حسني ابو المعالي
ليس لغزا اكتشاف ما يدور في العراق علي الرغم من ملابسات الاحداث الدامية التي يشهدها الوطن كل يوم، لكن الذي يري بغداد من بعيد او يسمع عن صدي طبول الحرب وهي تعج باصوات الانفجارات، ودوي مدافع الهاون، وصفارات الانذار، وازيز الطائرات الامريكية، واطلاق الرصاص حتي اصبح الطلق الناري في العراق اكثر متعة من متابعة كرة القــــدم، يعتقــــد بان المقاومة في العراق قد ابلت بلاء حسنا في مقارعة المحتلين ولا يسعه الا ان يثني عليها، خاصة عندما يقرأ بين فترة واخري خبر مقتل جندي امريكي او بريطاني هنا او هناك، الا ان الصورة المتخيلة تخفي وراءها حقيقة مرة لواقع مأساوي لا يسمع انينه الا من يعيــــش في بغداد وهي تتلوي الما علي ايقاع سيمفونية الموت الذي يحل، يوميا، ضيفا علي العشرات من النفوس العــــراقية البريئة التي كتب عليها الوقوف في طابور القتل في انتظــــار دورها في مسرحية الخراب التي اخرجتها وكتبت السيناريو لها اطراف مختلفة ومتعددة، لكن معظمها، مع الاســف، عراقية. وللقوات الامريكية دورها المستتر في المعاناة العراقية مستفيدة من الاحتراب العراقي ـ العراقي، فتقوم بمداهمة البيوت الآمنة بحجة محاربة الارهاب وهي اول من مارس الارهاب باحتلالها للوطن، ناهيك عن بعض دول الجوار التي تقتضي مصالحها بقاء العراق غير مستقر.
اما الاطرف العراقية فتتصدرها الحكومة العراقية التي وزعت مؤسساتها ووزاراتها لعناصر وشخصيات تم اختيارها علي اساس طائفي وحزبي، خارج اطار المهنية والكفاءة والاختصاص، ولا تستوفي شروط الرجل المناسب في المكان المناسب، وخلقت بذلك فوضي الاستئثار بالكراسي بعيدا عن مصلحة الوطن، تليها الخلافات الشخصية، والانتقادات العلنية بين اصحاب النفوذ علي مستوي القيادات الحزبية والدينية الشيء الذي ينعكس سلبا علي المواطن العراقي، ناهيك عن الخلافات المستمرة بين القيادات علي مستوي الوزراء، ومن الاطراف العراقية الاخري التي ساهمت ايضا بالخراب، الميليشيات الاسلامية المتطرفة من السنة والشيعة والتي وجهت بنادقها نحو بعضها البعض، بعيدا عن الاحتلال الغاصب الذي احتل الوطن ودنس الارض والزرع ولوث الهواء والافكار، فهذا جيش المهدي يقف بمواجهة جيش محمد، وذاك فيلق عمر يتصدي لفيلق بدر، وغيرها من الميلشيات التي اتخذت من الرموز الاسلامية اسماء لها لتبرر جرائمها باسم الدين وباسم المقاومة، وكلها تدعي وصلا بالاسلام وبمقاومة المحتل؛ فأي مقاومة تلك التي تقتل عمال تنظيف الشوارع وتخطف مقاولي البناء الذين يحاولون اعمار ما تهدم، وتستهدف الموظفين في الدولة وتتهمهم باعتبارهم عملاء للمحتل، وتقتل التلاميذ وهم في مدارسهم، وكذلك الاعلاميين والمبدعين، والاطباء ورجال القانون وكل الكفاءات، وهل كل العراقيين من الطلبة والموظفين الذين يعملون في مجال القطاع العام او الخاص جاؤوا علي متن الدبابات الامريكية؟ وماذا يعني تفجير الاسواق العامة المكتظة بالسكان، والمستشفات والمطاعم والمقاهي، فهل كل هؤلاء عملاء للمحتلين؟ وهل من الوطنية بمكان ان يبقي الوطن بدون مؤسسات، وتبقي دوائر الدولة معطلة والشوارع عبارة عن حافظات ازبال كبيرة ومشهد العاصمة يبدو قذرا؟ وأي مقاومة تلك التي تترصد لكل من يختلف معها في الرأي بحجة تعاونه مع الاحتلال، وتستهدف البني التحتية للوطن وتدمر الاقتصاد الوطني؟ وبعملها هذا تلغي عنها صفة المقاومة لانها تساهم في خلق الفوضي في البلد، وتدعم توجه المحتل في التفرقة وتعيد الي الاذهان المقابر الجماعية وغيرها من الجرائم والاخطاء، لان المقاومة الشريفة تنأي بنفسها عن ارتكاب القتل المتعمد للمواطنين ولا تسعي للتفرقة والتخريب، ولمصلحة من يتم انقطاع التيار الكهربائي عن الشعب بواسطة التفجيرات ليعيش المواطن بين نارين في صيف العراق اللاهب، ويختفي الغاز ويشح البنزين عن محطات الوقود ونحن في بلد البترول، وتتوقف حركة السير كل يوم في مناطق واسعة من بغداد بسبب التدهور الامني بحيث يصعب علي المرء مراجعة طبيب اذا مرض، او الذهاب الي صيدلية اذا احتاج الي دواء وحتي زيارة الاقارب اصبحت من المستحيلات؟ واي مصلحة تقتضي أن يعيش المواطن العراقي كل يوم علي حافة الموت رعبا بفعل الارهاب وينعم المحتل بالامان قياسا لما يعانيه الشعب العراقي؟ لا بد من الاعتراف بان المعــــــركة التي يدور رحاها، اليوم، علي ارض الوطن، اصبحت بين العراقيين انفسهم، معركة وقودها عراقي ـ عراقي، وابطالها من السنة والشيعة، وكلاهما ينتمي الي دين واحد الا وهو الاسلام، فأي اسلام ذلك الذي يتم باسمه خطف الابرياء وذبحهم او تهجيرهم من مناطق سكناهم علي اســاس الهوية الطائفية؟
تلك هي الماساة العراقية التي سببتها واشعلت نارها بعض النفوس الضعيفة من المتطرفين والمتكالبين علي السلطة حتي في ظل الاحتلال، وغير القادرين علي التمييز بين ما هو في خدمة الوطن وما هو ضد مصلحة الوطن، لان الانسان القوي يري بعين العقل ويفكر بمنطق الواقع ويتصرف بحكمة العادل من اجل شعبه ووطنه، ولا يرتضي لأمته ان تعيش المحنة بكل ابعادها من اجل نزواته، ووجود الاحتلال لا يبرر ما يعانيه الشعب العراقي بهذا الحجم الكبير من المعاناة علي يد ابنائه، ولا يعني ان تختلف الاحزاب والميليشيات فيما بينها، بقوة السلاح، علي تواجده وقد اصبحنا بالنسبة له ملهاة يستمتع باختلافنا وخلافاتنا، كفاكم احترابا ضد بعضكم البعض، واتقوا الله، ووجهوا قواكم مجتمعة ضد الاحتلال، وراهنوا علي وحدة الصف العراقي رفقا بهذا الشعب المقهور، يا من رسمتم صورة مشوهة عن معني المقاومة، واعطيتم مثلا سيئا للاختلاف الذي تفاخر به شعوب العالم باعتباره سببا للائتلاف، ونصبتم انفسكم كل من موقعه، حكومة ومعارضة، ولاة علي الشعب، وشهرتم خناجركم من اجله ثم طعنتموه، سارعوا الآن الي مغفرة من ربكم لمعالجة معاناة شعبكم، واتفقوا علي تضميد جراحه، ان كنتم حقا تؤمنون بالله واليوم الآخر.
فنان تشكيلي من العراق يقيم في المغرب8