المأزق الأمريكي في العراق و انقلاب الدولة علي السلطة (1 من 2)
الحرب علي العراق هي من اجل مصالح الشركات الكبري المتصلة بساسة الادارة وليست للدفاع عن المصالح الأمريكيةأي ديمقراطية أمريكية في العراق هذه التي تحركها انتخابيا المذهبية والقبلية وتؤازرها مدنيا المليشيات؟المأزق الأمريكي في العراق و انقلاب الدولة علي السلطة (1 من 2)صالح مصباح: لقد تأكد أن المشروع الأمريكي في العراق المحتل قد انقاد الي نهاية الاخفاق. تأكد هذا الاخفاق في دائرته العراقية التي كانت في أصل التدبير الأمريكي توطئة يتوسع منها المشروع الي سواها في الصعيد الاقليمي الموسع. وظهر جليا أن أمريكا قد أنستها قوتُها العسكرية الحذرَ والتوقّّي، فلم تضع في خانة الاحتمال أن تواجه مقاومة عراقية بهذا القدر من النضج والتصميم، أو أن تواجه ما تواجه اليوم من تعقيدات في تركيبة العراق الشعبية وفي نطاقه الاقليمي. فلئن تعلمت أمريكا في فيتنام أن محاربة الشعوب تخالف محاربة الجيوش، فانها في العراق قد خططت جيدا لمحاربة الجيش، ونسيت احتمال أن تحارب الشعب، فتورطت في أوحال مقاومة شعبية أظهرت أنها من قبيل المقاومات التي لا تقهر. وقد اتخذت الورطة الأمريكية في العراق أبعادًا محلية واقليمية وكونية فاقت أبعاد الحرب في طورها الأول، طورها النظامي، علي ما حفّ به، من جهة التصميم الأمريكي عليه، من صخب، ومعارضة دوليين في الأصعدة الشعبية والرسمية. علي أن أكثر ما يلفت النظر في الراهن من تلك الأبعاد هو أنها قد امتدّت الي الوسط الأمريكي نفسه، فتجاوزت فيه اليوم الصوت النخبوي والاعلامي والمدني والشعبي، فحصلت المؤسسات الدستورية والدوائر السياسية. المال والسياسة في الديمقراطيات الغربية:في الديمقراطيات الغربية، يشق المال السياسة ويحركها ويضبط لها خطوط سيرها. ويتجلي ذلك في تمويل الأحزاب أثناء الحملات الانتخابية، وفي الاتفاقيات التي تنعقد بين رجال السياسة المرشحين ودوائر المال وفي المطالب التشريعية التي بها يعد الساسةُ رجالَ المال الداعمين لهم في حملاتهم الانتخابية. . . ثم ان الأحزاب السياسية، غالبا ما تكون الواجهة السياسة الغالبة التي تمثل مصالح محددة لنشاط اقتصادي معين أو لطبقة اقتصادية مخصوصة، تمثيلا لا ينفي سائر القيم السياسية التي بها يستقطب الأتباعَ هذا الحزب أو ذاك. لكن اتصال المال بالسياسة ليس في الديمقراطيات الغربية علي القدر نفسه من الوضوح والمباشرة. أ – في أوروبا:من خصائص هذا الاتصال في أوروبا أنه اتصال غير مباشر غالبا، وليس في كل الأحوال صريحا فجا. فالذهنية الثقافية في أوروبا اعتادت علي أن تمثل السياسةُ المال تمثيلا ضمنيا، وعلي اشاعة ما يفيد بعض الانفصال بينهما. وانّ النشاط السياسي، وأصداءه الاعلامية غالبا ما يسايران الذهنية الأوروبية العامة التي لا تستسيغ أن تجتمع لدي الجهة الحزبية أو السياسية سلطتان، سلطة المال وسلطة القرار السياسي. وان العوامل التي قدّت هذه الذهنية الجماعية في أوروبا متنوعة. بيد أن تاريخ الديمقراطية الأوروبية نفسها هو، علي الأرجح، العامل الرئيسي. فقد انبثقت هذه الديمقراطية، من حيث هي كسب سياسي صنعته، علي الوجه الخصوص، البورجوازية الصناعية. من الاقطاع طبقة اقتصادية وبنية ثقافية ومرحلة تاريخية. واذ صنعت هذا الكسب من حيث هي طبقة اقتصادية، فقد صنعته كذلك من حيث هي تصور سياسي ورؤية ثقافية ونمط مجتمعي. وفي سبيل ذلك عاضدتها القواعد الشعبية المستنيرة بجديد البورجوازية السياسي والثقافي والمجتمعي للقضاء علي الاقطاع الذي كان طبقة ماسكة للسلطتين، سلطة المال وسلطة القرار السياسي، مسكا مزكوّا بالسند الكنسي. وبمقتضي ذلك يتسني أن نرصد لصلة المال بالسياسة في أوروبا خصائص أربعا:ـ ليس من السهل أن تفصح الحياة السياسية في أوروبا عن خفي اتصالها بدوائر المال الا في مستوي التشريعي الذي لا يخلو بدوره من بعض التمويه المحكم الذي يتدثّر بأردية سميكة متقنة يظهر بها التشريع بمظهر العقد المجتمعي الضامن لحقوق الجميع في تكافؤ الفرص، ولواجبات الجميع ازاء علوية القانون. وقد أدرك هذا التمويه درجة من النضج المدني التي صار بها نظاما مجتمعيا كونيا لم تبتدع الانسانية ما هو أفضل منه. ـ كرست تلك الحساسية التاريخية المشتقة من زمن الاقطاع ألا تفصح الدوائر السياسية الأوروبية عن مباشر اتصالها بدوائر المال. ولا حظّ لدائرة سياسية بالفوز السياسي اذا ثبت للجمهور الأوروبي الناخب أنّ لها بدوائر المال صلة مباشرة. وليس أَبلغ افصاحا عن ذلك من أن علية الساسة في أوروبا موظفو دولة ولا يكونون عاد ة من رجال الأعمال أو حتي من الأسر المأثور عنها الغلو في الثراء. فحتي برلسكوني الذي مثل في ايطاليا استثناء رجّحته ثروة الرجل الاعلامية فقد انزاح بسرعة لصالح القاعدة العامة، وحل محله مدرس تنقّل أثناء حملته الانتخابية في وسائل النقل العمومي. ـ باستثناء بريطانيا، مرجع النهج الأنغلو ـ سكسوني الأول، ظل التشريع الليبرالي الأوروبي غير طليق. فهو مقيد ببعض المكاسب الاجتماعية لفائدة الطبقات الدنيا تقييدا تفرض استمرارَه أنشطة نقابية ومدنية وجمعياتية نشيطة فاعلة في المطالب المادية والصحية والبيئية وفارضة علي الساسة – ضمنيا – سياسة ضريبية ازاء أصحاب المال صارمة، تضمن بها الدولة استمرار العقد الاجتماعي بمكاسبه الشعبية الأساسية. ـ بين الدولة من حيث هي فكرة تعاقد وثقافة تعايش و السلطة من حيث هي أجهزة تصريف لتلك الفكرة وسهر علي تلك الثقافة توازن في أوروبا محكم. فدولة العقد الاجتماعي الحديثة التي نشأت في الفلك البورجوازي قد انبثقت هناك كسبا جماعيا وفكرة جماهيرية فضلا علي رشحها بعقيدة الطبقة الفاعلة فيها. وكلما تخطت السلطة حد فكرة الدولة ، تحركت بالاحتجاج المدني ثقافة الدولة الكامنة في الذهنية الجماعية، تحركا يزداد به تخّفي ذلك الاتصال بين المال والسياسة. ب ـ في أمريكا:أمريكا مجتمع جديد، لم يعش اقطاع القرون الوسطي ولم يعش ثورة عليه. عاضدت ثقافتُه الانغلو- سكسونية تاريخ تشكله الجديد علي أسس القوة والمال والعلم. كان من توابع ذلك أن اتصلت فيه السياسية بالمال اتصالا متينا صريحا تستسيغه الذهنية الثقافية الجماعية. فلكل من حزبي أمريكا ثقل مالي موصول به، بعضه ثابت قار، وبعضه متحول علي مقتضي تحولات المصالح. ومن صريح الارتباط بين المال والسياسة أيضا هو أن يكون رجال الأعمال والمال رجال سياسة، الي حدّ أن علية هؤلاء غالبا ما يتكرر انحدارهم من دوائر المال وأسره الضليعة فيه لا سيما من جهة الحزب الجمهوري، حزب أرباب المال الصناعي غالبا. وليس ينفي هذا خصيصة سياسة مالية أمريكية كرسها علي الأرجح تاريخ تشكل هذا المجتمع، بيانها روح المغامرة الاقتصادية والسياسية. وهي روح تجيز في الصعيد الاقتصادي الانتقال الفجائي من طبقة الي أخري، وتجيز في الصعيد السياسي أن تنفتح أبواب السياسة أمام من لا عراقة عائلية لهم فيها أو شخصية. فقد ينقلب الممثل السينمائي في أمريكا رئيسا أو حاكما لولاية بمجرد أن يتقن المسك بطرفي خيط اللعبة، السياسة والمال وتوابعهما التكميلية كالاعلام والجمعيات المهنية والسياسية النافذة. علي أن هذه الخصائص يوازيها في المجال السياسي توازن بين السلطات والمؤسسات متين، لعله ضرب من الثقل الذي يوازن حقيقة انفتاح السياسة للمال وحرية استخدامه في سبيلها استخداما قد يدفع الي الرئاسة من لا يختص لها بتمام الأهلية. ولعل المشرعين المؤسسين في أمريكا قد افترضوا هذا الاحتمال افتراضا لا سيما في ظل نظام اداري فيدرالي يخول للرئيس ولمجلس الأمن القومي وللوزارات الفيدرالية صلاحيات تنفيذية فسيحة. فكان من توابع هذا الافتراض أن سنّ المشرعون الولاية الرئاسية أقل ولاية في العالم، اذ لا تتعدي أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. كما تدبر المشرع الدستوري الأمريكي اتصال المال بالسياسة اتصالا صريحا مباحا بكل ما قد يترتب عليه من مزالقَ، فعدّله بسلطتين قويتين، منتخبتين مستقلتين، هما سلطة التشريع وسلطة القضاء. وللحدّ من مخاطر أن يُحيدَ عن المصالح القومية جماعُ المال والسياسة الرئيسَ المسنود بأغلبية حزبية في البرلمان، سن المشرع الأمريكي صيغة رادعة، تتمثل في انتخابات تشريعية نصفية، تنعقد في منتصف الولاية الرئاسية انعقادا يدافع به المجتمع عن الدولة اذا لم تحفظها السلطة ، سلطة الرئيس وطاقمه الفيدرالي. فليس لهذه السلطة أن تتحرر من المحاسبة الانتخابية أكثر من سنتين. وفضلا علي ذلك سن المشرع لفائدة فكرة الدولة القارة بازاء السلطة المتحركة مؤسسات ادارية واستراتيجية وأمنية علي النمط الأوروبي يسير عملها علي مقتضي قوانين الدولة و مصالح المجتمع ، من زاوية تلك القوانين، بصرف النظر عن حركة السلطة وعن تعاقب الماسكين بها عليها. فمن جهة موضوع الحال يمكن أن نجمل للديمقراطية الأمريكية خصائص أربعا تميزها الي حدّ ما من جملة مثيلاتها الأوروبية: ـ الليبرالية المتوحشة ، بعبارة البعض، تلك التي لا حدود لها اقتصادية و لا توازيها في أمريكا بالقدر نفسه ليبرالية سياسية، حتي أن الانتخابات الرئاسية فيها يشوبها أحيانا ما يشوب مثيلاتها في الدول النامية التي لا حظ لها من العراقة الديمقراطية. وفي النطاق نفسه، يصعب في أمريكا الحد من حريّة الأفراد المالية، ولكن يسهل الحدّ من حريتهم السياسية والحقوقيّة. لا بل ان تصرف رجل الأمن في الشارع الأمريكي بقدر ما يختلف عما يجري في الأحوال المشابهة، في أوروبا، يشبه ما يجري في المجتمعات غير المصنفة في الخانة الديمقراطية. ـ في الآن نفسه، ثمة في أمريكا آليات دستورية ومدنية تدافع عن حقوق الأفراد السياسية والدستورية. لكن الأفراد ـ أو حتي الجهات ـ الذين تطوّح بهم اقتصاديا قواعدُ الليبرالية المتوحشة، ليس لهم حقوق اجتماعية أو نقابية شديدة الالزام للسلطة ، لا سيما بعد فترة الثلاثينات من القرن الماضي، تلك الفترة التي شهدت طفرة عمل نقابي سرعان ما طوقها رأس المال المتوحش وهمّشها. وتكثر في هذا النطاق البحوث التي تعرض لملايين الفقراء في أغني بلد في العالم، ولاعتصار الفقر فيه والبؤس لأحياء المواطنين السود بالخصوص. ـ في العشريات الأخيرة، تراكمت أسباب العولمة وتعاظم في أمريكا بالخصوص نفوذ الشركات الاقتصادية العملاقة العابرة للحدود. واستطاعت الشركات تلك أن تفلت الي حد بعيد من ضوابط ثقافة الدولة وأن تهيمن علي أجهزة السلطة ، وعلي أحوال المجتمع. وقد ترتب علي هذه الهيمنة وضعان يخصان السلطة و المجتمع . أما السلطة فقد انقلبت الي حد ما عن حماية الدولة الي حماية الشركات ، وعن التصرف بمقتضي مصلحة الدولة والمجتمع وطبقاته الفاعلة الي التصرف الاحتكاري الضيق تبعا لمصالح الشركات العملاقة. وأما المجتمع، فانه، وان تخلص من دكتاتورية السلطة ـ الدولة ، فقد أُخضع لدكتاتورية الشركات الاحتكارية محدودة العدد اخضاعا مزدوجا: اخضاعا شبه مباشر من طريق خضوع السلطة لها، واخضاعا غير مباشر بالتحكم الثقافي والاعلامي والاشهاري في ذهنيّته وسلوكه واستهلاكه ونمط عيشه، بصورة متطرفة مغالية قياسا علي ما يجري في أوروبا. وقد سهلت هذا الاخضاعَ طيبة المواطن الأمريكي وضحالة رصيده السياسي، واتصال ذهنيته بالاعلام والاشهار اللذين يتقنهما أربابهما الأمريكان اتقانا مذهلا. ـ كلما كان هذا الغلو نافقًا علي المجتمع الأمريكي، حافظا لثقافة الدولة ، غير مهدد للمصالح القومية الاستراتجية محليا وكونيا، كانت احتمالات استمراره أغلب. لكن الذهنية الأمريكية ذهنية نفعية عملية نشيطة تبعا للتوازنات الدستورية المكرّسة لكل ذلك تكريسا تظهر روعته، كلما اتجه غلو السلطة الموصولة بالمال الي تهديد الدولة والي انكشاف تهديده للمجتمع وللمصالح القومية محليا وكونيا. ادارة بوش الابن: المال والسياسة والعقيدة :اذا كانت أمريكا من جهة الوصلة بين المال والسياسة هي الوجه الفج المغالي من أوروبا، فان ادارة بوش الابن هي في ذلك غلو الغلو الذي ضخّمت فداحتَه نزعة عقائدية لديها، سميت نزعة المحافظين الجدد . ولعل هذه النزعة التي ترتد الي الرئيس ريغان هي مزيج غريب من الفعل السياسي والنفوذ المالي والهوس العقائدي. فهؤلاء المحافظون ، هم سياسيا، جماعة أحكمت بالتدريج قبضتها علي الحزب الجمهوري مطية الي سلطة القرار السياسي. وماليا، هم جماعة من عتاة تماسيح المال والأعمال، يمتلكون شركات كبري يغلب علي أغلبها التوسع الكوني والمضمار النفطي الذي لم ينقطع منذ عقود استقراره في العالم محورا لحسابات السياسة والحرب والسلم. وعقائديا، هم جماعة تمثل نحلة عقائدية مغالية، يمتزج في نسيجها الذهني والسياسي سلطة المال والأعمال ونزوع الي الهيمنة ـ باسم المال والأعمال ـ علي العالم، ومفردات مسيحية يهودية كأنها عودٌ بالمسيحية الي تلك اللحظة التي كانت فيها ابان ظهورها فرقة في الديانة اليهودية. ويكمل كل ذلك افتتان باستخدام القوة وبمزاج القسوة والهيمنة. ابان انتخاب بوش الابن لولايته الرئاسية الأولي، نشر حسنين هيكل مقالا مطولا شهيرا عرض فيه بالتوثيق الأمين والتحليل المحكم لقصة ترشيح هذه المجموعة لهذا الرئيس. ومما ذكر أن هوس المجموعة بالمال والعقيدة و السلطة دفعها الي المسك بزمام الأمور في الحزب الجمهوري. وليتسني لأعضائها احكام القبضة علي قوة الدولة الأمريكية العسكرية والدستورية والسياسية، كان لا بد لهم من هيمنة علي البرلمان وعلي الرئاسة. وبقدر ما كان أمر مجلسي النواب والشيوخ متاحا وقتئذ بحكم طابعهما الجماعي، فان الهيمنة عليهما بالأغلبية التي تحققت وترؤس ديك تشيني مجلس الشيوخ، لا بد أن تصاحبها هيمنة علي الرئاسة. ويذكر هيكل أن أعضاء المجموعة تدارسوا أسماء عديدة مثل تشيني ورامسفيلد وغيرهما. واستقر الرأي علي بوش الابن للأسباب الثلاثة التالية: أولا لأنه ضحل الرصيد السياسي، لا سيما في مجال السياسة الخارجية التي هي ساحتهم الأثيرة، ويسهل ادماجه في نحلتهم المالية السياسية العقائدية ويسهل تطويع سلطاته التنفيذية لفائدة نهجهم. ثانيا لأنه ابن رئيس سابق، وهذا يسهل عليهم ترويجه انتخابيا. ثالثا لأنه عائليا يشاركهم في الانتساب الي دوائر الثراء النفطي. 2. احتلال العراقسبق الاحتلال الأمريكي للعراق عاملان هامان، أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001 واحتلال أفغانستان. واذا كان العامل الثاني حلقة احتلالية انتقلت الي العراق، فان العامل الأول قد مثّل لسلطة ادارة بوش مركز التبرير الأمني والعسكري والاستراتيجي والثقافي لانتهاج سياسة مشطة، قائمة علي غلو عقائدي وعسكري واحتلالي واستخباري خارجيا وداخليا. ـ أما خارجيا، فقد استثمرت الادارة ذلك الحدث لتعلن حربا علي الارهاب بالاحتلال ولتستجمع دعما شعبيا ورسميا لفكرة الحرب الاستباقية ، ولعقيدة أن أمن أمريكا يكمن في ضرب أوكار الارهاب في الخارج لا سيما في أفغانستان معقل ضاربي البرجين يوم 11ايلول (سبتمبر)، وفي العراق التي روّجت عنه الادارة تلك امتلاك أسلحة دمار شامل يمكن أن تكون في متناول الارهاب المهدد للداخل الأمريكي. ـ وأما داخليا، فقد وجدت الادارة في الحدث ما به تجيز لأجهزتها التنفيذية أن تتعدي علي حقوق المواطنة بالتنصت علي مكالمات الأمريكيين بدون أذون قضائية، وأن تمارس اجراءات تحر اخترقت بها الحقوق الدستورية، وحفّزت، تجاه الأمريكيين المسلمين، نظرة اشتباه وعنصرية. أ ـ الغلو المالي: ساندت أمريكا، سلطة ودولة ومجتمعا، ادارة بوش في احتلال العراق مساندة نهضت وقتئذ علي ما روّجت تلك الادارة من أسباب وأهداف، وعلي ما أشاعت من تخويف بلغ أحيانا بين عامة الأمريكيين مراتب الارهاب النفسي. ومن دون ابطاء، ذهبت هباء تلك الأسباب وتلك الأهداف، وأدرك أغلب الشعب الأمريكي أن رئيسه وطاقمه قد ابتزاه سياسيا واعلاميا ونفسيا، وغالطاه مغالطة رسمية لا سابق لها من جهة مراتبها السيادية التي تتعلق برؤوس الادارة، ومن جهة مغزاها الأخلاقي الذي أظهر تلك الادارة في صورة المجموعة التي لا موانع لديها في تسخير قوة الدولة الأمريكية لفائدة أهداف مالية ضيقة تخفّي في سبيلها أصحابُها بقيادة السلطة وتزكّوا بادعاء محاربة الارهاب . وقد تأكد العموم الأمريكي أن الحرب علي العراق هي حرب مصالح الشركات الكبري المتصلة بساسة الادارة الأمريكية وليست حتي حرب مدافعة عن المصالح القومية الأمريكية. ذلك أن المصالح النفطية وحدها، كان يمكن ـ من منظور أمريكي ـ تأمينها من دون تلك الحرب التي تستعصي عن الوصف بشاعتُها وتبعاتها. انما المصالح النفطية، وعقود اعادة اعمار العراق وعقود تموين الجيش الأمريكي، ومشترياته العسكرية، والهيمنة علي السوق العراقية وعلي ثرواته المعدنية كلها أهداف مالية تجري مغانمها للشركات الكبري ولا مصلحة فيها لأمريكا من حيث هي مجتمع و شعب و مصالح قومية عامة. وان آلية كل ذلك هي شركات قد استخدمت صلاحيات السلطة الأمريكية للانقلاب علي فكرة الدولة التي تختزل دستوريا وثقافيا، المصالح القومية وبنودها وعقودها وأهدافها القريبة والبعيدة. ولئن كنا قد مهدنا لهذا بظاهرة دكتاتورية الشركات الكبري في أمريكا، فانما لكي نحصّل ها هنا الوجه السياسي السلطوي منه، ذاك الذي صارت بعض الصحافة الأمريكية تسميه الديكتاتورية الرئاسية . وليس لهذه الدكتاتورية القائمة علي الغلو المالي الأعمي من معني في الأدبيات السياسية الا معني أن تذوب الدولة في السلطة . وان هذا الذّوبان قد اعتادت الأقلام علي أن تسم به دولة صغيرة في أعماق افريقيا أو في الشرق المعقد بعبارة ديغول أو نحو ذلك من الدول الحابية في السلم الديمقراطي، ولم تتعود علي أن تسم به أمريكا، رأس الديمقراطيات الغربية قوة واشعاعا كونيا ووصاية عالمية علي الديمقراطية. ب ـ الغلو العقائدي: من العناوين العقائدية التي غطّت بها الادارة الأمريكية احتلال العراق نشر الديمقراطية فيه وفي الشرق. واذا احتكمنا الي هذا الغطاء، فكأن ادارة المحافظين الجدد أرادت أن تغيّر الشرق، لكن الشرق غيّرها، فأضحت ادارة استبدادية يتعاظم بها ذرعا ضيق مواطنيها وشركائها الدستوريين تعاظما. علي أن محمول الجماعة العقائدي أعمق من الغطاء ذاك. انه عقيدة التبشير بأمركة العالم أمركة مال وقيم وعقيدة بواسطة الحديد والنار. فلعل الأمر ذهنية قد تكثفت لديها أصولية المال المزكاة بأصولية عقائدية، فاذا هي مزيج غريب من الهوس العقائدي السياسي والهوس العقائدي الديني الذي يدرك مراتب أن يدعيَ بوش الابن بصريح تعبيره تلقّيـــَـــه لأمر الهي يدعوه الي احتلال العراق تلقيا يشبه لدينا كرامات الشطح الصوفي بعبارة ـ عابد الجابري ـ أو أصوله الغنوصية الراجحة. والأصل في أمريكا أن معاضدة سطوة المال لأفكار أنها أمة تقدر لها الهيا أن تقود العالم وأن تسوده وأن تطبعه بلونها، ليست بالغطاء العقائدي الجديد. فقد سبق أن وقف علي أحوال من ذلك قديمة صريحة مفكرُ أمريكا الأول نعوم تشومسكي . علي أن الذي يميز هذه المجموعة التي استفادت من تشريعات الدولة فهيمنت علي الحزب الجمهوري الي أن وضعت أيديها علي السلطة انما مفاده أنها قد أدركت من ذلك الهوس المالي والعقائدي نُهية شططه، فصارت طالبان أمريكية ثرية تتصرف في قدرات القوة الأولي في العالم، فتغالي شططها وتطرفها، فصارت عقائديا ذات وعي زائف بعبارة ماركس الواصفة للايديولوجيا من بعض الوجوه. فلولا هذا الغلو العقائدي الزائف، المسنود بنفوذ الشركات الكبري، وبمقدرات الدولة والشعب الأمريكيين، لما أصرت هذه المجموعة علي معاندة الكون لأمركة العراق، هذا البلد العريق الذي ما زالت فيه مع ذلك الانتماءات الي ما قبل فكرة الدولة ، نحو الانتماءات المذهبية والعرقية والعشائرية، تعايش قيم المواطنة ان لم نقل تتقدم عليها. فأي ديمقراطية أمريكية في العراق هذه التي تحركها انتخابيا المذهبية والقبلية، وتؤازرها مدنيا المليشيات المسلحة؟ وأين هذه الديمقراطية الأمريكية في العراق، هذه التي تصاغ بياناتها الانتخابية علي وقع رقصات الندبة علي ذبح السيد الحسين من دكتاتورية البعث العلمانية المتعالية علي ضروب هذا التلوث الذهني؟ وأي هدف في العراق هذا الذي قضت هذه الادارة المالية العقائدية أن تبذل فيه أمريكا خيالي الخسائر المالية والبشرية والاستراتيجية والسياسية؟ ؟ وأي أفق لعملية الاحتلال غير الخسران المبين للعراق أولا ولأمريكا ثانيا، فضلا علي انتشار روح الكراهية التي صارت بها الانسانية كلها الخاسر الثالث؟ !3. مأزق العراق: انقسام السلطة والدولةأدي فشل أمريكا في العراق واستفحال خيباتها فيه الي استحضار مبررات الحرب لدي الشعب الأمريكي علي الجملة. واذ اتصلت تلك المبررات بتلك الخيبات، ظهر جليا أنه لم تكن هنالك أسلحة دمار شامل في العراق ولا قاعدة فيه قبل الاحتلال، وانه لم توجد ديمقراطية بعده ولا أمن بفضله محليا واقليميا وكونيا. لا بل ظهر أن الاحتلال قد غير في المنطقة توازنات سياسية وعسكرية وعقائدية وأمنية بدأت تتشكل علي نقائض المصالح الأمريكية فيها ونقائض مصالح حلفائها. فكان لا بد لحيوية النظام السياسي الأمريكي ومتانة توازناته الدستورية أن يرتد عن شد أزر ادارة، توّهمت بَوصلتها منافعُ الشركات الكبري وهوس العقيدة. الأصل في السلطة و الدولة والمجتمع:الأصل في السلطة في الديمقراطيات الغربية أنها الأجهزة الاجرائية من الدولة. واذا كانت الدولة مجرد فكرة مدنية وثقافة اجتماع وتعاقد مجتمعي، فان السلطة هي من كل ذلك الوجه المنظور والفاعل في فكرة الدولة، تلك الفكرة التي تجسمها السلطة رجالا ونساء وقرارات وتدابير الخ… فالدستور من حيث هو تصور مجتمعي نظري هواختزال علوي لفكرة الدولة، ولبنودها التعاقدية التي اصطفاها المجتمع ليتهدّي بها في حياته الجماعية العامة والخاصة. وبمقتضي الاختزال النصي الدستوري، تكون الدولة مجرد فكرة كبري ضمنية، حتي أن الدولة في بريطانيا المعدودة من أعرق الديمقراطيات يجسم فكرتها الكبري دستور عرفي لا تدوين له في نصوص. فمفاد هذا أن الدولة هي مجرد ثقافة مدنية في الأذهان، أذهان الساسة و أذهان المجتمع. ولهذه الفكرة الكبري التي اصطفتها للمجتمع فئاته الفاعلة ونخبه المؤثرة وطبقاته النشيطة أفكار فرعية وتدابير تذود بها عن كيانها الضمني بواسطة أجهزة ومؤسسات وهياكل يعمرها الساسة من الرجال والنساء. فهذه الأجهزة وأنحاؤها هي من حيث استنانها التشريعي النظري: الدولة . لكن تحريكها بالرجال والنساء وتدبيرهم لها هو السلطة فلما كانت الدولة هي فكرة التعاقد فهي منه الوجه الضمني. أما السلطة فهي وجهه المنظور الفاعل في المجتمع. وبقدر ما يستنّ المجتمع استنانا مباشرا أو غير مباشر فكرة دولته ، يختار سلطته بصيغة مباشرة عادة. بهذا الاختيار الانتخابي يؤمن المجتمع السلطة المنتخبة علي الدولة التي يمثل استنان فكرتها ضبطا لعقود المجتمع. وبقدر ما تمثل الدولة من تصريف شؤون المجتمع مقوّمه الثابت، تمثل منه السلطة مقوّمه المتحول تحولا تنجزه المناسبات الانتخابية، فتتوازن علي مثني السلطة و الدولة أو مثني الحركة و الثبات الحياةُ المجتمعية وتستمر. وانّ المناسبات الانتخابية هذه هي من المناسبات التي يتضح فيها الانفصال بين الدولة و السلطة . أما في سائر الأحوال مألوفها، فانّ طابع الدولة الضمني، غير المنظور، يواريه وجه السلطة المنظور وراءه، مما يوحي بأن الدولة ليست الا متكأ للسلطة الظاهرة خفيا لا كيان له بدونها. لكن فكرة الدولة بكيانها القار المفصول بصورة ما عن جهاز الســــــلطة المتحرك، لا تُــذكّر بكيانها الخفيّ المنفصل ذاك في المناسبات الانتـــــخابية وحدها. ان الأزمات التي تنقاد اليها السلطة هي بدورها مناسبات تتيقظ فيها فكرة الدولة لدي المجتمع، فتفصح عن نفسها فيه افصاحا ذائدا احتجاجيا. 9