القاهرة ـ «القدس العربي»: واصلت المؤسسات الدينية في مصر معركتها ضد الداعين للمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث. وقال محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، إن «أحكام المواريث وأنصبتها الشرعية حددها القرآن الكريم وفصلها تفصيلا وبينها بيانا لا إجمال فيه».
وأضاف في بيان أمس الثلاثاء، إن «أحكام المواريث أجمع عليها أهل العلم على مدار تاريخنا الإسلامي، الذي يزيد على 1400 عام من العمل والتطبيق، واستقر عليها عمل الأمة، وهي من باب الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان».
وأشار إلى أن «الفقهاء والعلماء ذكروا في شأن توزيع هذه الأنصبة الشرعية وبيان حكمها ما لا لَبْس فيه».
واعتبر أن «أي محاولة للمساس بالأنصبة الشرعية التي حددها القرآن الكريم، والسُنة النبوية المشرفة وسار عليها الصحابة والتابعون والعلماء والفقهاء عبر هذا التاريخ الطويل للأمة، هو مساس بثوابت الدين، ويفتح الباب أمام جماعات التطرّف والإرهاب التي تسوق نفسها ظلما وزورا على أنها حامية حمى الإسلام في مواجهة المفرطين في ثوابته».
وحذر مما سماه «الوقوع في هذه الفتن التي عافانا الله منها، أو أن يعمل أحد منا على تبرير ما لا وجه لتبريره».
وتابع: «لنمض إلى الأمام في الدعوة إلى القيم النبيلة ومكارم الأخلاق، وغرس قيم التسامح وفقه العيش المشترك، والحث على العمل والإنتاج والإتقان، وتصحيح الصورة الذهنية الخاطئة التي تكونت عن مجتمعاتنا المسلمة جراء ما أصابها من تشويه الجماعات الإرهابية المتطرفة، وأن نفرق بين الثابت وبين المتغير القابل للاجتهاد العصري المستنير، بما يحقق صالح البلاد والعباد».
كذلك أصدرت هيئة كبار علماء المسلمين في الأزهر بيانا أعلنت فيه رفضها لدعوات المساواة في الميراث.
وقالت في البيان «خلال الفترة الأخيرة، زاد تجاوز المضللين بغير علم في ثوابت قطعية معلومة من الدّين بالضرورة، ومن تقسيم القرآن الكريم المحكم للمواريث، خصوصًا فيما يتعلَّق بنصيب المرأة فيه، والذي ورد في آيتين مُحكمتين مِن كتاب الله المجيد في سورة النساء، وهو أمر تجاوزت فيه حَمْلة التشنيع الجائرة على الشَّريعة كل حدود العقل والانصاف».
«عقول قاصرة»
وأضافت: «سولَت لبعض الناس عقولهم القاصرة، وخيالاتهم البعيدة عن الشرع وأحكامه، أن الإسلامَ ظلم المرأة حين لم يسَوِّ بينها وبين الرجل في الميراثِ تسويةً مطلقةً، وأنه ينبغي أن تأخذ المرأة المظلومة في زعمِهم مثلَ ما يأخذ الرجلُ، لا يتميز عنها في شيء».
وزادت: «بناءً على تلكَ الخَيالاتِ المُناقِضةِ لقطعيَّاتِ القرآنِ ثبوتًا ودَلالةً، التي يَحسبُها أصحابها انتصارا لحقوقِ المرأة؛ جهلا منهم بالتفاصيلِ الحكيمةِ لصُوَر ميراثِ المرأةِ في الإسلامِ، والتي تأخُذُ في بعضِها أكبر مِن نصيب الرجلِ، بل أحيانًا ترث ولا يرث الرجل؛ فإنهم راحُوا يُطالِبونَ هنا وهُناكَ بسَنِّ قوانينَ تلزِم بالتسوية المطلَقةِ بينَ المرأة والرجل في الميراث، ضاربينَ بأحكامِ القرآن القطعيَّةِ المُحْكَمة عرْض الحائطِ!».
وزير الأوقاف: أحكام المواريث لا تتغير مع الزمن… وهيئة كبار العلماء تحذر من الفتنة
وتابعت: «انطلاقًا مِن المسؤوليَّةِ الدِّينيَّةِ التي اضطلع بها الأزهرُ الشريفُ منذُ أكثرَ مِن ألفِ عامٍ إزاءَ قضايا الأُمَّتينِ العربيةِ والإسلاميَّةِ، وحِرْصًا على بيانِ الحقائقِ الشَّرعيَّةِ ناصعةً أمامَ جماهيرِ المسلمينَ في العالَمِ كلِّه؛ فإن الأزهرَ الشَّريفَ بما يَحمِلُه من واجبِ بيانِ دِينِ الله تعالى وحراسة شريعته وأحكامه؛ فإنه لا يَتَوانَى عن أداءِ دَورِه، ولا يتأخَّرُ عن واجبِ إظهارِ حُكمِ الله ـ تعالى ـ للمسلِمينَ في شتَّى بِقاعِ العالمِ، والتعريفِ به في النَّوازلِ والوقائعِ التي تَمَسُّ حياتَهم الأُسَريَّةَ والاجتماعيَّة».
واكدت أن «النصوص الشرعيةَ منها ما يقبل الاجتهاد الصادر من أهل الاختصاصِ الدّقيق في علومِ الشريعة، ومنها ما لا يَقبل ذلك، فالنصوص إذا كانَت قطعيّةَ الثبوت والدلالة معًا فإنها لا تحتمل الاجتهاد ولا تقبل التغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وذلكَ مثل آيات المواريثِ الواردة في القرآن الكريمِ، والتي يحاول البعض الآنَ العبث بها وإعادةَ تقسيم ما ورد بها مِن تحديد أنصبة على ما يراه هو، لا على وَفقِ ما جاءَت به الشريعة من أحكام ثابتة بنصوص قطعية الثبوتِ قطعية الدلالة بلا ريب، فلا مجال فيها لإعمالِ الاجتهاد».
ضرب استقرار المجتمعات
وأشارت إلى «أن الأزهر الشريف أكد قبل ذلك مرات عديدة أن هذا النوع من الأحكام لا يقبل الخوض فيه بخيالات جامحة وأطروحات تصادم القواعد والمحكمات، ولا تستند إلى علم صحيح، فهذا الخوض بالباطل من شأنه أن يستفز الجماهيرَ المسلمة المتمسكةَ بدِينِها، ويفتحَ البابَ لضرب استقرار المجتمعات، وفي هذا مِن الفسادِ ما لا يَخفَى، ولا نتمناه لأحد أبدًا».
وشددت على أن «النصوص الظنية الدلالة، فإنها تقبل الاجتهاد والنظر، غير أن الاجتهاد فيها مقصور على أهل الاختصاص المشهود لهم بسعة العلم وبالدِّين والورع».
وحذرت هيئة كبار العلماء «المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من هذه الفتنة ومن دعاتها»، وأعلنت «رفضها رفضا قاطِعا أيَّ محاولة للمَسَاسِ من قريب أو بعيد بعقائد المسلمين وأحكام شريعتهم، أو العبث بها».
واختتمت الهيئة بيانها: «ليعلم الجميع أن رسالة الأزهر الشريف، وبخاصةٍ ما يتعلَّق منها بحراسةِ أحكام دين الله وبيانها للناس، هي رسالة عالمية لا تَحدها حدود جغرافية، ولا توجهات عامة أو خاصة، يتحمل عبئها رجال من «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ».
مجمع البحوث الإسلامية، التابع لمؤسسة الأزهر، أشاد ببيان هيئة كبار العلماء، وقال الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية محيي الدين عفيفي عبر الصفحة الخاصة للمجمع الإسلامي، على «الفيسبوك»، إن «هيئة كبار العلماء برئاسة فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر أكدت في بيانها أن الأزهر الشريف يعمل على حراسة أحكام دين الله وبيانها للناس؛ ضمن رسالته العالمية التي لا تَحدُّها حُدُود جُغرافية، ولا توجُّهات عامة أو خاصة، يتحمَّلها علماء الأزهر الشريف المشهود لهم».