هذا الزّين، وهذا العابدين.. هذا محمّد، وهذا حسني.. هذا معمّر، وهذا منيار.. هذا علي، وهذا عبد الله ثم صالح.. أسماء مركّبة، تركيبا لرؤساء وأمراء وسلاطين.. عرب.. أسماء وان تشابهت، فمدلولها واحد، فهم جميعا من عبـدة الكراسي وعشّاق إصدار الأحكام بحق أبناء شعوبهم المستضعفة، حتى يبقوا طوع البنان ورهن الإشارة، ينفّـذون ما أمروا به طوعا وكرها، ضمانا لديمومتهم على عرش الحكم، وتوريث أشباههم ليتواصل الاستعباد والرق والمسخ، غير عابئين بما أفرزه الزخم الحضاري من تفتح على الحضارات، لتعي الشعوب مقدار تخلفها عن الركب اليومي العادي.. فنحن ممن حكم علينا بالبقاء في كهوفنا المنسية من قبل ساداتنا، بعيدا عن نور الشمس التي اهترأ لها حجر الكهف، لتوغل الأشعة في إبهار أبصارنا بما يجري بالخارج، حيث الحضارة والحرية والنعماء.. نحن من نجلد في عقر ديارنا، وتلجم أفواهنا وتكمم كي لا نطلق صرخة الاحساس بالعذاب الأليم والواقع المهين، لتبلغ كناقوس خطر لما نعانيه جيلا بعد جيل، وتحبل الأرض بالمواجع على مدى سنين القحط تحت سياط الذل والاهانة.. نحن هذا الشبل من ذاك الضرغام الذي جوعه سيده.. الحاكم المستبد، وطوعه كالخاتم في إصبعه… لينمو فيه المارد النائم في قمقمه.. جيلا من غضب ونقمة.. ويستفيق على وجع قد تصدّع… لتنتفي كل الأحاسيس بالألم والاضطهاد.. وما عاد للألم.. وجـع.. فنحن من تعودنا على الوجع.. ولعقنا الوجع.. وتعشينا وتسحرنا، وأصبحنا، وأمسينا بالوجع.. وماذا بعد هذا الوجع؟
؟ هل ثمة ألم أقوى من الألم الذي نعيشه؟
؟ تستباح الأرض والعرض، وتنتفي الأخلاق، ويخدش الشرف ويلوث.. هل ثمة ألم أشنع مما نحن فيه لنستكين كالدمى، يفعل فينا الحاكم فعلته، غير عابئ بنا؟
؟ ليس ثمة أشنع من ذلك.. نحن أموات.. وهل يحس الميت بالألم؟
؟ انه لا يضرّ الشاة سلخها بعد ذبحها كما قالت أسماء لابنها.. وها قد ثار بركان الغضب ليكسر المارد قمقمه، ويخرج من سجنه، ينادي بصوت بلغ عنان السماء.. المارد العربي استوى واقفا.. لا يضره السلخ بعد الذبح ولا التنكيل ولا الـــــموت ولا الرصاص ولا خراطيم المياه الساخنة ولا القـــــنابل المشلة للحركة والمسيلة للدموع.. فدموعنا قد نفد نبعها وجف.. وكان الحاكم العربي لنا بالمرصاد يوم ثرنا…. أخبره المخبرون والبوليس الســــياسي باليوم الذي سوف يستفيق فيه مارده الحالم بالانعــــتاق، والخارج للتو من قمقمه، ليقابله بأسلحة تفنن عدو الحاكم في صــــناعتها لليــوم الموعود.. يوم يريد الطاغية العربي محق أبنائه.
وما نفعت الميراج ولا الصوخوي ولا الكلاشينكوف ولا ٌالبيريتاً ولا عبوات الغاز المنتهية صلاحيتها.. ما نفع استجداء الحاكم للمحكوم.. وما نفع تباكيه.. فقط.. كانت تصم أذني الطاغية عبارات سرت بين مختلف الأقطار العربية كما النار في الهشيم.. ارحـل..D’gage..Go out .. عبارات تعلمناها من زمن الاستعمار الغاشم كلغة بعد لغتنا الأم. ناجي العجمي – تـونـس