محمد الزباخبعيد قيام تسونامي الربيع العربي، اعتقد كثيرون أن الجزائر من الدول التي يمكن أن يجتاحها هذا التسونامي، لكن شيئا من ذلك لم يقع، وكانت هذه هي المفاجأة الأولى. أما المفاجأة الثانية، فهي أن دار لقمان في قصر المرادية بقيت على حالها في أول انتخابات تشريعية بعد مرور أكثر من سنة على قيام الربيع العربي، وهذا يعني أن ما وعد به الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من إصلاحات سياسية يقوم بها البرلمان الجديد لن تعدو أن تكون إصلاحات شكلية ومحدودة، بحيث يظل الجنرالات هم القوة الجوهرية التي تدير أمور البلاد والعباد. ولفهم المشهد السياسي الجزائري في ضوء الانتخابات الأخيرة، لا بد من تقسيم القوة الانتخابية الجزائرية إلى حزبين كبيرين بالمعنى العام للتحزب، وهذان الحزبان هما:-1 حزب المقاطعين: حوالي ثمانية وخمسين بالمائة من الجزائرين قاطعوا الانتخابات الأخيرة، ويمكن أن تكون النسبة أكبر من ذلك على ضوء ما نسمع من من عمليات تزوير واسعة النطاق طالت هذه الانتخابات، وفي جميع الأحوال فإن الأغلبية المطلقة من الشعب الجزائري قاطعت الانتخابات، وهي نسبة مرتفعة بالمعايير الديموقراطية الحقيقة. ويمكن تقسيم حزب المقاطعين إلى فريقين هما:
أ- النفعيون: هذه فئة موجودة في كل بلاد الدنيا، وهي لا تهتم بالسياسة إلا لماما، وإنما تهتم بالدرجة الأولى وفق نمط حياة فرداني بتوفير حاجاتها الأساسية من مطعم ومسكن ومركب وملبس وتعليم وصحة ولهو وما إلى ذلك، وهي في الغالب قانعة بما يتيسر لها من معاش، وبالتالي فهي مستعدة لأن تتكيف مع أي نظام سياسي يحفظ مصالحها الاقتصادية وحاجاتها الأمنية، لكن إذا أحست بأي تهديد لمصالحها من طرف حزب ما أو مرشح رئاسي ما، فإنها يمكن أن تشارك داعمة لمن لا يهدد مصالحها، ويمكن أن تشارك أيضا إذا كان في السباق الانتخابي مقدار من الإثارة الكبيرة والاستقطاب العالي الدرجة، وهذا ما كشفته مثلا الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة. ولأن كل الأحزاب الجزائرية بكافة مرجعياتها الإيديولوجية لم تشكل تهديدا لمصالح هذه الفئة الانتخابية، ولأن البرد الشديد كان هو السمة المميزة لجل الحملات الانتخابية، فإن فئة النفعيين اختارت عدم المشاركة في الانتخابات الأخيرة.
ب- المسيسون: هي فئة غير متحزبة، لكنها تمتاز بنمط حياة يميل إلى الاهتمام بالشأن العام ولو من الناحية النظرية، ومن أبرز اهتماماتها مطالعة الأخبار السياسية في الجرائد والمحطات الإذاعية والقنوات الإذاعية والشبكات العنكبوتية وغير ذلك. وهذه الفئة يمكن أن تشارك سياسيا إذا تأكدت من أن السباق الانتخابي سباق شفاف ونزيه، وأيضا يعطي الفائزين فيه صلاحيات حقيقية يمكن أن تحدث تغييرا معقولا، ولأجل ذلك نجد هذه الفئة مثلا في الدول الديموقراطية العريقة تواظب على المشاركة السياسية في مختلف الرهانات الانتخابية، وهي نفسها تشارك الآن بقوة في مصر الثورة بعدما كانت تقاطع في مصر مبارك. وبناء على هذا الكلام، فإنه يمكن القول أن جعجعة النظام في الجزائر بشأن الإصلاح السياسي بطرق سلمية فعالة لم تقنع هذه الفئة بالمشاركة؛ لقد فقد أفرادها الثقة بالنظام الاستبدادي الفاسد الذي يتأسس على حكم العسكر من وراء ستار، وفقدوا الثقة بالإسلاميين أيضا رغم أنهم لو شاركوا فإنهم في الغالب سيصوتون لهم كما حدث سابقا مع جبهة الإنقاذ وكما يحدث الآن في دول الربيع العربي. وسبب فقدان الثقة بهؤلاء أمور عديدة أبرزها الخوف من عودة العشرية الدموية، وتعثر تجربة الإسلاميين حاليا في مصر وليبيا والمغرب وتونس، وأيضا انقسام الإسلاميين بما يوحي إلى الرأي العام بأنهم طلاب مناصب وليسوا أصحاب مبادئ، ويضاف إلى ذلك أن بعض الإسلاميين ممثلين في حركة مجتمع السلم كانوا جزءا من النظام الحاكم في غير ما فائدة، وقد كان في الإمكان أن يرفعوا من شعبيتهم باستثمار رياح الربيع العربي نحو مزيد من الإصلاح الحقيقي.2-حزب المشاركين: يتألف هؤلاء أساسا ممن أطر الأحزاب الرسمية ومن يتعاطف معهم، ويضاف إليهم من يصوت على أساس العلاقات الاجتماعية قبيلة كانت أو شخصية، وربما أيضا من يصوت على أساس الرشوة الانتخابية. وعموما، يمكن تقسيم حزب المشاركين، وخاصة من يصوت لأسباب حزبية، إلى فريقين اثنين هما:
أ- العلمانيون: من الناحية النظرية لا يقر جل هؤلاء بالانتساب إلى العلمانية، وإنما يخلعون على أنفسهم صفة الوطنية، لكن من الناحية العملية هم علمانيون متأرجحون بين العلمانية الكلية كما هو الحال مع حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وبين العلمانية الجزئية كما هو الحال مع جبهة التحرير الوطني، وكثير من هؤلاء يسعى من وراء انتماءاتهم الإديولوجية إلى تحقيق المنافع الشخصية بطريقة ميكيافيلية. وتحظى الأحزاب العلمانية في الجزائر، وخاصة جبهة التحرير الوطني، بدعم قطاع لا بأس به من الشعب الجزائري، وهذا الدعم لا يعود في الغالب لإعتبارات إديولوجية، وإنما لاعتبارات أخرى أبرزها التحالف الموضوعي لجبهة التحرير الوطني مع المؤسسة العسكرية، إضافة إلى دورها التاريخي في صنع استقلال الجزائر، والذين صوتوا على جبهة التحرير الوطني هم في الغالب من كبار السن الذين شهدوا سنوات الاستقلال وحكم هواري بومدين. ومن هذه الاعتبارات أيضا ارتباط بعض الأحزاب بقضايا قومية كما هو الحال مع جبهة القوى الإشتراكية التي لقيت دعما لا بأس به من أمازيغ الجزائر، وخاصة القبائليون منهم. ومما يمكن الإقرار به أن الأحزاب العلمانية، وخاصة جبهة التحرير الوطني حضرت بشكل جيد لهذه الانتخابات، وقد استفادت في ذلك من حصول عبد العزيز بوتفليقة على شيء من الشعبية الناتجة أساسا عن تحقيق شيء من السلم الداخلي بعد سنوات الموت الأسود. لكن حالة التأهب القصوى التي أبداها أنصار جبهة التحرير الوطني وغيرها من الأحزاب العلمانية لا يمكن أن تسفر عن نجاحها بجل مقاعد البرلمان، وهنا تبرز فرضية التزوير الذكي قبل إجراءات الانتخابات وبعدها، وهي فرضية أكدتها الأحزاب الإسلامية وعدد من المراقبين الجزائريين وغير الجزائريين، وقد أكدت اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات أن التصويت بالوكالة كان على نطاق واسع جدا. وأما إقرار لجان المراقبة الغربية بنزاهة الانتخابية فيصح جزئيا لو أن أفرادها يقبلون بالديموقراطية التي لا تتفق مع مصالحهم.
ب- الإسلاميون: يمكن تقسيم الإسلاميين في الجزائر إلى طائفتين اثنتين، طائفة اختارت مقاطعة الانتخابات الأخيرة، وأبرز فصائلها: بقايا جبهة الإنقاذ المحظورة، وتنظيم القاعدة، والسلفيون العلميون بشتى مرجعياتهم الدعوية، ويمكن القول أنهم هؤلاء المقاطعين يشكلون السواد الأعظم من الإسلاميين، وبالتالي فهم فائزون من حيث تحقيق رهان المقاطعة. وأما الطائفة الثانية، فقد اختارت المشاركة في الانتخابات الأخيرة، وأبرز فصائلها: تحالف الجزائر الخضراء (المؤلف من حركة مجتمع السلم و وحركة النهضة وحركة الإصلاح الوطني)، وجبهة العدالة والتنمية. وانطلاقا من هذا التقسيم الفصائلي، فإنه يمكن القول أن عدد ما حصلت عليه الأحزاب الإسلامية المشاركة من مقاعد لا يمثل الحجم الحقيقي على أرض الواقع فلو أن الإسلاميين المشاركين والمقاطعين قرروا جميعا خوض الانتخابات موحدين تنافسيا على أساس قيم الربيع العربي، وفي ظل قوانين انتخابية عادلة ونزيهة، لحازوا ربما على ما حازت عليه جبهة التحرير الوطني نفسها.
إن الجزائر دولة عظيمة القدر في العقل الجمعي العربي؛ عظيمة القدر بتاريخها النضالي الرائع ضد الاستعمار الفرنسي، وعظيمة القدر بأرضها الفسيحة التي تحتوي على ثروات نفطية ومعدنية وزراعية كبيرة، وعظيمة القدر بموقعها الاستراتيجي، وأكثر من ذلك عظيمة القدر بسكانها المعتزون بالتعاليم الإسلامية واللغة العربية والقيم الوطنية. ولأن الجزائر عظيمة القدر، فلا ينبغي أن تظل مسورة من أن تطالها نسائم الربيع العربي، وهذا مطلب دونه تضحيات جسام، فهل يفعلها الجزائريون هذه المرة مع جنرالات فرنسا وعبيدها كما فعلوها من قبل مع فرنسا نفسها؟’ كاتب من المغرب