إذا دخلت في مواسم الأعياد المولات الكبيرة في العاصمة عمان و التي أحضرت مسحة الماركات الأجنبية الى بلادنا ستعرف أن المجتمع الأردني انقسم و تمايز الى طبقتين لا ثالث لهما: طبقة ‘اللي معو’ و طبقة ‘اللي معوش’ و الهوة بينهما واسعة و كأنهم ليسوا مواطنين في نفس الدولة أو بشرا يستحقون أن يتمتعوا بحقوق متساوية في عيش كريم!! ملابس طفل صغير تتكون من قميص و بنطال أو فستان لطفلة لا يقل ثمنها في هذه المولات عن أربعين دينارا حتى إذا كان المنتج عربيا و لكن يحمل صفة النخب الأول، و لو قلنا أن الأسرة الأردنية لديها في المتوسط ثلاثة أطفال فستحتاج الى 120 دينارا لطقم واحد في مناسبة واحدة بجودة مقبولة لا يتغير لونها و لا شكلها و لا ملمسها مع أول غسلة!
قد يقول البعض أن المبلغ معقول مع أن الملابس خانة من خانات المصروفات و ليست أكثرها أساسية و الاحتياجات الأخرى تستهلك مبالغ أكثر، و قد يكون المبلغ معقولا فعلا في دول أخرى عربية و أجنبية، و لكنه غير معقول في بلدنا عندما نعرف أن خط الفقر المطلق في آخر إحصائيات دائرة الاحصائيات العامة قد ارتفع ليبلغ 700 دينار للفرد! و يعرف خط الفقر المطلق أو العام بحسب الإحصائية أنه مستوى الدخل أو الإنفاق اللازم للفرد لتأمين حاجاته الغذائية و الحاجات غير الغذائية الأساسية التي تتعلق بالمسكن و الملبس و التعليم و الصحة و المواصلات، كما و بينت الإحصائية أن جيوب الفقر في بلادنا ارتفعت من 22 جيبا عام 2006 الى 32 هذا العام! و لكن عندما تدخل المولات ستظن أن كل العمانيين دافئو الجيوب، و لكن عندما يصل الأمر الى الكاشيير و الدفع لا تجد الا قلة قليلة، ساعدتها أو أجبرتها الظروف، تقتحم المشهد الختامي اقتحام الأبطال لتشتري بينما البقية يتسكعون و يمنون النفس بما لا يستطيعون الحصول عليه!
كان المنفذ الآخر الذي فُتح أمام رقيقي الحال من بقايا الطبقة الوسطى التي تلفظ أنفاسها الأخيرة و وجودها على الخارطة الاقتصادية و الاجتماعية في بلدنا ما يعرف بمحلات التصفية الأوروبية التي كانت تعرف قديما بالباله أو محلات الستوكات، و منها ما كان يبيع قطعا مستعمله أو جديدة غير مستعملة قد مر عليها الموسم في بلد منشئهامحلات التصفية تطفح بالمشترين من كل الطبقات الاقتصادية حتى الميسورة و يدلل على ذلك نوع و أحجام السيارات التي تصطف أمامها، فالكل يبحث عن جودة شبه أجنبية و موديلات مناسبة و أسعار تمكن من شراء قطعتين بسعر واحدة، و المعظم يخرج و قد وجد ضالته و أرضى خاطره بما رخص ثمنه و تميزت خامته و مظهره في محلات التصفية لن يعتري أم الأولاد شعور بالعجز و قلة الحيلة و بأنها أنجبت أكثر من اللازم فبإمكانها أن تشتري أكثر من قطعة و على مدار العام لكل طفل بسعر واحدة في محلات أخرى أصبحت تهش الذباب و لا تستطيع المنافسة مع الأسعار المنخفضة لبضائع التصفيةأمم تتوافد على محلات التصفية و لا أحذ يذكر أو يبالي بالإشاعة التي ظهرت أول ما نزلت بضائع التصفية الى الأسواق أن عليها شبهة تطبيع لانها تنتج في مصانع تستخدم إلزاما مواد خام من الكيان الصهيوني و تصنّع بالدرجة الأولى للتصدير الخارجي، و أن الماركات الأجنبية ما وصلتنا بهذه الأسعار الا لاضطرار الشركات الأجنبية الى المجيء الى بلادنا استغلالا لرخص الأيدي العاملة التي تعمل ساعات طويلة بأجور زهيدة و دون أي حقوق عمالية! فالمظاليم من الشعب يلبسون من عرق و جهد المظاليم من العمال و دائرة مفرغة من الظلم لا تنتهي!
ربما لا يعرف المشترون كثيرا من هذه الخلفيات الاقتصادية و الأخلاقية و لو عرفوا قد لا يبالون فهذا الحل الوحيد أمامهم و من الصعب أن تطلب من الناس الالتزام بالمبادىء دون أن توفر لهم البديل الذي يتناسب مع قدراتهم، هذا عدا أن هناك أناسا لا يستطيهون حتى شراء الرخيص و يؤثرون عليه سد فاقة الطعام!
في زمن البركة و الخير كنا نلبس الجديد بعدد أيام العيد هذا غير الإكسسوارات المرافقة للفتيات بالذات، و كانت عيديتنا أقل و لكنها كانت تشتري الكثير، و كان أباؤنا يطلقون أيدينا في إنفاقها دون الحاجة إليها في مصروف المنزل أو لتستخدم لرد العيدية لطفل آخر من العائلة على مبدأ أن ‘كل شيء قرضة و دين حتى دموع العين’!! أما زمن البركة الأعظم الذي سبقنا فكان أهله يقيمون المرء بآدابه لا بزيه و ثيابه و كانت فرحة العيد لمن حسناته تزيد ليس فقط لمن لبس الجديد و كانت ملابسهم مظهر خير لجوهر خيريروى أن عمر بن عبد العزيز رأى ولدا له يوم عيد وعليه قميص بال فبكى فقال له ابنه:
ما يبكيك يا أبتاه؟
فقال له عمر: أخاف أن يراك الصبيان بهذه الثياب الرثة فينكسر قلبك، فرد عليه ابنه: يا أبتاه إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه أو عق أمه وأباه واني لأرجو أن يكون الله راضيا عني برضاككل عام و أنتم بخيرد.
ديمة طارق طهبوب