المؤسسة العسكرية ومستقبل الثورة المصرية

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون (13 تشرين أول/اكتوبر) أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر ‘يسير وفقاً للجدول الزمني الذي وضعه لنقل السلطة،’ معربة عن تأييد الإدارة الأمريكية بقوة لما يقوم به الجيش في هذا الصدد، ومؤكدة على أهمية الحفاظ على قنوات اتصال مستمرة مع السلطات المصرية. وقالت كلينتون في مقابلة مع وكالة رويترز للأنباء إن قيادة الجيش المصري تعمل على تحقيق العديد من المهام الكبيرة في وقت واحد، لكن ليس واضحاً ‘كيف سيوازن المجلس بين كل الظروف المتضاربة التي تمر بها البلاد.

أن المجلس الأعلى يحاول ‘تحقيق العديد من المهام الكبير في وقت واحد’ هو أمر لا شك فيه. ولكن إشارة كلينتون إلى أن انتقال السلطة في مصر يسير وفقاً للجدول الزمني الذي وضعه المجلس، هو أمر غير صحيح بالطبع. المؤكد، على أية حال، أن محاولة تحقيق العديد من المهام الكبرى في وقت واحد، وعدم التزام المجلس بالجدول الزمني الذي صوت عليه المصريون في استفتاء مارس/ آذار، يثيران شكوكاً ثقيلة ومتزايدة حول مصير الثورة المصرية وحقيقة نوايا المؤسسة العسكرية المصرية تجاه الثورة المصرية وعملية التحول التي تعيشها مصر من أجل بناء نظام سياسي حر وتعددي وعادل.

ليس ثمة شك في أن الجيش المصري كان أحد المتضررين الرئيسيين من النظام السابق، نظام الرئيس مبارك، وأنه لم يخف معارضته لجملة من سياسات النظام، سيما في السنوات العشر الأخيرة. عارض الجيش التوجهات الاقتصادية النيو- ليبرالية التي اتبعتها حكومتا عاطف عبيد وأحمد نظيف، ولعب وزير الدفاع، المشير حسين طنطاوي، العضو البارز في مجلس الوزراء، دوراً هاماً في كبح جماح مجموعة الوزراء من رجال الأعمال الذين قادوا مصر نحو اقتصاد سوق وحشي لا يرحم وإلحاقي. كما عارض الجيش سياسة التوريث التي اتبعها النظام، والتي أوشكت تسليم مقاليد الحكم والبلاد لجمال مبارك. ولذا، لم يكن من المستغرب أن يجد الجيش في الثورة الشعبية العارمة، التي اجتاحت البلاد منذ 25 كانون أول/ديسمبر، فرصة نادرة لوضع أمور مصر في نصابها. السؤال الذي ينبغي أن يسأل هو لماذا وجد الجيش نفسه خلال العقد الماضي في صف المعارضة. هذا جيش وطني بامتياز، جيش ارتبطت ولادته في العقد الثاني من القرن التاسع عشر بولادة مصر الحديثة وتبلور وعيها بموقعها ودورها ورؤيتها لذاتها. وبالرغم من أن قيادات الجيش في بداية نشأته كانت من الضباط العثمانيين الأتراك والألبان والشركس، فسرعان ما اكتسب الجيش صبغة وطنية مصرية. وليس ثمة شك أن ميراث الجيش المصري لعب دوراً كبيراً في تبلور موقفه خلال عقد الخراب السياسي الاقتصادي الذي عاشته مصر من حكم نظام مبارك. ولكن ثمة سبباً أكثر أهمية وإلحاحاً في فهم دور الجيش. فمصر الجمهورية هي في حقيقتها صنيعة هذا الجيش، ولدت بفعل الانقلاب العسكري الحاسم الذي قاده عبد الناصر وزملاؤه من الضباط الأحرار في يوليو/ تموز 1952؛ وقد ظل الجيش القوة الرئيسية والقائدة للدولة الجمهورية حتى نهاية عصر مبارك. جميع رؤساء مصر منذ انقلاب تموز/يوليو كانوا من الضباط؛ وحتى نهاية عهد الرئيس عبد الناصر، احتل ضباط سابقون مقاعد وزارية بالغة الأهمية في الحكومة المصرية. وبالرغم من أن هذه الظاهرة تلاشت تدريجياً خلال عهدي السادات ومبارك، ظل ضباط الجيش السابقون يشكلون نسبة ملموسة من المحافظين ومن رؤساء وكالات الدولة المصرية المتخصصة، من المركز القومي للتعبئة والإحصاء إلى مؤسسة النقل المدني. بمعنى من المعاني، لم يلعب انقلاب الجيش ضد النظام الملكي دور قابلة مصر الجمهورية وحسب، بل جعل من الجيش حارس الجمهورية وصاحب النصيب الأكبر في إدارة شؤونها وتقرير مصيرها.

في لحظة من اللحظات خلال حكمه، وبالرغم من انحداره من سلك المؤسسة العسكرية، نسي حسني مبارك هذه الحقيقة، أو ربما ظن أن بإمكانه التغافل عنها. وهذا ما جعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة يرى في الحركة الشعبية العارمة فرصة لتصحيح الخلل الذي انتاب الدولة الجمهورية، وإعادة أوضاع الدولة الجمهورية إلى طبيعتها. في بيانه الأول للشعب خلال الأسبوع الأول من الثورة الشعبية، والذي جاء بعد اجتماعه بدون وجود الرئيس مبارك، القائد الأعلى للقوات المسلحة، أكد المجلس الأعلى للقوات المسلحة على اعترافه بشرعية مطالب الشعب، بدون أن يطالب بإطاحة نظام مبارك. كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال الأسبوعين الأولين من الثورة المصرية يرغب في تصحيح الأوضاع وحسب، ولم يتجه نحو تأييد مطلب تنحي الرئيس، الذي رفعته الملايين من المتظاهرين المصريين، إلا في الأيام الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من أيام الثورة الثمانية عشر، وبعد أن أخفق الرئيس ونائبه في التوصل إلى حل تفاوضي مع ممثلي الحركة الشعبية، حل يستجيب لبعض مطالب الثورة ولطموحات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في عودة أوضاع الجمهورية إلى نصابها. أخيراً، دفع الرئيس على نحو ما إلى التنحي وتسليم مقاليد الحكم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في مخالفة لنص الدستور الذي يستوجب تولي نائب الرئيس أو رئيس مجلس الشعب.

ما شهدته مصر بعد ذلك، ما شهدته خلال الشهور الثمانية الماضية، لابد أن يستدعي الكثير من القلق. تصرف المجلس الأعلى في مطلع توليه شؤون البلاد بالفعل باعتباره مجرد مدير مؤقت لمرحلة انتقالية قصيرة؛ وهو ما أوحى به الاستفتاء على التعديلات الدستورية وخارطة طريق الانتقال لحكم مدني، ديمقراطي، حر جديد. ولكن الأمور أخذت تنحو منحى مختلفاً بعد ذلك. فقد تراجع المجلس الأعلى عن الالتزام بخارطة الطريق التي أيدها الشعب في استفتاء آذار/مارس، الخارطة التي حددت إجراء انتخابات مجلس الشعب المصري في ايلول/سبتمبر، بعد ستة شهور من الاستفتاء. ولم يعلن المجلس عن إجراء الانتخابات البرلمانية في نهاية تشرين ثاني/نوفمبر إلا بعد تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية؛ ولكن هذه الالتزام صاحبه الإعلان عن جدول طويل لإجراء انتخابات مجلس الشعب على ثلاث مراحل، تتبعها بعد ذلك انتخابات مجلس الشورى، بحيث يصعب تصور انعقاد الهيئتين البرلمانيتين الجديدتين قبل ربيع 2012. وبعد أن كانت خارطة الطريق المقرة قد طرحت قيام الهيئة البرلمانية بتسمية أعضاء المجلس التأسيسي، المكلف بوضع مسودة الدستور المصري الجديد، وإجراء انتخابات رئيس الجمهورية قبل الانتهاء من كتابة الدستور، أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن انتخابات رئاسية لن تعقد قبل كتابة الدستور وطرحه على الاستفتاء. بمعنى أن المجلس سيحتفظ بموقع رئيس الجمهورية طوال فترة كتابة الدستور وحتى ما بعد إقراره في استفتاء شعبي، بكل ما يوحي به مثل هذا الوضع من التمسك بسلطة التدخل في عملية وضع مسودة الدستور بالغة الحساسية. الأكثر من ذلك أن المجلس أكد على أن نظام الحكم سيبقى نظاماً رئاسياً، بمعنى أن الأكثرية النيابية في مجلس الشعب الجديد لن تتمتع بأي دور في اختيار رئيس الحكومة أو تحديد المكون السياسي لهذه الحكومة. بيد أن سلسلة المخالفات لخارطة الطريق المقرة في الاستفتاء الشعبي لا تتوقف هنا. يرفض المجلس العسكري، مثلاً، رفع حالة الطوارئ التي كان يجب أن تنتهي قبل إجراء الانتخابات البرلمانية. وليس إلا بعد ضغوط شعبية وسياسية إضافية أن أعلن المجلس الأعلى عن التوقف عن إحالة المدنيين لمحاكم عسكرية، بدون أن يعرف بعد مدى الالتزام بهذا الوعد. وربما من الجدير الذكر أن قانون الطوارئ، الذي تعيش مصر في ظله منذ 1981، كان أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع الثورة المصرية في كانون ثاني/يناير الماضي. وحتى مشروع تطهير وإعادة بناء وزارة الداخلية، أحد المطالب الرئيسية للثورة المصرية، يبدو الآن وكأنه لا يسير على ما يرام. والأسوأ، تزايد الأدلة على أن قطاعاً ملموساً من قيادات الحزب الوطني المنحل يعود الآن إلى الحياة السياسية، ساعياً إلى تشكيل كتلة كبيرة في البرلمان المصري الجديد، يساعده في مسعاه قانون انتخابي إشكالي وتقسيم ثقيل الوطأة للدوائر الانتخابية. المسألة، باختصار، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبعد البداية المطمئنة لتوليه مسؤولية الحكم، أخذ في التصرف وكأنه الحاكم الفعلي والمطلق للبلاد وليس مجرد مدير للمرحلة الانتقالية، يحافظ على أمن وسيادة البلاد ويمهد الطريق لقيام نظام حكم جديد. ما يستبطنه النهج الذي يقوده المجلس الأعلى في أكثر من دائرة اعتقاد ما بأن مصر شهدت انقلاباً عسكرياً وليس ثورة شعبية.

بيد أن القول بأن المجلس الأعلى يستهدف السيطرة المباشرة على مقاليد الحكم، وإعادة إنتاج انقلاب 1952، هو قول تنقصه الأدلة. تتمتع قيادات المجلس الأعلى من كبار ضباط الجيش بقدر كاف من الوعي والذكاء لأن تدرك أن مصر 2011 ليست مصر 1952، وأن الحراك الجماهيري الكبير في الشارع المصري لن يسمح بعودة الحكم في مصر إلى السيطرة العسكرية المباشرة. ما يريده المجلس على الأرجح ليس تحمل أعباء الحكم وإدارة شؤون البلاد، بل الاحتفاظ بقرار الدولة المصرية؛ بمعنى أن تحتل المؤسسة العسكرية موقع المرجعية العليا للجمهورية. مثل هذا المصير سيضع مصر على طريق شبيه بذلك الذي وضعت عليه الجمهورية التركية بعد انقلاب 1960، والذي تشهد تركيا منذ زهاء العقد نضالاً مستمراً وأزمات متكررة للتحرر منه. ولكن المؤكد أن هذا المصير للثورة المصرية ليس حتمياً؛ ولم يزل بإمكان المصريين أن يعيدوا بناء الدولة ونظام الحكم بما يليق بالملحمة الكبرى التي عاشتها مصر في أيام الثورة الثمانية عشر. لفهم التجربة التركية وطبيعة الدور الذي لعبه الجيش التركي في التحكم الخفي بشؤون البلاد خلال نصف القرن الماضي، ومحاولة تلمس الخيارات المطروحة أمام الثورة المصرية، لابد من عودة أخرى إلى هذا الموضوع. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية