المؤرخ المصري حسن عبد الوهاب و «تاريخ المساجد الأثرية»

حجم الخط
0

صدر حديثاً كتاب بالغ الأهمية هو «تاريخ المساجد الاثرية التي صلى فيها الجمعة صاحب الجلالة فاروق الأول» ومؤلفه هو الأثري الكبير المرحوم الدكتور حسن عبد الوهاب، والكتاب رقم 159 ضمن سلسلة «ذاكرة الكتابة» التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة. وحسن عبد الوهاب من رواد علماء الآثار الإسلامية وأحد أقطاب الفنون الإسلامية.
ولد عبد الوهاب في حي القاهرة القديمة عام 1898م حيث تكثر البيوت العربية القديمة ذات الطراز العربي الخالص وزخرفها المتميزة، وهو ما ترك أثراً لا ينكر في تكوينه الفكري.
نشأ في أسرة أزهرية حيث كان أبوه من علماء الأزهر، وقبله جده كان من كبار رسامي المصحف، حفظ القرآن الكريم وتلقى تعليمه الأولى في الزهر الشريف، ثم التحق بتجهيزية دار العلوم بعدها بدأ العمل بلجنة الآثار العربية مبكراً، وذلك في عهد السلطان حسين كامل، وقد أتيح لحسن عبد الوهاب فرصة ذهبية بالعمل و التتلمذ على أساطين الآثار الإسلامية من الأوربيين الذين عملوا في مصر مثل: عالم الآثار السويسري هرتز بك، وأيضاً عالم الآثار المصري الرائد محمد باشا أحمد – وهو أول من تولى رئاسة لجنة الآثار العربية من المصريين- كما حظي بالقرب من الآثاري الشهيرغاستون فييت مؤلف كتاب: «القاهرة مدينة الفن والتجارة».
وقد عمل الدكتور حسن عبد الوهاب مفتشاً للآثار حتى أحيل للتقاعد عام 1958م. ومما ميز عبد الوهاب عن غيره من الآثاريين تمتعه بعدد من الملكات ومن بينها إجادته لفن التصوير الفوتوغرافي في وقت كانت أدوات هذه المهنة ليست بالهينة بسبب بدائية آلات التصوير آنذاك.
وخلال رحلة عبد الوهاب العملية تمكن من العثور على عدد من الآثار النادرة ومنها: محراب المعز لدين الله بالأزهر الشريف، وأيضاً كشف تابوت المشهد الحسيني، بجانب الكشف عن فسيفساء قبة الصالح نجم الدين أيوب، بجانب اكتشاف العديد من القطع الفنية النادرة المحفوظة بمتحف الآثار الإسلامية بالقاهرة، ومن اكتشافاته النادرة إماطة للثام عن شخصية مهندس مدرسة السلطان حسن. ومن مظاهر نشاط حسن عبد الوهاب الدؤوب أنه كان: عضواً بلجنه التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، عضواً بمجلس الإدارة في جمعية الجغرافية، عضو باللجنة التاريخية المصرية، عضواً بلجنه المقتنيات، عضواً بلجنة المتحف البحري، عضواً بلجنة المتاحف بوزارة الثقافة والإرشاد، وخبيراً بمجمع اللغة العربية، وخبيراً فنياً للشئون الأثرية بالمكتب المعماري الهندسي لإصلاح قبة الصخرة بالقدس، وأيضاًعضواً بلجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، كما منحته الدولة جائزتها التقديرية عام 1968م بعد وفاته بعام. لم يقتصر نشاط حسن عبد الوهاب على العمل بمجال التفتيش الاثري بل خاض مجال التأليف في مجال الآثار ومن بين مؤلفاته بجانب الكتاب المذكور في صدر المقال: كتاب بعنوان «رمضان» وآخر عن «تخطيط القاهرة وتنظيمها» وأيضاً «تاريخ الشرطة في العصر الإسلامي» وكذلك «العمارة في عصر محمد على» ومن أهم كتبه «جامع السلطان حسن وما حوله». كما كتب سلسلة طويلة من المقالات حول الآثار الإسلامية بجريدة الاهرام خلال الفترة من عام 1937 إلى عام 1960.
وقد ذكر البحث يسري عبد الغني أن حسن عبد الوهاب قد حاضر في العمارة الإسلامية بأكثر من هيئة علمية منها: كلية الدراسات العربية والإسلامية ـ جامعة الأزهر الشريف، حيث عمل مدرسًا لتاريخ المساجد به. وبعيدًا عن المناصب الحكومية الزائلة فقد كان الرجل خبيرًا فنيًا متميزًا، باحثًا من طراز فريد، فقد أحب الآثار الإسلامية حتى أصبح متيمًا بها ، عاشقًا لها ، وبالتالي كان موسوعيًا بمعنى كلمة الموسوعية في العمارة الإسلامية .كما زار عددًا من الدول الأوربية والعربية والإسلامية مشاركًا في العديد من المؤتمرات الدولية المهتمة بالآثار الإسلامية ، بالإضافة إلى قيامه بكثير من المهام الحكومية طوال فترة عمله بالحكومة المصرية .
أما عن كتاب المساجد الاثرية فيعد أهم مؤلفات حسن عبد الوهاب وقد نوه في صدر الكتاب بجهود فاروق الأول في رعاية الآثار العربية وخاصة المساجد التي كانت العناية تلحق بها فور وضعها على خريطة صلوات الجمعة التي كان يقوم بها الملك في مساجد شتى في انحاء القاهرة وخاصة المساجد الاثرية وهو ما أدى لترميم عدداً هائلاً منها.
وقد قسم حسن عبد الوهاب إلي مجلدين المجلد الأول هو عبارة عن دراسة مفصلة للمساجد التي صلى فيها الملك فاروق الجمعة وقد صدرها بتمهيد عن نشأة المساجد، وضح فيها الفارق بين المسجد والجامع، حيث أن المسجد هو كل مكان أو موضع يتعبد فيه المسلم واستند لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا» أما الجامع فهو مسجد كبير تؤدى فيه صلاة الجمعة، وفي صدر الإسلام كانت المساجد في مصر منتشرة في المحلات التي استقر فيها المسلمون وتخصص للصوات العادية اما صلاة الجمعة فكانت تتم في مسجد المدينة الكبير وعلى سبيل المثال العاصمة المصرية في العهد الإسلامي في عصر الولاة كان مسجد عمرو هو المسجد الجامع ثم اضيف غليه مسجد جامع آخر بناه والي مصر صالح بن على عام 361هـ (971م) في مدينة عسكرية بنيت قرب الفسطاط، فلما جاء احمد بن طولون بنى مسجده الكبير وجعل الجمعة في جامع عمرو وجامعه فقط، ولما قامت الخلافة الفاطمية صار الازهر ثالث المسجد الجامعة. ومع قيام الدولة الأيوبية ظهر نمط جديد من العمائر الإسلامية وهو المدارس التي كان الغرض منها تصفية المذهب الشيعي ونشر المذهب السني من جديد في مصر ومن بين المدارس الكثيرة التي بناها المدرسة الناصرية بجوار جامع عمرو، وكان للمدرسة وظيفة مزدوجة حيث كانت مكان للصلاة وأيضا مكان للتدريس وتلقي العلم ومن ثم كان لها دورا كبيرا في نهضة مصر العلمية في العصر الأيوبي وما تلاه في العصر المملوكي خاصة بعد كثرة هجرات العلماء إلي مصر بعد سقوط جل الاندلس في يد الاسبان وانهيار سائر الشرق حتى بلاد الشام أمام مطرقة المغول.
وقد ميز حسن عبد الوهاب بين المسجد الجامع والمدرسة ، فالمسجد الجامع يكون له أربعة أيوانات مسقوفة في الغالب ومحمولة على عقود ويتوسط الأيوانات الأربعة صحن مكشوف في وسطه فسقية. أنا المدرسة فكانت تشتمل على ايوانين أو أربعة إيوانات معقودة متقابلة تكون شكلا متعامداً أكبرها إيوان المحراب وأصغرها إيوانين الجانبين وبينهم صحن مكشوف وسطه فسقية عليها قبة، ويلحق بالمدرسة قبر المنشئ، غير أنه في القرن التاسع الهجري غلبت عمارة المدارس على تصميم المساجد وصار التمييز بين المسجد والمدرسة مرتبط إلي حد كبير بوظيفة البناء لا إلى تصميمه.
وقد راعي عبد الوهاب في ترتيب كتابه العامل الزمنى من حيث البناء فبدأها بجامع عمرو بن العاص وتلاه بجامع أحمد بن طولون وختمها بجامع محمد علي بالقلعة. وقد وضع منهجاً ثابتاً لدراسته للمساجد بأن يبدأ بنبذة عن منشأ المسجد ثم إنشاء المسجد وبعد ذلك يبدأ في وصف المسجد حال الإنشاء ثم يتتبع التطور التاريخي لعمارة هذا المسجد وسعته وتخطيطه وما بذل من جهد في إصلاحه وتجميله وفي نهاية الحديث عن كل مسجد كان يشير لزيارة الملك فاروق له وصلاته الجمعة فيها وعلى سبيل المثال في آخر الحديث عن جامع عمرو و حول سبب صلاة الملك فاروق للجمعة الأخيرة من رمضان كل عام في مسجد عمرو أنه تكريم لعمرو بن العاص باني المسجد إذ يقول: «ولعمري أنه لتكريم خليق بهذا القائد العظيم خصوصاً أن يرأس هذا الاحتفال فاروق الأول حفظه الله وادام ملكه السعيد» .
وفي نهاية دراسة جامع أحمد بن طولون يقول: «في عهد الملك فاروق الأول أصلح كثير من الشبابيك الجصية كما أصلح المحراب المستنصري …….. وما زالت أعمال الإصلاح جارية به. وهكذا يتمم الفاروق حفظه الله ورعاه ما بدأه والده العظيم وينفذ رغبته» مثالث الث وأخير حين تحدث عن مسجد جاني بك الأشرفي يقول: «وفي عهد الملك الصالح فاروق الأول أصلحت الارضيات الرخامية».
أما القسم الثاني من الكتاب فيشمل مجموعة صور فوتوغرافية قام حسن عبد الوهاب بتصويرها بنفسه وانتقي افضلها، وأوضح أن المخططات التي وجدت في الجزء الأول متناثرة مصدرها أرشيف لجنة حفظ الآثار العربية وهذا دلالة على أمانة واكاديمية حسن عبد الوهاب برد الفضل إلي أهله بالرغم من أنه بالطبع شارك في إعداد هذه المصورات، أما ما وجد في الجزء الثاني فقد حرص فيه على إظهار العمارة الإسلامية بكافة تفصيلها وهي تحتوى على وجهات ومناظر داخلية لتلك المساجد كما حوت كثيراً من التفاصيل المعمارية التي تساعد على تبيان دقائقها واجتلاء محاسنها.
ومن نماذج الصور التي وضعها في الكتاب نماذج للواجهات والأبواب والقباب والمنارات والمصاريع الخشبية المطعمة بالسن والمكسوة بالنحاس والزخارف المنقوشة على السن والخشب والرخام والحجر والجص بجانب مجموعة كبيرة من المنابر والسقوف والمحاريب والوزرات والأرضيات الرخامية والبابيك النحاسية والجصية والكتابات الكوفية والثريات والمشكوات ولم يفت حسن عبد الوهاب ان يشير لفضل فاروق في رعاية هذه الآثار كما فعل في الجزء الأول قائلاً : «إذا كان لمنشئ هذه الآثار فضل تشيدها فللبيت العلوي الكريم فضل المحافظة عليها وصيانتها». والكتاب بحق وثيقة تاريخية آثاريه ثقافية بل وسياسية عالية القيمة، تضمنت الكثير والكثير عن المساجد والجوامع التي تحدث عنها وزاد عليه انه كان صورة حية صادقة موثقة عن رعاية الاثار العربية في النصف الأول من القرن العشرين برعاية الأسرة العلوية ، وقد ضمنها عدداً من البيانات الهامة المتعلقة بالإنفاق على الاثار مثل حديثه عن تجديد مسجد وقبة الغوري قائلاً :»وقد عنيت لجنة حفظ الآثار العربية بإصلاح المسجد والقبة وملحقاتها، فأجريت بهما إصلاحات من سنة 1902-على 1907 بلغت قيمتها 3332 جنيهاً مثال آخر يتعلق بمسجد أبو العلا ببولاق فيذكر أن تجديد هذا المسجد تكلف 17000 جنيه مصري وذلك حين تفضل صاحب الجلالة فاروق الأول بافتتاحه بأداء الصلاة فيه يوم 15 ربيع الأول سنة 1355هـ (5 يونيو سنة 1936م).

٭ كاتب مصري

حمد فوزي رحيل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية