المؤتمر الفلسفي الاسباني المغربي بمدريد: العقل والعقيدة بين الضفتين

حجم الخط
0

المؤتمر الفلسفي الاسباني المغربي بمدريد: العقل والعقيدة بين الضفتين

عزيز الحداديالمؤتمر الفلسفي الاسباني المغربي بمدريد: العقل والعقيدة بين الضفتين ولقد تكلم معي بحرم مكة رجل يقال له القاضي عبد الوهاب الأزدي من أهل اسكندرية فقيه قد استحوذ عليه الشيطان بحيث صيره ان يعتقد أن الزمان فارغ من جميع المراتب في كل فن، وانما هي تلفيقات وخرافات، فسألت كم بلداً في معمور الأرض للمسلمين؟ فقال كثير، فقلت له كم دخلت منها؟ فذكر ستة بلاد أو سبعة، فقلت له: كم الخلق فيها؟ قال كثير، فقلت من أكثر الذي رأيت أم الذي لم تره؟ قال الذي لم أره، فضحكت وقلت له حد المعتوه الأحمق الذي يري الكثير ويبقي له القليل فيقيس القليل علي الكثير ويحمله عليه في الحكم .ابن عربي رسالة روح القدسربما ان هذه الصورة الملتبسة التي وصف بها ابن عربي الفقيه عبد الوهاب الأزدي، قد تصدق أيضا علي كل من يسعي الي تقديم مختصر للمؤتمر الفلسفي الاسباني المغربي، خاصة وأنه اختار تناول اشكالية العقل والعقيدة، أي الحكمة والشريعة بلغة القدماء. والملاحظ ان تعدد المداخلات واختلاف وجهة النظر لنفس الموضوع قد جعلنا نتيه ونحكم علي أنفسنا اما بالصمت أو باستحضار تلك الاراء التي تملكها الحفظ واستحوذ عليها الذهن، كما ينبغي استحضار تلك اللحظات الجميلة والنادرة التي عشناها في مدريد مدينة الجمال والجلالة، كم هو محير هذا الاختيار الذي يسعي الي الفصل بين لذة النظر، وعشق المكان؟ لكن ما هي الأسئلة والاشكالات التي تم تناولها خلال جلسات هذا المؤتمر الفلسفي، وكيف تم تناولها؟ أي هل هناك قاسم مشترك بين فلاسفة المغرب وفلاسفة اسبانيا؟، وبعبارة أخري هل رأي فلاسفة المغرب للعلاقة التي تجمع العقل والعقيدة هو نفسه رأي الاسبان لهذه العلاقة؟ وما هي الخلاصات التي توصل اليها كل منهما؟لعل أهم ما ميز جلسات هذا المؤتمر هو هيمنة روح الأندلس علي أغلب المتدخلين لأن العودة الي ذلك التراث المشترك والذي تمثل في تلك التجربة الرائدة التي تنساب كنهر من تبر في التاريخ والحضارة الانسانية، حيث تعايشت فيها الديانات وتحالفت فيها الحضارات وتجاورت فيها الثقافات انها تجربة ابن طفيل وابن باجة وابن رشد وابن عربي وغيرهم، هكذا تم استلهام أسئلة هؤلاء المفكرين والفلاسفة لا من أجل اعادتها وتحنيطها، بل من أجل النظر في امكانية صياغتها من جديد، وبخاصة اذا كانت ستفيد في تناول علاقة العقل بالعقيدة في راهننا. أمن الممكن اثبات رمزيتنا في الوجود ونحت هويتنا وتقوية حضورنا في الزمان وبعث ثقافتنا واحياء تسامح عقيدتنا من خلال العودة الي تراثنا المتنور الذي تمثل في روح الأندلس وتجليات الروح في التراث المشرقي؟ بامكاننا ان ننطلق من هذا الاشكال العام لنقترب أكثر من نداء العقل والعقيدة ونتمكن من القبض علي بعض الخلاصات التي جاءت في المحاضرات أو في تلك التعقيبات والأسئلة التي يطرحها الجمهور، لعل أهم خلاصة هي التي تجلت في الأسئلة التالية: ما العقل؟ وما العقيدة؟ وكيف يمكن الجمع بينهما؟ هل من خلال الاستفادة من التراث، ام بالعودة الي اقرار الاجتهاد، وصياغة آراء وتصورات جديدة تسعي الي تقريب الهوة بين البشر وخلق جسر للتسامح بين الديانات وتعايش الحضارات والآراء والأفكار، ولذلك فقد كان التواصل بين المتدخلين حاضرا، والرغبة في بناء مجتمع للجميع يسوده العدل والديموقراطية والكرامة، وعقيدة للفرد يؤمن بها لكي تحميه من ارتكاب الشر والايمان بالخير، لعل هذه الرغبة المشتركة قد دفعت بالمتدخلين الي الاستشهاد بابن رشد باعتباره يمثل روح قرطبة التي كان فيلسوفها يدعو الي فكرة العيش معا من خلال انسيابه في الأفق العبري مع ابن ميمون أو الأفق اللاتيني المسيحي مع توما الاكويني، لأن فيلسوفنا كان يقول: فبين أنه يجب علينا ان نستعين علي ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك في الملة، فان الآلة التي تصح بها التزكية لا يعتبر في صحة التزكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك اذ كانت فيها شروط الصحة، وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الاسلام. فصل المقال ص: 12.يتضح اذن كيف ان فيلسوفنا كان يدعو الي الانفتاح علي الافاق الأخري سواء كانت مشاركة له في الملة أو غير مشاركة، لأن الأهم هو اقتسام الحق معها في المعرفة، في العلم باعتباره سبيلا للتقدم والتألق في الحياة، ولذلك ينبغي: ان نضرب بأيدينا، كما يقول، الي كتبهم فننظر فيما قالوه من ذلك، فان كان كله صوابا قبلناه منهم وان كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه. فاذا فرغنا من هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلات التي بها نقدر علي الاعتبار في الموجودات ودلالة الصنعة فيها، فان من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع . هذا هو الفضاء العام الذي دارت فيه أعمال المؤتمر الفلسفي حيث تناول المتدخلون علاقة العقل بالعقيدة عند ابن رشد، أو عند ابن باجة وهناك من تناولها انطلاقا من المعتزلة والكندي والفارابي وهناك من فضل ان يتناول هذه العلاقة من خلال توما الاكويني وابن رشد.وقد تدخل من المغرب كل من:ـ محمد المصباحي: وحدة العقل بين ابن رشد وطوما الاكويني .ـ عبد السلام بن ميسة: دور الرشدية في تكوين فكرة اللائكية في أوروبا .ـ ادريس كثير: العقل من المعتزلة الي ابن رشد .ـ عبد الرزاق الدواي: القديس طوما الاكويني في الخطاب الفلسفي الحديث .ـ عزيز الحدادي: تحالف العقل والعقيدة عند ابن رشد وطوما الاكويني .ومن الجانب الاسبانيـ خوان مارطوس كيسادا: العقل والعقيدة في الأندلس .ـ الأ داي هيرنانديس لوبيز: العقل والعقيدة والفلسفة في الأندلس .ـ رفائيل كيريرو رامون: العقل والعقيدة: من العالم الاسلامي الي الغرب الأوروبي: قراءات .ـ جيوس فيكيرا مولين: العقل التاريخي لابن خلدون .ـ ريكاردو ألبير رانيا: مفهوم الدين في ملامح الاخوة بوريسا .ـ بيلار كونساليز: التدريس واللغة في الضفتين .ـ جوزيف بويج: بين رينان والأفغاني . وقد افتتح اللقاء بكلمات مشوقة من الجهات المنظمة، عميد كلية الفلسفة، ومدير مؤسسة الثقافات الثلاث، ومدير شعبة الدراسات العربية والاسلامية، ونائب عمدة فاس. وقد تغيب عن هذا اللقاء سفير المغرب باسبانيا.من المحتمل أن تكون الرحلة الي مدريد هي رحلة في الزمان من اجل الالتقاء بالحنين في أسمي لحظاته حيث كان للانسان العربي مقام هناك يستنشق هواء نهر الماء الجريد أي مدريد التي تحمل في كينونتها الجرح العربي وتحتفظ بالانقاض، عشق الانقاض باعتبارها دلالة ذات أهمية بالغة في احياء روح الحضارة، والتراث المشترك، وربما ذلك القدر الذي يجمعنا بجيراننا الاسبان، لا يمكنني أن انسي أسماء الأماكن بالعربية والأحياء ايضا: قرطاخنا، عصمان الجميل، الحي العربي…نعم لقد انتهت جولتنا في مدريد حين انغمسنا في عشقها وتذوقنا كشوفات أمكنتها وتهنا في عمرانها وودعنا امرأة عجوز شاهدة بصمتها علي تأملنا واحتراقنا بفراقها، ومن الممكن أن لا نراها في السنة المقبلة، ولكنها حملت معها صور لفلاسفة يرغبون في امتلاك الحق في العيش في مدريد باعتبارها ملكية ثمينة مشتركة للانسانية جمعاء، والمغاربة علي وجه الخصوص. وكم هو مؤلم أن تجد نفسك في المطار محاطا بالخوف تحمل معك ذكريات وصورا واحتراقا ناعما لا نملك الا أن نتوجه بالشكر الجزيل الي القديس الدكتور خوان مارتوس كيسادا وزوجته وأعضاء اللجنة التنظيمية لهذا المؤتمر وعميد كلية الفلسفة ومؤسسة الثقافات الثلاث وعمدة مدريد. اليهم جميعا نتوجه بنداء العقل الذي ينبغي ان يعود ويشيد جسرا للتواصل بين الماضي والحاضر، بين الحنين والعشق بين الوحدة والفناء. لأن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا.وما ذكرنا في هذه العجالة وان كان أصلا جامعا فانما يأخذ كل واحد منه ما يستعد له وما يساعد عليه وقته وحاله، كما يقول ابن عربي. كاتب من المغربQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية