المؤامرة

حجم الخط
0

فادي سعديحدث أحياناً أن نلتقي أشخاصاً يضعون قناعاتنا أمام خضّة فكرية عنيفة. منذ فترة، تعرضّتُ لهذا الاختبار، حين التقيتُ بعد انقطاع بصاحب قديم كنّا نلقّبه دائماً بـ ‘الحكيم’، وأحياناً نبالغ ونناديه بـ ‘المفكّر’، من باب المزاح غير الممزوج بأيّة جديّة.كنتُ قد تعرّفتُ على المفكّر بعد فترة وجيزة من انتقالي إلى مدينة ديترويت الأمريكيّة للعمل. كان أحّد أسباب اختياري لهذه المدينة الصقيعيّة القبيحة، إمكانات اللقاء بأشخاص قد يشبهون رفيقنا المفكّر. فديترويت من المدن الامريكية التي تحوي إحدى أكبر الجاليات العربيّة (بمعنى الذين يتكلمون اللغة العربية)، ولا بدّ أن يجد المرء في تجمّع عربي كبير كهذا مفكّرين من عيار رفيقنا.كان لقائي الأوّل بالمفكّر، عبر أصدقاء مشتركين، في أحّد المقاهي العربيّة الديترويتيّة. توالتْ لقاءاتنا بعد ذلك. وكان رفيقنا، على قرقرة ماء الأركيلة العكِر، لا يفوّت فرصة إلاّ ويحدّثنا عن فلسفته الماديّة، وينفلش شارحاً منهجه الجدليّ في تحليل الواقع والتاريخ.كان يرغي ويزبد عندما يسمع أحدّهم يتكلّم على الطوباويّات والتصوّرات الميتافيزيكيّة التي يمكن أن تشكّل الوعي. وكان صراخه يطمس قرقرة الأركيلة، وهو يشنّع بالتصوّرات الفوقيّة المثالية، طالباً منّا في كلّ مرّة، ومن دون ملل، بإعادة الهرم الجدليّ الهيغيلي الواقف على رأسه إلى وضعه الطبيعي على قاعدته.لكن، بعد أمد قصير من بدء الربيع العربي، ولسبب غامض، بدأ صوت رفيقنا يضعف، كأن فيروساً ما أصاب حباله الصوتيّة التي لم تكن تتوقف سابقاً عن النوسان. لم نعد نسمع شيئاً عن الأهرامات وهيغل وماركس. فهمْتُ بعد ذلك من أحد الأصدقاء أن المفكّر ممتعضٌ كثيراً من تسمية ‘الربيع العربي’. فحسب رأيه، إنّ الثورات العربية كلّها بدأت في فصل الشتاء، لذا فهو يرى أنّ تسمية ‘الشتاء العربي’ أكثر دقّة. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقّةً وموضوعيّة ثانيةً حسب اعتقاد رفيقنا المفكّر وأخذنا بعين الاعتبار بداية الثورة التونسية، فالتسمية الأصح هي ‘الخريف العربي’. بعد بدء الثورة السورية، غاب رفيقنا تماماً. واتّضح لنا أنه بات يتجنّب لقاءاتنا عن قصد. لم يكن من المنطقي الاعتقاد أنّ انتباذ رفيقنا المحبّ عادة للكلام يعود فقط إلى امتعاضه من تسمية مجازية. خاصة بعدما وصلتنا عنه آراءه المـُشكّكة بما يجري في سورية. اتّصلتُ عندئذ بصاحبي، ودعْوتَه إلى قدح من الشاي، علّني أفهم عن قرب موقفه السلبي وما يدور في رأسه تجاه ما يحدث في وطننا السوري.كنتُ واثقاً من قدرتي على دحْض الحجج التي كنتُ أخمّن أنه سيعرضها. مع معرفتي المسبقة ببأس منطق صاحبي. فرفيقنا ضليع في التاريخ، ومحيط بتفاصيل الفلسفات الإنسانيّة الروحيّة والماديّة والمدرحيّة. لكنّي كنتُ على يقين أنّه لن يجد شيئاً مقنعاً يقوله إزاء عدالة الثورة. اتفقنا على موعد. وبعد السلام والاستفسار عن الأحوال، دخلتُ مباشرة في الموضوع:- اسمعْ. أنتَ كنتَ دائماً من أشرس المدافعين عن العدالة الاجتماعية وحقوق المسحوقين والمظلومين. ماذا حدث الآن لتشنّع هكذا بالثورة السوريّة المحقّة؟حدجني صاحبي بنظرة ملتهبة، وهو يمجّ دخان أركيلته الامريكية، ثم أجابني:- هذه مؤامرة.انتظرتُ قليلاً لأسمع حججه. شرحاً ولو مختصراً عن تفاصيل المؤامرة وأسبابها والذين يقفون وراءها. فالحقيقة أنّي لم أكن أتوقّع إجابة قصيرة ماحقة كهذه. لكن رفيقنا المفكّر صمتَ، كأنه انتهى للتوّ من النطق بسرّ مخابراتي خطير لا يحتمل استفاضة في الكلام. أجبته محاولاً استدراجه في الحديث أكثر:- يا أخي، ما هذا الترديد الأعمى لمقولات بائتة؟ هل هذا ما علّمكَ إيّاه ماركس؟ ألا ترى معي أن الشعوب العربيّة تملك ألف سبب وسبب للثورة على أوضاعها؟ هل تحتاج فعلاً إلى من يحرضّها من الخارج على الذلّ الذي يغمرها؟ كلامكَ فيه استخفاف واحتقار لإرادة كلّ من يكره الاستبداد ويرغب في التخلّص منه. بدءاً من تونس إلى سورية.مالَ صاحبي برأسه إلى الوراء قليلاً وجعل ينظر إلى أعلى. خُيّل إليّ أنه كان يستقي معرفته من إرادة سماوية عليا، تخبره بما يجري طبخه في الكواليس العالميّة، مما لا ندركه أو نتصوّره نحن المخدوعين السذّج. ثمّ أجابني ثانية بنبرة دامغة:- هذه كلّها مؤامرة أمريكيّة.أدركتُ هنا أنّي في مأزق كبير، وأن كلّ استعداداتي السابقة لهذا النقاش كانت هباءً أمام هذا الجدار الأصمّ من ‘المنطق’ المصمَت لصاحبي المفكّر، والمغلّف بطبقة سميكة من الثقة العمياء. مع ذلك لم أيأس. عاودتُ المحاولة:- يا رجل. هل تظنّ مثلاً أن ‘السي آي إيه’ هي التي درّبتْ محمد البوعزيزي على كيفية إضرامَ النار في جسده؟ أو أن هيلاري كلينتون كانت تنسّق مع ملايين المحتجّين في مصر فاليمن ثم ليبيا والبحرين عبر السكايب والفيسبوك لينزلوا إلى الشوارع والميادين ويطالبوا بحريّاتهم المقموعة من عقود طويلة؟ وبعدما زبطتْ مع الأميركان في كلّ هذه البلدان، تدخلّ أوباما شخصيّا في سورية، وأوعزَ لبعض الأطفال في درعا، المدرَبّين مسبقاً في واشنطن على فن الغرافيتي، بالكتابة على الجدران. ثمّ أصرّ أوباما بنفسه على أجهزة الأمن السورية الانتقام من هؤلاء الأطفال بقلع أظافرهم، حتى يضمن نجاح المؤامرة؟! توقفتُ هنا عن الكلام لألتقط أنفاسي قليلاً، وأتلمّس ردّة فعل صاحبي. لكنّ وجهه ظلّ جامداً، لا يرفّ فيه جفن. وشفتاه تهمّان بلفظ كلمة ‘مؤامرة’ ثانية. وقبل أن أسمع هذه الكلمة السحريّة ثانية قاطعْته:- بعدين، ألستَ من المؤمنين العتيدين بالماديّة التاريخية؟ ألستَ أنتَ من أصرّ دائماً بأنّ الواقع هو الذي يصنع وعي البشر، وليس قوّة خفيّة تسكن في بيت أبيض خلف المحيطات؟ ماذا حصل لهرمكَ؟ ها أنتَ تعيده على رأسه.كان صاحبي ما يزال ينفث دخان الأركيلة وهو ينصت إليّ، ولاحظتُ أنّ نظرته صارتْ حالمة عندما ذكرتُ البيت الأبيض، كأنّه كان يتخيّل نفسه جالساً فيه، أو على سطحه، لا أعرف بالضبط. أكملتُ:- يا عزيزي. ألا ترى معي أن الواقع السوريّ وخلال أكثر من أربعين سنة، حمل منذ البداية عوامل انفجاره، وراكمَ تدريجياً كلّ التناقضات المؤديّة حتماً إلى تغييره وفنائه. وماديّتكَ الدياليكتيكيّة لا يمكن أن يكون لها علاقة ببيت أبيض أو أسود؟قاطعني هنا رفيقنا المفكّر محتدّاً: ‘اسمعْ. هذه مؤامرة’. وعاد إلى الصمت.عند هذه النقطة من الحديث، بدأتُ أشعر أنّ الهزيمة بدأتْ تحفّ بي أمام هذا الإيمان الإلهي الذي لا تهزّه آلاف الجثث. بات جسدي يتفصّد عرقاً. أمّا صاحبي فلم يخفِ ابتسامة رضى بدأتْ تتشكّل على وجهه الذي كان يختفي وراء سيمائه تلمود المؤامرة.لبرهة، لم أدرِ ماذا أفعل. أخذتُ نفساً طويلاً من الأركيلة. وصاحبي المفكّر بدا منتشياً. يتمايل رأسه يمنة ويسرة كأنّه كان يستمع في داخله إلى أغنية صادحة تبدأ كلماتها وتنتهي بلازمة ‘مؤامرة حبيبي مؤامرة’.بعد لحظة اليأس هذه، برق في ذهني المخرَج من هذا التيه. مخرج يمرّ من بلاهة المنطق الذي تحدّث به صاحبي. رفعتُ رأسي وقلتُ بصوت عالٍ:- معك حق. هذه مؤامرة. بدا صاحبي مصعوقاً. وأحسستُ للمرّة الأولى أن الميزان بدأ يميل إلى صالحي في مبارزتنا الفكرية هذه. توقّف عن التدخين. قلتُ له:- معك حق. إذا كانت أميركا تستطيع أن تتحكّم بكلّ حدث وكلّ تفصيل مهما كان صغيراً وبعيداً. وتستطيع أن تشعل ثورة هنا، وتحرّض متظاهرين هناك. إذا كانت أميركا تمسك بروموت كونترول يسوس إرادات الشعوب، وتقدِّم وتؤخِّر حسب مزاجها ومصالحها. إذا كان كلّ ذلك صحيحاً، فهذا يعني أن الثورة السورية طالتْ إلى الآن بسبب أمريكا. صار صاحبي يتنحنح، ويصدر أصواتاً غريبة. كجنديّ هارب بعد أن سُرق منه سلاحه. أكملتُ:- لماذا تظنّ أن أميركا الربّ لم تنهِ الثورة السورية كما بدأتْها؟ ماذا تظنّها تنتظر؟ تلجلج صاحبي:- اسمع. ما أقصده بالمؤامرة…- عزيزي، لا داعي لأن تشرح لي ما تقصد. فأنا بدأتُ أقتنع بمنطقك السليم جدّاً. فعلاً أظن أن ثمّة مؤامرة على ثورة الشعب السوري الملحميّة. فالشيطان الأميركي، خالق الحكّام والثورات، كان سيستطيع بسهولة إسقاط النظام السوري لو أراد. كان بإمكانه كبس بعض الأزرار في البيت الأبيض وينهي الموضوع. لكن هذا لم يحدث حتى الآن. ما تفسيركَ لذلك؟ في اعتقادي أنّ هذه المؤامرة الكونيّة ذو مزاج لعين ومتقلّب، فقد قرّرتْ عكْس مسارها عندما وصلتْ إلى سورية. مرّة تكون ضدّ الحكّام ثم تصبح معهم، وتساعدهم على البقاء. لا أدري كيف يمكنك الثقة بها؟ بدا لي رفيقنا المفكّر في هذه اللحظة ساهماً سادراً، وهو يمسكُ برأسه الخشبي، كأنّه يحاول إفراغه من حجارة كلسيّة رصفَتها في دماغه عقود طويلة من الدوغمائية البائسة. بدتْ جمجمته كرة مصمتة كصندوق مقفل، لم يصل الضوء إلى محتوياته الصدئة منذ زمن مديد. جمجمة مغلقة لا تملك حتى كوّة صغيرة يدلف منها صراخ الأطفال وبكاء الأمّهات. ظهر صاحبي كما هو في الحقيقة. عجوز مهترئ بفكرٍ عفا عليه الزمن. غادرتُه مودّعاً، تاركاً له دفع الفاتورة ومعها ضريبة البيع الامريكية. فرفيقنا المفكّر لم يمانع لسنوات، ومنذ أن استقرّ في الأراضي الامريكية الملعونة، المساهمة من جيبه الخاص في تمويل المؤامرة.(ديترويت) ‘ شاعر من سورية يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية