المؤسسة الدينية والتدين في الغرب
د. عزالدين عنايةالمؤسسة الدينية والتدين في الغرب من الصواب عند تناول سوسيولوجيا الدين في الغرب التمييز بين قطاعي: المؤسسة الدينية كجهاز وظيفي توظيفي والتدين كظاهرة اجتماعية، معبرة عن تجربة روحية داخل وعي الفرد، لما بينهما من تغاير ولغرض الالمام الموضوعي والجلي بالأمر.ففي الراهن الحالي تتلخص مجمل الاشكاليات التي تواجه المؤسسة الدينية الغربية، في مصدرين أساسيين: يعود الأول، الي فلسفة الدوغما التي تصوغ الرؤي وتحكم التوجهات وتضبط المواقف؛ والثاني، الي مظاهر تجليات فعل المؤسسة ونشاطها، وما تمليه عليها تاريخيتها الداخلية من جدل مع الأوضاع المحيطة بها. في ما يتعلق بفلسفة الدوغما، التي لا تزال تميز أكبر أجنحة المؤسسة الدينية الغربية، ألا وهي الكنيسة الكاثوليكية، برغم ما تتحدث فيه عن نفسها، وتسعي لاقناع الخارج به، من قطع شوط في التطور اللاهوتي والتبدل، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 ـ 1965)، لم تغادر بؤرة مقولاتها القروسطية، المتلخصة في مقــولة لا خلاص خارج الكنيسة extra ecclesiam nulla salus ، في موقفها من الأديان الأخري. وارتباط المؤسسة الدينية المتين بجهاز الفعل السياسي، برغم ما هو شائع ظاهريا من فصل بين الدين والدولة، حولها الي مشهد اعلامي بارز موظَف، مولدا ذلك الارتباط خضوعا لمغريات الآلة المشهدية، التي أثرت علي استقلالية الرسالة الروحية، وأغرقتها في مُرائية تتناقض مع الشهود الفعلي لرسالة الناصري. ذلك الولاء الذي ارتضته المؤسسة جعلها تتطلع الي كسب سلطة خلقية، علي المجال الديني العالمي، تحوز فيه المرجعية العليا لكافة الأنماط الدينية، تماثل هيمنة الآلة السياسية البراغماتية، علي مجالي المصالح والمنافع. تتكفل فيها بفرز المشروع من اللامشروع، والصائب من الخاطئ، في حقلي الروحي والخلقي، وهو ما لخصه اللاهوتي الألماني السويسري المنشق هانس كونغ بالسعي لكسب احتكار الحقيقة المتعالية.فحين تصير الدوغما وأخلاقياتها مشروطة، وجودا وعدما، بقوي زمنية تقدر قدرها، تكون عرضة لاندماج كلي ضمنها، مهما نأت ظاهرا عن ذلك، ومهما تظاهرت بالاستقلالية والحياد. والموقع الذي تضع المؤسسة الدينية نفسها اليوم فيه، ضمن لعبة آلة الهيمنة السياسية العالمية، أملي عليها عرض وجه انساني مسالم بنسق ديني مشروط بغيره، يتخفي فيه قبح وعنف آلة استغلال سياسية جبارة، تحركها وغيرها من الأدوات التابعة. فالشر لا يستطيع أن يأتي عاريا بل عادة ما تصحبه خلقية يلتف بها ولو كانت نقيضا لما يفعل.وفي الزمن الذي ترتدي فيه المؤسسة الدينية ثوب ديمقراطية الاطار السياسي والحضاري الذي يحويها، تحـــاول التعــامل مع غيرها من الديانات والفضاءات الحــضارية بمنــطق البطرياركية. جاء في وثيقة صــادرة عن مجمــع عقيدة الايمان ـ Congregazione per la Dorina della Fede ـ، وهي أعلي الهيئات الفاتيكانية الساهرة علي العقيدة، ضمن تصريح Dominus Iesus ، بامضاء مفتش العقائد السابق، الكردينال جوزيف راتزينغر، الذي يشغل منصب الحبر الأعظم في حاضرة الفاتيكان في الراهن: بالتأكيد، تحوي مختلف التقاليد الدينية وتوفر عناصر دينية، متصلة بالله، وتمثل جانبا من عمل الروح القدس في قلوب البشر وفي تواريخ الشعوب والثقافات والأديان. فبالفعل، يمكن أن تؤدي، بعض الصلوات والطقوس في الأديان الأخري دورا في التحضير الانجيلي، بصفتها فرصا أو بيداغوجيات، تتأهل من خلالها القلوب للانفتاح لعمل الرب. لكن في حد ذاتها، لا يمكن نسبة أصلها لله ولا يمكن أن تتوفر فرص خلاص عبرها، بصفة الأمر حكرا علي الأسرار المسيحية، فلا يمكن تجاهل أن الطقوس الأخري، الممتزجة بالخرافات والأغاليط، تمثل عقبة فعلا أمام الخلاص .فلئن تشهد المؤسسة تطويرا لنشاطها وتوسعا لنفوذها، غربيا وعالميا، فانه لم تصحبها انتعاشة للتدين في الداخل، برغم ما قد يتبادر للذهن من ارتباط آلي بينهما. فقد صارت الكنائس والشعائر والصلبان و الخرجات ـ المواكب الدينية التي تجتاح الطرقات الغربية أحيانا ـ فلكلورا شعبيا، كما أصبح رواد الكنائس، من السياح لا العباد، تجلبهم أشهر اللوحات والرسوم الفنية، التي تغص بها الكنائس لا أداء الصلوات أو القداس. كما تراجعت المفاهيم والمعاني الدينية في الواقع العملي بشكل لافت، وهنا اشكالية علاقة الدين بالتدين في الغرب، قلة من تراعيه وقلة من تسعي للاهتداء بتعاليمه، ولكن مقابل ذلك هناك نواة مؤسسية تستميت علي تأكيد حضوره الرمزي في الحياة. وهو ما يمكن تلخيصه بنفوذ حضور المؤسسة وتحلل التدين.في الوجه الآخر لنشاط المؤسسة الدينية في الغرب، منذ أن أعيد رسم علاقة الكنيسة بالدولة، علي اثر معركة الفصل الدامية بينهما، تم تدشين الف جديد، حصلت علي اثره تركيبة جديدة في علاقة الديني بالمدني، لا تستند للاقصاء بل الي التنسيق وتقاسم الأدوار. التزمت المؤسسة الدينية فيها بأنشطة فاعلة داخل النسق الاجتماعي العام، لعل أبرزها اسداء نعوت القداسة و التطويب ، التي تمنح لاضفاء الكاريزما علي بعض الأفراد لغاية تمرير خط ايديولوجي من ورائهم. لذلك يلاحظ الكم الهائل ممن أعلنهم البابا الراحل كارول ووجتيلا قديسين ومطوبين، بلغت أعدادهم بالتوالي 476 و 1314، في حين لم يتجاوز مجموع ما أقره البابوات السابقون، عبر تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، 300 قديس و1310 مطوبين.كما احتفظت الكنيسة بدور خلقي في السياسة، غالبا ما قادته تنظيمات كنسية عالمية شبه حزبية مثل: أوبوس داي و فكولاري و سانت أيجيديو و كومونيون وليبرسيون و رينيوم كريستي و ليجيوناري كريستيس ، تدعم تكتلات دولية أو تساند أحزابا أو تساهم في انشاء تحالفات، مع تجنب الاغراق المباشر في الفعل السياسي. وقد وجدت الكنيسة نفسها، ضمن هذا الدور، أقدر فعلا علي التأثير في المجالات الاجتماعية والسياسية، في مختلف التكتلات السياسية من أقصي يمينها الي أقصي يسارها، في الداخل والخارج.وضمن لعبة تقاسم الأدوار تلك، احتفظت الكنيسة بدور في غاية الخطورة، في مجال السياسة العالمية، يدعم ويخدم الاستراتيجية الغربية العامة، خصوصا فيما اتصل منه بانتقاد الكتل الحضارية الكبري المشكلة للعالم: كالكتلة الاسلامية، والكتلة الكنفشيوسية، والكتلة الهندية، والكتلة المسيحية الأرثوذكسية، التي لا زالت تعاني تناقضا مع الكنيسة الكاثوليكية.فقد خلصت المؤسسة الدينية أن مهمتها في مواجهة التحديات الدينية والحضارية الخارجية، وأنه لن يتيسر لها ذلك الا بدعم من قوي الفعل العلماني، عبر مسايرتها والتنسيق معها، وتجنب أي تناطح في ذلك. وحتي وان اختلفت معها في الموقف من بعض أمور الشأن الداخلي الغربي، كما تجلي من خلال رفض مسودة الدستور الأوروبي الذي يساوي بين المسيحية والديانات الأخري بالقارة الأوروبية، أو من حيث التحكم ببعض الفضاءات وصبغها بصبغة دينية أو الهيمنة عليها، فانها تتحاور معها وتضغط بوسائلها، وتتجنب أي تعنت متشدد معها.كما تبقي نظرة تلك المؤسسة احتكارية للفضاء الاجتماعي المهيمنة عليه، لذلك برغم أن الاسلام مثلا يمثل الديانة الثانية في عديد البلدان يبقي غير معترف به في العديد منها، كديانة قانونية، ويتعمق ذلك في البلدان ذات التقليد الكاثوليكي، فمثلا في ايطاليا التي تجمع أكثر من مليون مسلم يبقي مسجد المركز الاسلامي بروما الوحيد المعترف به قانونيا، وتبقي كل المساجد الأخري غير قانونية، تلك احدي تناقضات الديمقراطية الغربية عندما يتعلق الأمر بأتباع الرسول محمد (ص).وتحاول المؤسسة الدينية، في التاريخ المعاصر، وخصوصا منها تفرعها الكاثوليكي والانجيلي الأمريكي، أن تبقي الحربة المتقدمة للغرب في الاشارة أو التنديد أو التنبيه للعقل السياسي، من نقاط الحذر والانتقاد للعالم الاسلامي أو العالم الكنفشيوسي وغيرها من الفضاءات الحضارية الخارجة عن سيطرتها وهيمنتها. فنظرا لما تملكه تلك المؤسسة من مقدرات علمية، ومراصد دبلوماسية، وارتباطات مع أقليات دينية، كما الشأن في العالم الاسلامي، تحاول من خلالها صنع الحدث الاشكالي الذي يُنتَقَد منه. وضمن لعبة التوظيف تلك، نجد مسيحيي الشرق غالبا ما أخطأوا التقدير، حين اعتبروا الغرب حامي المسيحية، ولم يدركوا أنه مجموعة من المصالح الوطنية المختلفة، استغلت مسيحيي الشرق لتفتيت الامبراطورية العثمانية سابقا، وفي أيامنا لصياغة توازنات قوي لصالح الغرب في منطقة الشرق الأوسط الحساسة.أما في ما يتعلق بمسألة التدين في الغرب سأتناول الأمر من خلال معاينات مباشرة للفضاء السوسيوديني: لقد لفت انتباهي الالحاح المفرط في السنوات الأخيرة علي الهوية الدينية اليهودية المسيحية، والأمر ما كان مطلبا شعبيا بل مطلبا مؤسسيا، وكأن هناك هاجسا بتآكل الهوية وبتهديد صامت وخفي لها. لذلك يشتد الاصرار علي تثبيت الرموز الدينية بشتي الأشكال. وأنا جالس أفكر في صياغة هذا المقال، في احد المقاهي المطلة علي ميدان بيازا دلا ريبوبليكا في وسط روما، لفت انتباهي شعار مكتوب بالحرف البارز، متكرر علي أطراف عديد الحافلات روما مدينة مسيحية ، فارتبط في ذهني تخيل ذلك الشعار مرسوما علي حافلات القاهرة أو الجزائر أو دمشق، فماذا سيكون رد فعل السائح الأجنبي، هل سيختزل ذلك في انتشار الأصولية والتشدد، أم سيعتبر ذلك من باب التعبير عن هوية البلد والمحافظة عليها لا غير؟ في مقابل ذلك الالحاح الرمزي الذي تبثه المؤسسة، ألتفت لحضور الدين في الأفراد، فاذا القلوب صحاري قاحلة، تواري منها التدين بمدلوله الروحي الطهري، وصار الفرد في لهث متواصل لتحقيق متعه وكسبه المادي، دون مراعاة قيم الدين وتعاليمه. وحتي بعض الممارسات التي توحي في الظاهر بمدلول ديني، تأتي متناقضة أصلا مع حقيقتها، فعقود الزواج التي تعقد في الكنائس، بعد دفع أجرتها بحسب أسعار الكنائس الفخمة الباهظة والشعبية الأقل تكلفة، حيث تدخل العروس مرتدية الحجاب الأبيض، رمز العفة والعذرية والطهارة من الخطايا فيما مضي، والذي صار شاهدا علي تقليد اجتماعي مفتقد لمضمونه؛ وبالمثل طقوس الممات، المدفوعة الأجرة أيضا، فهي تؤدي علي الموتي من الملاحدة والمضادين للكنيسة أيضا، والأمر ليس من باب التسامح والرحمة والعفو، بل يجري ضمن نسق دورة اجتماعية تقليدية تستوجب وتستدعي القيام بتلك المراسم لا غير، وفي حل من أي ارتباط ولائي لعقائد المؤسسة. الأمر شبيه أيضا في ما يتعلق بطقس التثبيت ، الذي يمارس في الكاثوليكية علي الصبية، وهو طقس يلي طقس التعميد، فغالبا ما يتم اختيار أميمة، بمثابة أم رمزية، للصبي أو الصبية، تكون رفيقة وأنموذجا اجتماعيا ودينيا للمثبَت أو المثبَتة، والحال أن المهدي والمهتدي في قارب التيه معا. لقد اشتكت لي أميمة، قائلة: ماذا سأعلم هؤلاء الصبية دينيا وأنا ملحدة أرفض الكنيسة وتعاليمها وقد تم اختياري لأداء تلك المهمة!؟ذلك الحضور الشكلي والفلكلوري للدين، والذي صار سائدا، أفقد الممارسات الدينية معناها، حتي تقلصت أو كادت تنعدم حدود الفصل بين المقدس والمدنس. فقد صادف أن دخلت يوما مرحاضا في منزل عائلة ايطالية لقضاء حاجتي، فهالني ما رأيته، وجدت الكتاب المقدس، بشقيه: العهد القديم والعهد الجديد داخل بيت الراحة، سألت عن سبب تواجده فقيل لي يُتلهي بقراءته أثناء التغوط!عملية تفريغ المقدس من شحناته، المتمثلة في المهيب والعجيب والغريب، بحسب تعبير أوتو رانك، حولت الرمز الديني في الغرب الي معتاد اجتماعي، فأن تمارس مومس الفحش وتحمل الصليب في رقبتها، ما عاد يمثل تناقضا مع أبعاد الدين الخلقية، بل صار معبرا عن واقع فراغ المقدس من شحناته وعليائه ونقاوته، مما حوله الي متاع دنيوي مبتذل.والحقيقة أن الواقع السوسيوديني الغربي يدفع الانسان بعنف نحو تفريغه من التدين، ان لم نقل باتجاه الالحاد والعداء للدين. فالدين المؤسسي واهية صلة ارتباطه بالفرد، وفي مقابل ذلك يربطه جسر متين مع السلطة ومراكز النفوذ، من خلال تقاسم أدوار لدفع التحديات الآتية من الدوائر الحضارية الخارجية، ولعل دائرة الحضارة الاسلامية هي أشد ما يقلق الغرب اليوم. ويتجلي اغتراب المؤسسة الدينية في الغرب عن جحافل المسيحيين في تناقض المواقف بينهما مما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية، في شؤون الطلاق والزواج والأسرة والحياوة الخلقية البيوايتيك والاعتراف بزواج الجنسيين المثليين، خصوصا في جنوب أوروبا، وما تلاقيه من تشدد ومطالبة بالتسريح بينهما.والنمط الذي خلفه استهلاك الدين لم تنحصر آثاره بالمجال الداخلي، بل انعكس ذلك أيضا علي رؤية الآخر، فالغربي من داخل تجربة الدين المأزومة لديه يتعامل مع الأوضاع الدينية الخارجية، فهو لا يتصور تواجد علاقة اجتماعية دينية عادية ومتزنة تتجاوز ما اختبره تاريخيا وما يعيشه حاليا. لذلك بمجرد تطلع الغربي علي فضاء ديني خارجي تحضر لديه اشكالياته الداخلية المتراكمة مع الدين ليتصورها اشكاليات كونية، وعادة ما ينجر عن احتكاكه بالآخر أن يتبدل أكثر عنفا وحنقا، لما صيغت حول ذلك الآخر تاريخيا من صور نمطية ولما رسمت بشأنه عديد اللوحات البشعة، لذلك تري الغربي أكثر شراسة في انتقاد المقدس الاسلامي من انتقاده مقدساته الداخلية، نظرا لما يرتبط به دين الآخر من عداء وصراع في لاوعيه التاريخي، وكذلك لضعف الحماية المؤسسية للدين الخارجي المتواجد بالداخل.فعلاقة المجتمع بالدين لدي الآخر، غالبا ما تشابه الأمر علي الغربي في معالجتها، لحظة خروجه من فضائه التقليدي، اذ بتبدل آليات العلاقة الرابطة بين الفرد والتدين والمجتمع والدين، الا ويجد الغربي نفسه خارج معتاده الرؤيوي، فتجده يصدر الاتهامات والنعوت السلبية أو التحليلات المغتربة. لعل أبرز مظاهر ذلك ما ترافق مع موجة العمليات الاستشهادية في فلسطين، والتي عادة ما خلص المحلل الغربي أن الاستشهادي، الذي ينعته بالكاميكاز، يأتي العملية وهو مهووس بأربعين حورية تترقبه عند باب الجنة. والحق أن غياب الالمام بفلسفة الشهادة لدي الآخر وباشكالياته السياسية والاجتماعية، هي ما تجعله يغرق في مخيال مفرط في الجنسانية، يعيش رهينا له، فيحاول اسقاطه علي الآخر. ذلك غيض من فيض من أوجه مآسي الدين المنغلق، الذي يعاني منه عصرنا، حيث لا يري العالم الا من داخل التجربة الدينية الذاتية، لذلك تبقي الحاجة ملحة لتشييد الدين المنفتح.ہ أستاذ بجامعة لاسابيينسا بروما8