المأزق السياسي في اسلوب حكم السودان

حجم الخط
0

المأزق السياسي في اسلوب حكم السودان

د. يوسف نور عوضالمأزق السياسي في اسلوب حكم السودانانقلاب الانقاذ في عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين جاء في نهاية مرحلة الانقلابات العسكرية التي شملت العالم العربي وكانت في معظمها تعلن شعارات قومية أو يسارية وهي انقلابات بسطت الرؤية الي واقع الحياة من خلال بني فكرية لا تستند الي رؤية عملية. ولم يكن ذلك شأن الانقلاب السوداني الذي خبأ حقيقته في أول الأمر بل وضع أحد قادته وهو الشيخ حسن الترابي في السجن ثم أسفر الانقلاب بعد ذلك عن وجهه ليتضح أنه انقلاب دبرته الجبهة القومية الاسلامية التي سارعت باعلان مشروع حضاري. وبالطبع ما كان يمكن أن يكون الانقلاب يساريا أو قوميا لاختلاف طبيعة الواقع السياسي في السودان ووجود أقاليم كاملة في هذه البلاد لا تشارك في المفهومات القومية العربية. واعتمدت الجبهة القومية الاسلامية في دعوتها علي القاعدة الاسلامية العريضة في السودان حتي عند الأحزاب التقليدية ولكن ممارستها للحكم جاءت علي عكس طموحاتها في ظل ضمور في تصور الكيفية التي يمكن أن ينشأ بها نظام اسلامي في السودان فتحول النظام المنشود الي تحقيق مصالح فئة محدودة من القادة استفادت من الأسلوب الأمريكي في تجميع الثروات من أجل استخدامها في السيطرة وكان ذلك علي حساب الغالبية العظمي من السكان حتي أن كثيرا من موظفي الدولة وجدوا أنفسهم في الشوارع بطريقة غير انسانية لأنهم لا ينتمون الي نظام الحكم دون أن يهتم القائمون علي النظام بأن من حق المواطنين أن يعملوا في بلادهم لأن تلك هي مسؤولية الدولة. وقد رأينا في الأيام الماضية مظاهرات تندلع في الخرطوم يقودها الذين شملتهم قرارات الابعاد من الخدمة وكان من الغريب أن نري أن الذين ينتمون الي جمعية المبعدين أكثر من سبعة وأربعين ألفا وهذا العدد لا يشمل جميع الذين أبعدوا وقد طالب هؤلاء بتعويضهم عن سنوات ابعادهم عن وظائفهم أو السماح لهم بطلب اللجوء السياسي في بلدان أجنبية اذا كانت الحكومة لا توفر لهم العيش الكريم.ولم يقتصر موقف حكومة الانقاذ علي ذلك بل فتحت حربا في جنوب السودان ضد مواطني ذلك الاقليم وسمتها حربا جهادية وسمت قتلاها بالشهداء، وعلي الرغم من أننا لا نتجاهل حقائق وتعقيدات حرب الجنوب فاننا نعجب كيف يمكن لأي حكومة أن تعلن الحرب علي مواطنيها وتطالب بالجهاد ضدهم مع أن مواطني جنوب السودان يختلفون في عقائدهم وتوجهاتهم الثقافية عن أهل الشمال، وفي آخر الأمر توصلت الحكومة الي اتفاق سياسي مع قادة الجنوب كان وصفة لمزيد من التشرذم في المطالب الجهوية كما هو الشأن الآن في قضيتي دارفور وشرق السودان.ومن الغريب أن الزعماء الذين يتصدون لحكومة الانقاذ هم الزعماء التقليديون الذين لم يرتدعوا بما جروه علي بلادهم من خراب فبدأوا يفكرون من جديد في تقديم حلول لا تخدم مصالح السودان ولكنها تخدم مصالحهم الحزبية الضيقة، ويتضح ذلك في موقف حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الشيخ الترابي الذي طالب الحكومة بأن تسارع في تشكيل حكومة قومية حتي تتفادي تداعيات قرارات المحكمة الدولية بمحاكمة المتسببين في جرائم دارفور. وكما نري في هذه الدعوة فانها تقوم علي نفس المنطق القديم المعوج ذلك أن ما يقدمه الترابي هو انه سيساند عدم محاكمة المتهمين في حالة واحدة هي تشكيل حكومة قومية لأنه في هذه الحالة سيشارك فيها وبالتالي سيوافق علي الموقف الداعي لعدم تسليم أي مسؤول سوداني ويتناسي حزب المؤتمر الشعبي انه كان جزءا من نظام الحكم في السودان بل يقول الكثيرون ان قادة الحزب هم الرؤوس المدبرة لانقلاب الانقاذ، ولا يختلف موقف الصادق المهدي عن موقف الترابي ، ذلك أن ما يدعو له الصادق هو مؤتمر قومي جامع والفكرة تبدو في ظاهرها جميلة لأنها تدعو الي مشاركة جميع أهل السودان ولكن حين نتأملها من الداخل نري أنها لا تهدف الي شيء سوي أنها تريد أن تعيد عجلة الساعة الي الوراء بالغاء نظام الانقاذ والعودة الي نظام الحكم القديم. ولا شك أن كل هذه الأفكار التي يطرحها الصادق المهدي وحسن الترابي قد تجاوزها الزمن.ولا نستطيع أن نعيد الكرة الي الوراء لان التحركات الجهورية في هذا القطر لا تركز فقط علي المشاركة في الحكم بل هي تطرح تصورات جديدة تختلف عن جميع الأفكار التي كانت سائدة في السودان من قبل وبالتالي لا يهتم القادة الجهويون بايجاد وحدة قومية أو حكومات تمثل هذه الوحدة، ولا شك أن البعد الخارجي المتمثل في الولايات المتحدة واسرائيل يؤيد هذا الاتجاه لأنه يدخل ضمن الاستراتيجية الجديدة في الشرق الأوسط بكون التقسيم الذي يريده الأمريكيون في الشرق الأوسط علي أساس طائفي يريدونه أيضا في السودان علي أساس عنصري لأن ذلك يخدم استراتيجية اسرائيل واتجاهات المحافظين الجدد ذلك أن تقسيم السودان سيصب في المستقبل في خانة اضعاف مصر وتفكيك الدولة التي كان يمكن أن تكون دولة غنية وقوية بفضل مواردها المتعددة.ولا شك أن قرار الأمريكيين بفتح ملفات الفساد والاجرام لقادة النظام السوداني هو قرار في منتهي الذكاء لأنه لا يمكن شن حرب في بلد مثل السودان من منطلقات العقيدة أو غيرها وخير أسلوب لمقاومة السلطة هو توجيه التهم لرموزها وتهديد النظام من الداخل وذلك ما تتجه اليه الولايات المتحدة من خلال التهم الموجهة لمسؤولين سودانيين في محكمة الجنايات الدولية.وعلي الرغم من المواقف المتشددة من قبل الحكومة السودانية والقسم الذي يكرره الرئيس السوداني فلا شك أن نظام الحكم في ورطة كبيرة وهذه الورطة ليست نابعة من الضغوط الخارجية أو حتي الداخلية بل من حقيقة انه لم تعد هناك في السودان رؤية حقيقية في المسار الذي تتجه اليه الدولة فنحن نلحظ أن الحكومة تفضل أن تعقد اتفاقات ثنائية مع كل من يعارضها وذلك ربما اعتبر منهجا سليما عندما تكون الأوضاع طبيعية وليس ذلك وضع السودان الآن لان السؤال المنطقي هو ماذا تمثل الحكومة ؟ ولا يمكن أن تكون الاجابة علي هذا السؤال هي أن الحكومة تمثل حزب المؤتمر الوطني الحاكم أو هو يمثلها لأن هذا الحزب ليس له وجود من الناحية العملية بكونه صورة أخري من الأحزاب التي تنشئها السلطة حين تكون في مصدر القوة مثل تنظيم حزب البعث في سورية والحزب الوطني في مصر واللجان الشعبية في ليبيا التي هي في مجملها ليست أحزابا حقيقية أو تجمعات تمثل واقعا سياسيا بل هي تنظيمات تبرر بها الدولة سيطرتها أو تجعلها أدوات للسيطرة، وهي لا تختلف عن المحاكم التي تنشئها الدولة وتحاكم بها الناس تحت شعارات تهديد الأمن الوطني الذي يختزل في نهاية الأمر في امن النظام.واذا نظرنا في هذا الاطار سنلمح أن الحكومة السودانية تعقد موقفها عندما لا تنظر الي المشكلة السياسية الحقيقية في السودان وتختصر الموقف كله في أنه اعتداءات أو مؤامرات خارجية تحاك ضد وحدة البلاد، ولكننا في ذات الوقت لا نقلل من حقيقة أن اتخاذ موقف وطني شامل لمواجهة هذه التحديات لا يقل صعوبة لان اتخاذ هذا الموقف يتطلب أمرين الأول هو أن توافق القيادات الجهوية علي التعاون مع الحكومة وأن تكون لها نوايا حقيقية في المحافظة علي وحدة البلاد وتكاملها والثاني هو أن توجد الحكومة صيغة تشمل بها جميع ألوان الطيف في السودان دون أن تقع من جديد في براثن النظم الطائفية والحزبية القديمة التي كانت سببا حقيقيا في وقف مسيرة التنمية والتقدم في البلاد خلال خمسين عاما من الاستقلال الوطني، ولا شك أن هناك مشكلة كبيرة في السودان وهذه المشكلة تبدو في ظاهرها مواجهة ضد الحكومة القائمة ولكن حقيقة الأمر هي أن المشكلة تذهب الي أبعد من ذلك بكون الاختلاف العرقي والثقافي في السودان لم يعد وسيلة للتجانس القومي بل أصبح وسيلة للصراع والانقسامات الجهوية التي لا يعرف الكثيرون كيفية الخروج منها.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية