قررت الليلة الماضية اللقاء بإحسان عبد القدوس للمرة الأولى، وقد قبلت أن نسافر سويّة وعلى متن روايته ‘ثقوب في الثوب الأسود’ من بوسطن في الولايات المتحدة إلى دكار في السنغال. كانت الرحلة جغرافية بتبدّل الأمكنة وزمنية حيث عدنا إلى خمسينيات القرن الماضي. هناك في السنغال وآنذاك إبان الإستعمار الفرنسي ظهرت ما سمّيت حينها بـ ‘عقدة الماتيس’، وقد نشأت هذه العقدة أو المرض النفسي المجتمعي إن جاز لي التعبير نتيجة انقسام المجتمع السنغالي حينها إلى سود وهم السكّان الأصليون، وبيض وهم خليط من المهاجرين الأجانب والمستعمرين الفرنسيين. لم يكن كل البيض جزء من الاستعمار ومع ذلك فقد تطوّرت العنصرية حتى تشكل في السنغال مجتمعان متناقضان متمايزان بينهما برزخ لا يبغيان. نمت للعنصرية في تلك البلاد مخالب نهشت كرامة ومكانة كلّ من سوّلت له نفسه أن يكون ضمن علاقة بين أبيض وأسود، لقد كان بمقدور كل مجتمع أن يصدر ‘صك حرمان’ بحق أي من أفراده إن هو تجاوز ذلك البرزخ. لكن؛ ورغم تلك الصكوك وما قد يتبعها، كان بعض البيض والسود قد نجحوا في اختراق ذلك البرزخ، اخترقوه لكن لم يزيلوه، كان الحب هو خيارهم، فخلقوا مجتمعاً جديداً منبوذاً من كلا اللونين. مجتمع لا هو بالأبيض ولا هو بالأسود، هم ‘الماتيس’. من ارتضى لنفسه أن يكون منهم فقد ارتضى لنفسه الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. طرح عبد القدوس عقدة ‘الماتيس’ هذه من خلال قصة مهاجر لبناني تزوج من زنجية، فأنجب منها (سامي) وانفصل عنها، فسلبها ابنها ونسبه إلى زوجته اللبنانية الجديدة خوفاً عليه وعلى نفسه من عار ‘الماتيس’. نشأ سامي كأبيض من بين بيض كُثر، لكن شيئاً ما بداخله كان يجبره على أن يختلط بالسود، حتى أصبح سامي حالة مرضية لدى طبيب مصري كان يزور السنغال حينها. مرض سامي تمثّل في انتقال البرزخ العنصري من المجتمع إلى رأسه فشطره نصفان، العقل الأبيض الواعي والعقل الأسود اللاواعي. في وعيه طالب بإبادة السود، وفي لاوعيه أحب (بيندا) الزنجية. نجح الطبيب المصري بعد أربعة أيام في أن يُحدث خرقاً في البرزخ الفاصل بين عقليه. كان على سامي أن يقرّر بعدها إلى أي المجتمعين سينتمي إلى الأسود المواطن أم إلى الأبيض المهاجر، فبقاؤه في ‘الماتيس’ لم يعد خياراً. اختار سامي العيش بين السود فأصبح منهم وقادهم إلى المواجهة مع المستعمر الفرنسي مما استدعى نفيه خارج السنغال، وما هي إلا أيام حتى وجد نفسه في القاهرة متجهاً إلى بيروت حيث أهله من أبيه، حيث أهله البيض. لقد تجاوز سامي في القاهرة معادلة الألوان، لم يكن سامي الوحيد الذي تجاوز تلك المعادلة، فأخوه (سليم) من أبيه والذي لم يشب بياضه أي سواد قد نأى بنفسه عن المستعمر رغم اشتراكه معهم في اللون، أما زعيم السود ووالد (بيندا) في تلك الرواية كان قد سلّم بأنه قد يرى عيون أحفاده الزرقاء. حين هممت بقراءة الرواية، وبعد أن قرأت تعليقاً حوى اسمها للصحفي الفلسطيني سامر عوّاد، كان دافعي الأول أن أخرج من أجواء الترقّب السياسي، فوجدت نفسي صريعاً لرواية تحكي همّ اليوم. لقد شدّتني الرواية إلى الحد الذي سلبت فيه قلم عبد القدّوس ورحت أبدّل الألوان والأسماء، فأضحت السنغال فلسطين والاستعمار الفرنسي احتلالاً إسرائيلياً، وغدا الأبيض والأسود أصفرَ وأخضر. وتشكّل ‘الماتيس’ فينا، وربما كنت منهم، ونهشتنا مخالب العنصرية السياسية، فإن كنت أخضراً فلك غزة، وإن كنت أصفراً فلك الضفة، وبينكما حاجز ‘إيرز’ الإسرائيلي فلا تبغيان. أمَّا وإن لم تعترف مثلي بتلك القيود ولم تخضع لتلك الأعراف، فستجد نفسك أمام محكمة فلسطينية متهماً بإثارة النعرات والفتنة. نعم فهدم جدار الفصل العنصري النفسي الذي بناه الفلسطينييون أصبح يعتبر فتنة تحوّلك إلى ناقش للأمثال والأشعار على جدران الزنازين التي ورثها الفلسطينيون عن احتلالين سابقين. لقد تشكّل مجتمع ‘الماتيس’ في فلسطين فمنهم من جاء من الأصفر ومنهم من جاء من الأخضر ومنهم من كان شفافاً لم يأبه يوماً بلعبة الألوان، أما الألوان الأخرى كالأحمر ومشتقاته فقد تماهى بعضها مع الأخضر ومعظمها مع الأصفر. وقد أصبح لكل مجتمع الحق في إصدار صكوك الحرمان. بتّ أمني النفس أن يتجاوز الفلسطينيون عقدة ‘الماتيس’، وأن يقتنعا بأن الأخضر ليس نقيضاً للأصفر، وأن كلا اللونين مهدّدان بالتلاشي، فالخطّان الأزرقان يدفعان سامي وسليم الفلسطينيين نحوّ دوّامة على وشك أن تبتلعهما، دوّامة على شكل نجمة سداسيّة الزوايا تتوسط الأزرقان.