الدبيبة “هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي يتعامل معها العالم وتركيا”. وهذا يعني أن لا تغيير في الموقف التركي على هذا الصعيد. لكن لوحظ في الوقت نفسه اختراقٌ آخرُ، وإن كان أقل أهمية من الأول، تمثل بالزيارة التي أداها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى الدوحة. ويُراد من قطر وبقية الأطراف المؤثرة في الملف الليبي، المساعدة في حل المشاكل العويصة، وخاصة منها مشكلة المرتزقة. ويُؤمل من المؤتمر الوطني الجامع، على هذا الصعيد، أن يصادق على “الخطة الليبية لخروج القوات الأجنبية والمرتزقة”. وما زال آلاف من هؤلاء المرتزقة الروس، من مجموعة “فاغنر” القريبة من الكرملين والسوريين الموالين لتركيا والتشاديين والسودانيين، يُسيطرون على بعض المناطق التي يتعذر إخراجهم منها بسهولة، لصعوبة التضاريس وطول خطوط التموين والإسناد.
يبقى الدور المرتقب من لجنة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى المعنية بليبيا، والذي يُحذر عبد الله باثيلي من تعطيله، جراء الخلافات بين دول الجوار الليبي، فقد شكا المبعوث الأممي من الخلافات بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب، بشأن رعاية المصالحة الوطنية. ولم يُفلح رئيس اللجنة رفيعة المستوى، رئيس الكونغو دينيس ساسو نغيسو، في التقريب بين موقفي المجلسين من المصالحة، التي يعتبر الرؤساء الأفارقة الأعضاء في اللجنة، أنها يجب أن تجري جنبا إلى جنب مع العملية السياسية، فيما اعتبر الفريق الآخر أن الانقسامات المستمرة بين القادة السياسيين باتت تشكل عقبة إضافية أمام توحيد المؤسسات الليبية. والمؤكد أنها ستخيم على أجواء الاستعدادات لعقد المؤتمر الوطني الجامع.