ديانا كرزون
في طفولتنا كنا إذا تقاتلنا واشتبكنا بالأيدي يلجأ الطرف الأضعف إلى استخدام أسنانه، فينشبها بقوة في لحم الآخر حيثما اتفق فيؤلمه، وهذا قد يتحمّل ويواصل الضغط على عنق أو رأس أو ذراع خصمه رافضاً تركه، إلا أنه غالباً ما يتنازل مضطراً ليخلّص لحمه من بين فكي الخصم وهو يصرخ بألم «ولك يا مشتهي اللّحم».
عبارة «مُشتهي اللحم» كانت تحمل في طياتها بعداً اجتماعياً، فهي تعني فقر من يستخدم أسنانه خلال القتال.
للمفارقة، فإن ما ذكّرني بعبارة «يا مشتهي اللحم» الطفولية، هو صور وفيديو للفنانة ديانا كرزون أمام جمهورها في جرش، في لباس يظهر عادة في الملاهي والنوادي الليلية والحفلات في الفنادق السياحية من فئة خمس نجوم للترفيه الذي لا يخلو من إثارة.
بعد النقاش الذي دار من «فيسبوك» والصحف وحتى البرلمان حول لباسها، شاهدت فيديو مسجلاً لأكثر من ربع ساعة من حفلتها في جرش، تظهر في الأغنية الأولى «هالليلة أردنية»، وقد حاوَلتْ تقليد هيفا وهبة باللباس والحركات، إلا أن اللباس مناقض لروح النصّ، فـ (بوس الواوا أح) منسجمة جداً مع حركات هيفا ومشروعها الفني، بينما هناك تناقض كبير بين هالليلة الأردنية ولباس ديانا ومشروعها الفني.
يبدو لي أن بعض الفنانين متوسطي الموهبة باتوا غير واثقين في قدرة أصواتهم على جذب الجماهير، أو أن ذائقة الجمهور تغيّرت فصار في حاجة إلى إشباع حاسة البصر واستفزاز الغريزة إلى جانب حاسة السمع، علماً أن صوت ديانا كرزون يحمل خامة صوتية جيّدة نلمسها جيداً في أغنية مثل (انساني ما بنساك) ولكنها تبدو فيها صدى لأغنية أو فنانة أخرى، وكما يبدو لم تجد حتى الآن الملحن الذي يوفق بين قدراتها الصوتية ولحن وكلمات أغنية من نوع جديد تضرب بقوة وتثبتها على الساحة الفنية بصورة لا تقبل التأويل، ما سمعته ورأيته كان فيه تقليد لبعض الفنانات، كذلك غنت لسميرة توفيق بمرافقة قرع الطبل، وموالاً للملك الأردني أبو حسين، في تناقض بين مفردات مثل (حامي الدّين) واللباس الذي لا علاقة له بالدين، ثم غنت للعرسان الجدد، زفّة عرسان حضر بعضهم الحفلة.
وكي لا نظلم الفنانة ديانا، فظاهرة العري في الفن العربي والشرقي ليست جديدة، ولكنها كانت تتجلى بوضوح من خلال الرقص الشرقي وليس الغناء، فقد انتشر هز البطن كفن منذ عقود طويلة في مصر، أسست بديعة مصابني -وهي سورية الأصل- مدرسة له في القاهرة منذ 1930، اشتركت فيها سامية جمال وتحية كاريوكا وغيرهما، ثم جاءت نجوى فؤاد وسهير زكي وزيزي مصطفى وصافيناز ولوسي ثم فيفي عبده وغيرهن، وقد مرت عقود كان من النادر أن يخلو فيلم مصري من الرقص الشرقي، ويبدو أنه مع مرور الزمن اكتسب هذا الرقص بلباسه غير المحتشم وحركاته الإيحائية شرعية شعبية، فهو منتشر شعبياً ورسمياً في مصر، حتى أن هناك قصة عن تولّع هنري كيسنجر في رقص نجوى فؤاد ثم فيها شخصياً خلال زياراته لمصر تهيئة للسلام مع إسرائيل.
من مصر انتقل الرقص الشرقي إلى الأقطار الأخرى،
وتحوّل إلى مهنة واسعة الانتشار انضمت إليها آلاف الفتيات من أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كذلك لاحظنا بعد اتفاقات كامب ديفيد دخول هذا الفن بصورة لافتة إلى الأعراس والحفلات لدى اليهود الشرقيين، حيث صارت له مدارس ومُدرّبات. لو وقفت راقصة شرقية على مسرح جرش بملابس أكثر انكشافاً من ملابس ديانا كرزون لما أثارت ضجة، فقد اعتاد الناس على لباس الراقصة، أما المغنية أو المطربة فهذا أمر مختلف، إلا إذا كانت حالة مثل حالة هيفا وهبة، فالجمهور يتوقع ويعرف أن الأساس هو العرض الجسدي وليس الصوت الغنائي، ولا أحد ينكر نجاح هيفا باستقطاب جمهور كبير، فهل الجمهور العربي متعطش وجائع لهذه العروض البصرية؟
الصور والأفلام والمواقع الإلكترونية والفضائيات توفّر هذه المتع البصرية وأكثر مما عرضته ديانا بكثير، إذن لماذا اشتهاء اللحم وقد بات في متناول الجميع؟
يبدو لي أنه كلما زاد العرض سخاءً ازدادت الشهية وطلب الناس المزيد، ولكن إذا كانت الفنانة تلجأ إلى التعري والإيحاءات الجنسية لإرضاء جمهورها فماذا يفعل الفنانون الرجال المتوسطون أو دون المتوسطين؟
ليس أمام الرجال سوى الإبداع الحقيقي وتقديم ما هو جديد، أو اللجوء إلى غير المألوف سواء الاستعانة بصديقات راقصات أو بالحركات على طريقة مايكل جاكسون مثلاً، أو في كسر الحواجز والتابوهات، وهذا ما فعلته فرقة «مشروع ليلى» اللبنانية، التي طرقت أبواباً جديدة في كلمات أغانيها، مثل العنف ضد المرأة، وإدخال كلمات تعتبر مقدسة إلى أغانيها، ثم رفع راية قوس قزح التي تمثل المثليين الجنسيين، وذلك تضامناً مع مؤسس الفرقة حامد سنّو، الذي اعترف في لقاء تلفزيوني بأنه من مثليي الجنس، إضافة إلى كلمات توحي بالإلحاد وعدم القناعة بالسيد المسيح، والسخرية من السلطة ورموزها كالنشيد الوطني، باعتباره مخدراً للناس، بينما يسرق المسؤولون البلد ويتاجرون بالممنوعات.
عادة ما تحاول السلطة السياسية التوفيق بين المحافظة التقليدية ومنح الشباب متنفساً لغرائزهم المكبوتة، وكذا بين الفكر المحافظ والفكر الذي يحاول كسر التابوهات، وذلك لكسب الطرفين. وبالمقابل، هنالك من يستغلها سياسياً أو دينياً لركوب الموجة، سواء مع أو ضد، فبعض السياسيين يحوّلونها إلى قضية تستحق البحث البرلماني ليظهروا بأنهم مدافعون عن الأخلاق الحميدة والتقاليد، وقد يتألم بعضهم فعلاً معبّراً عن مشاعره، والبعض يتجاهل، بينما يتصدى آخرون للدفاع عن حرية الملبس والتعبير، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، كي يظهروا بمظهر الليبراليين المنفتحين المتقبلين لكل ما هو جديد، بالمقاييس والمعايير الغربية.
قضية فرقة «مشروع ليلى» ليست جديدة، فقد سبق وأثيرت في مصر والأردن، ومؤخراً أصدرت هيئات دينية مسيحية مارونية عليا حرماناً على الفرقة لمنعها من الظهور في حفل في بلدة جبيل كان من المزمع مشاركتها فيه خلال التاسع من آب/ أغسطس الحالي، متهمة إياها ببث الكفر والمس بالعقيدة المسيحية، وطبعاً هناك من هب ليدافع عن حرية التعبير وعن حق المثليين في إظهار ميولهم مثل أي فئة جنسية أخرى.
هذه القضــــايا والصراع حول المعايــــير الفنـــية تشـــعرنا بأنــنا في المنطقة العربية نعيش في حالة ضبابية من الصراع بين الانفتاح على الثقافة الفنية الترفيهية الغربية والعالمية التي تعني إسقاط الرقابة نهائياً عن اللباس وطرق التعبير الفني والبوح الجنسي، وبين الفرملة ومحاولة التمسك بالأخلاقيات والضوابط والمعايير المتوارثة، علماً أنه لا هذا ولا ذاك بمعزل عن السياسة العامة المحلية أو الدولية، وكازينو الحلال في السعودية يشهد على ذلك.