الناصرة ـ «القدس العربي»: يرى مركز مدى الكرمل للدراسات الاجتماعية التطبيقية داخل أراضي 48 أن المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل يمر بتحوُّلات جوهرية في السنوات الأخيرة، فضلًا عن تأثُّره بمتغيرات المشهد الفلسطينيّ العام.
مدى الكرمل الذي يستعد لتنظيم مؤتمر عام حول هذه التحولات العميقة التي يمر بها الفلسطينيون في إسرائيل بعد سبعة عقود على نكبة فلسطين، يرى أن هذه التحولات ساهمت في إحداث تغيُّرات في الحقل السياسيّ الفلسطينيّ. وبرأيه ظهرت تمثُّلات هذه التحوُّلات /التغيُّرات في مَحاور عديدة، من بينها تحوُّلات في القيادة السياسيّة من حيث عملها وتوجُّهاتها السياسيّة، إذ ليس بالإمكان قراءة تحوُّلات القيادة بمعزل عن التحوُّلات الاجتماعيّة – الاقتصاديّة التي مرّ بها المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل وما يزال يمرّ. لافتا إلى أن القيادة السياسيّة سواء في ذلك القطْريّة والمحلّيّة، في أغلبها، هي تَجَلٍّ لهذه التحوُّلات من جهة، وتقوم بدَوْر في بلورتها وتعظيمها من جهة أخرى.
يشار الى أن مدى الكرمل قام في مؤتمره السنويّ في يونيو/ حزيران الماضي بدراسة بعض هذه التحوُّلات التي تتمثّل في صعود التوجُّهات الفرديّة الاندماجيّة داخل المجتمع الفلسطينيّ الناتجة عن نشوء علاقات قوّة اجتماعيّة واقتصاديّة جديدة مع النظام الإسرائيليّ، مقابل التوجُّه الجماعي. بَيْدَ أنّ المؤتمر السابق ركّز في مقارباته على التحوُّلات الاجتماعيّة – الاقتصاديّة وعلاقتها بالمشاركة السياسيّة، ولم يطرق الباب الذي يعالج تأثير ذلك على القيادة السياسيّة، من حيث تحوُّلاتها وتمثُّلات ذلك في عملها وتوجُّهاتها السياسيّة وهذا ما سيفعله في مؤتمر مقبل.
ويقول إنه إلى جانب تحوُّلات القيادة السياسيّة، يشهد الحقل السياسيّ الفلسطينيّ انزياحًا نحو التقلّص إلى العمل البرلمانيّ عبر القائمة المشتركة. وينعكس ذلك بدوره على مكانة ودَور الأحزاب والحركات السياسيّة في الحقل السياسيّ، حيث تشهد الأحزاب حراكًا سياسيًّا داخليًّا، وكذلك تتحرّك خارجيًّا، وعلى نحوٍ أساسيّ من خلال ديناميكيّات العمل البرلمانيّ وما يحمل من فكرة التمثيل السياسيّ للجماهير الفلسطينيّة، لكن دون إيلاء اهتمام كافٍ لفكرة التنظيم والصوغ، أي تنظيم الجماهير الفلسطينيّة لتكون فاعلة في النضال السياسيّ من خلال أدوات احتجاجيّة أخرى، وصوغ مطلبيّاتها الجماعية.
ويرى مدى الكرمل أن جدلية التمثيل والتنظيم تظهر في رؤية الأحزاب والحركات السياسية لدَوْرها السياسي، ويقول إن منطق التمثيل يفترض التنافس على تمثيل الفلسطينيين في الكنيست والمحافل الحكومية وداخل النظام السياسي، بينما تنطلق فكرة التنظيم من العمل الجماعية الذي يرمي إلى تمكين المجتمع للنضال من أجل صوغ وتحصيل الحقوق الجماعية من جهة، وتوسيع الحقل السياسي وتفعيله من جهة أخرى، بما يتجاوز العمل البرلماني ذا البعد التمثيلي.
كما يقول إنّ مقاربة الحقل السياسي نظريًا، من خلال مَفْهَمة التنظيم والتمثيل، تحتاج إلى مقاربته تاريخيًا، من خلال تحليل سسيولوجيّ وسياسي للحقل السياسي الفلسطينيّ في فترات سابقة تَمَيَّزَ فيها هذا الحقل بإمكانية التغيير ردًّا على مَوْجات الأسرلة في النصف الأوّل من عقد التسعينيّات من القرن الماضي، على سبيل المثال، وذلك بغية تحقيق فهم أعمق للحقل الراهن. ويضيف «شهد الحقل السياسي آنذاك توسُّعًا من حيث التنوُّع الفكري والأيديولوجيّ، وأدوات الاحتجاج والنضال السياسيّ، وتشابكًا أكبر مع المشهد السياسيّ الفلسطينيّ العامّ في أعقاب اتّفاق أوسلو، وتحدّيًا لفكر أوسلو الذي حوّل الفلسطينيّين في الداخل إلى شأن إسرائيليّ بحت، وتداخلًا أوسع نسبيًّا للحكم المحلّيّ مع العمل السياسيّ الوطنيّ، وصعود رعيل جديد من القيادة الفلسطينيّة رأى في مشروع التنظيم الجماعيّ مشروعًا ملازمًا لفكرة التمثيل السياسيّ «.
ينطلق المؤتمر الجديد لمدى الكرمل في الربيع المقبل من مقولة ملخَّصُها أنّ الحقل السياسيّ الحاليّ يتأثّر على نحو كبير من نشوء علاقات قوّة اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة جديدة مع النظام السياسيّ، وذلك في السياق النيوليبراليّ، عزّزت صيرورة تفكُّك هذا الحقل على مستوى التنظيم، وتصاعدت فكرة التمثيل السياسيّ والتأثير على النظام السياسيّ من داخله، منطلقةً من خطابٍ مُفادُهُ أنّ زيادة التمثيل تزيد من التأثير، متجاهلةً الجوهر الاستعماريّ الذي يتّسم به النظام السياسيّ، وصعود دَوْر مواقع التواصل الاجتماعيّ وتأثيرها على الحقل السياسيّ الفلسطينيّ.
بناء على ذلك، يهدف المؤتمر السنويّ القادم لمدى الكرمل عام 2020 إلى تحليل العوامل التي أوصلت الحقل السياسيّ إلى الوضع الراهن من خلال تَقاطُعه مع المشهد الفلسطينيّ العامّ، وتحوُّلات المشهد الإسرائيليّ في السنوات الأخيرة، والمشهد في السياسات العالميّة، وذلك من خلال مقاربات نظريّة سياسيّة وسسيولوجيّة حول المَحاور التالية : أوّلًا: طرْح مقاربات نظريّة سياسيّة وتاريخيّة للحقل السياسيّ الفلسطينيّ الراهن، حيث يرمي إلى فهم مميّزات هذا الحقل، والعوامل التي تؤثّر على بنْيته السياسيّة والاجتماعيّة ومستقبله على ضوء التحوُّلات الداخليّة في المجتمع الفلسطينيّ، وعلاقته بالمشهد الفلسطينيّ العامّ وتشابكه مع المتغيّرات في المشهد الإسرائيليّ. ثانيًا: القيادة السياسيّة، أي محاولة فهم التغيُّرات التي طرأت على القيادة السياسيّة على المستوى القطْريّ والمحلّيّ، والعوامل التي تؤثّر على خطاب وعمل هذه القيادة. ثالثًا: الأحزاب السياسيّة بمعنى محاولة فهم دَوْر الأحزاب السياسيّة، ومَصادر ضعفها وتراجُعها، وعلاقة ذلك بمُجْمَل التغيُّرات التي طرأت على الحقل السياسيّ.