المؤلف بوصفه فاعلا فرجويا

مهما حاولنا التعامل مع الأعمال الإبداعية والفنية، على أساس ما تمتلكه من مقومات ذاتية، مستقلة بجماليتها. وأيضا، مهما حاولنا فصل بنياتها الداخلية عن شروط إنتاجها، خاصة منها تلك المتعلقة بالسير الذاتية لمنتجيها، فإن واقع تبعيتها لهم يظل واردا، باعتبار أن عددا غير يسير منهم، سيظل حريصا على تكريس صورته الشخصية، بمعية ما ينتجه. بصرف النظر عن مستويات هذا التكريس، الذي يراوح بين القوة والضعف، أي بين منزلة ترسيخ حضور المؤلف في الواجهة، بذريعة أنه المؤتمن الحقيقي على أعماله، الذي تعود ملكيتها لسلطة توقيعه، ومنزلة تنحيته بعيدا عن الأنظار، انسجاما مع ما قد تتميز به أعماله من قدرة على الإقناع، وعلى التفاعل المباشر مع متلقيها، دونما حاجة لأي تدخل أو توجيه منه.
ومع ذلك، وضمن هذه التنحية المنهجية، سيلح ظل المؤلف، على التموضع في ذلك الحيز الاحتياطي، بانتظار أن تتردد عليه القراءة، كلما دعت الضرورة إلى الاستعانة به، من أجل توسيع مجال فهم أعماله وتفسيرها. وهي الحالة المترتبة عن اصطدام القراءة، بتلك الحجب الدلالية، التي تتوقف إزاحتها على تدخله الحتمي والمستعجل، بالنظر لكونه العنصر المؤهل بامتياز، لتبديد غموض تلك الإشارات الصادرة عن أعماله، خاصة حينما يتحول الغموض إلى عائق يحول دون التواصل معها. بهذا المعنى يمكن القول، إن ظل المؤلف، وفي ظل التباس ما، سوف يجبرنا على الإقرار بأهمية مصاحبته لنا، فور تفكيرنا في الاقتراب من تجاربه، حيث نكون مطالبين بالإنصات إلى صوته، والتملي في صورته، كشرط أساسي من شروط فهمنا واستيعابنا، لما يثيره «أو» لا يثيره فينا إنتاجه، من تساؤلات جمالية وفكرية. ضمن هذا الإطار، تعتبر صورته المعنية الأولى والمحورية باهتمام المتلقي. فيما تكتفي أعماله بالتموضع في المرتبة التالية، كما لو أن الأمر يتعلق بمنافسة شرسة بين الطرفين، قصد استقطاب إعجاب وتزكية المتلقي، حيث يستند الطرف الأول/المؤلف على مبدأ اعتداده بخصوصيته الإبداعية، بوصفه المصدر الفعلي لما يقدمه من أعمال، وباعتباره أصلا مطلقا لها، حيث لا مجال للجزم بأي استقلالية يمكن أن تلوح بها الأعمال الأدبية، أو الفنية، وحيث ليس لها أن تدين بوجودها لغير خالقها/منتجها، فنانا كان، مبدعا، أو مفكرا. ما يجعله – في نظره طبعا- الجدير باحتلال المشهد دون غيره.
ثمة سبب آخر جوهري، يساهم في تكريس هذا الضرب من المؤلفين، ويتمثل في اقتناعهم بأن الغاية المرجوة من وراء إنتاجهم لأعمالهم، هي أولا وأخيرا، السعي إلى إثبات وجودهم الشخصي، الذي يعفي القراءة من مشقة فك شيفرة الأعمال التي دأبوا على مراكمتها أمامنا. فضلا عن تهافتهم على توسيع مساحة حضورهم جسديا وإعلاميا، جراء تخوفهم من احتمال عجز مخلوقاتهم الفكرية أو الإبداعية، عن تحقيق مطلب الإقناع والاستقطاب، ما يحفزهم على مؤازرتها، بوضعها تحت وصايتهم المباشرة، كي تديم إقامتها في دائرة الضوء، وتطيل أمد استقطابها للمزيد من القراءات، سلبية كانت أو إيجابية. فعلى ضوء هذه الملاحظات، ستترسخ لدينا القناعة بالدور الذي تلعبه الشخصية المنتجة في تصريف منتوجها، بحكم ما تتحلى به، أو تنتحله من سلوكيات مشهدية. حيث تكون مطالبة بتوظيف أنجع السبل الكفيلة بتخصيب حقل البهرجة المشهدية، المثيرة لفضول الآخر.
إنها بهذا المعنى، تكون قريبة الشبه بعتبة يمرق منها الوافدون إلى فضاء تجاربها الفنية والإبداعية، أو بالأحرى، الأداة المنشطة لذائقة الفرجة والإثارة، التي تغري الفضوليين بالتجمهر، والانضمام العفوي إلى طقسها المشهدي.

ثمة سبب آخر جوهري، يساهم في تكريس هذا الضرب من المؤلفين، ويتمثل في اقتناعهم بأن الغاية المرجوة من وراء إنتاجهم لأعمالهم، هي أولا وأخيرا، السعي إلى إثبات وجودهم الشخصي، الذي يعفي القراءة من مشقة فك شيفرة الأعمال التي دأبوا على مراكمتها أمامنا.

وهو طقس، يستدعي تحققه توافر شروط التجمهر والفرجة، بفعل ما يثيره في دائرة الفضول من دهشة، غضب، غبطة، أو قرف. علما بأن ظاهرة التجمهر الرمزي، المعبر عنها بتقاطر المريدين أو المناوئين على المشهد، تعكس حاجة الذات المتجمهرة، إلى نماذج بشرية تهتدي من خلالها إلى إعادة اكتشاف ما يصطخب في دواخلها من تناقضات وشوائب. من خلال معاينتها ومعايشتها لطبائع الآخرين، وهم يندمجون لسبب ما في مواقف، تخرجهم عن أطوارهم الطبيعية، إلى أخرى موغلة في عجائبيتها وغرائبيتها. والجدير بالذكر، أن الظاهرة المشهدية تتميز بتنوع وتعدد مكوناتها ومظاهرها، المؤثرة في استقطاب المزيد من المعنيين وغير المعنيين بها. كما أنها الصيغة الأكثر فعالية في تهييج طقس الحكي المجتمعي، الذي يتعذر على الأفراد والجماعات الاستغناء عنه، وذلك بالنظر لكونه الحبل السري الذي تهتدي به إلى ظاهر العناصر وباطنها. وبوصفه الوسيط الموضوعي المؤهل، لتنشيط حركية المشهد. ثم باعتباره إطارا نموذجيا لتوالد وتناسل المحكيات، المؤثرة بشكل أو بآخر في صياغة الذهنيات المجتمعية، حيث يتسع المجال لكل من المنطق ونقيضه، كي يمارسا معا ألاعيب تحويلهما وتحويرهما للحقائق وللأوهام، إما بالإضافة أو البتر، كما بالحق أو الباطل. وطبعا، عبر شبكة لامتناهية من التفريعات والتشعبات، التي يكون لها دورها الكبير، في تفريغ تلك الطاقة الغامضة واللاواعية، المتأججة في الدواخل.
ومن المؤكد أن النماذج المرجعية، التي تتقمصها غير قليل من الذوات المنتمية لعالم الفكر أو الإبداع، ضمن السياق الذي نحن بصدده، تندرج ضمن مكونات البعد المشهدي، المستقطب عادة للفضول العام، للمتعة وللقرف، وللسخرية أيضا. وهي غالبا ما تكون نقطة تقاطع مسلكيات، وميولات مطبوعة بالإثارة والغرابة، وبكل ما من شأنه مضاعفة مساحة استقطاباتها لهواة جمع المحكيات، على امتداد الأمكنة والأزمنة.
وإذا ما كانت بنية كل ذات، تمتلك في دواخلها ما يجعلها كائنا مشهديا بدرجات جد متفاوتة، فإن الذات المصابة بلعنة أو منة الإنتاج، تتميز بخبرتها المتقدمة في إعداد وتفعيل مقومات الطقس المشهدي، من خلال توظيفها المعرفي لما استقر في ذاكرة السير الثقافية من ذوات مشهدية متميزة بقوة حضورها، على المستوى العالمي أو المحلي. ويتجسد هذا التوظيف، في تطلعها إلى تحقيق نوع من التماهي الرمزي مع بعض من نماذجها، على أرضية القواسم المشتركة التي نجمع بينهما، حيث تتخذها قدوة في ترويج صورتها، وفي ترويج ما تطمح إلى عرضه من بضاعة، دون أن تمتلك بالضرورة أيا من مقوماتها السيكولوجية أو المعرفية.
وإذا كانت بعض الذوات المرجعية المعتمدة في هذا التوظيف الفج، تمتلك بالقوة والفعل، مقومات تفاعلها المشهدي والفرجوي الملازم لمساراتها الإبداعية والفنية، فإن الأمر يختلف جذريا بالنسبة للظلال المحاكاتية لها، والمفتقرة إلى الحد الأدنى من مصداقية الإنتاج، ومن شروط مشهديته، وهي منقطعة عبثا إلى وهم تحقيق تطابقها، وتماهيها مع النماذج المرجعية.
والملاحظ أن هذه الظاهرة، تلقي بسجفها الثقيلة على المشهد الإبداعي والثقافي ككل، لتتحكم في هيكلة قطاعاته، بمجموع ما يصطخب داخل فضاءاتها من كائنات غرائبية، متخمة بنرجسيتها، ومهووسة برغبتها الجامحة في احتلال المشهد. مؤازرة بما يكفي من الأعوان والخبراء، المختصين في تنشيط الطقس، وفي إلهاب حماس المهرولين إلى هالة الجوقة وفرجة المشهد، تلافيا لمأساوية التهميش. هناك، حيث لا شيء أمامهم، عدا «عدوانية العزلة» و»وحشة صمتها». هنا تحديدا، وبكل تأكيد، تطالعنا مصائر أعمال، ترحل برحيل منتجيها، وأخرى تعلن عن ولادتها الدائمة رغم رحيلهم.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية