المارد المصري والهم الإسرائيلي الخليجي الأكبر

حجم الخط
0

جهاد العقبي لازالت إسرائيل وكبار قادتها يراهنون على قوة العسكر’لكبح جماح’ صعود التيار الإسلامي بسرعة في مصر، واستيلائه من وجهة نظرهم على سدة الحكم، وذلك بتنصيب الدكتور محمد مرسي رئيسا لما بات يعرف بالجمهورية الثانية. ما هو ظاهر الآن أن شعبية الرئيس المصري المنتخب الدكتور محمد مرسي تتزايد بشكل مستمر في الشارع المصري، ما يعني أن إعادة الانتخابات لمجلس الشعب من شأنها أن تفرز من جديد هيمنة إسلامية متمثلة بحزب النور السلفي الذي دعم انتخاب الدكتور محمد مرسي بقوة، وحزب الحرية والعدالة المنبثق عن حركة الإخوان المسلمين الذي كان يرأسه محمد مرسي نفسه. وهما الحزبان اللذان يملكان أصلاً قاعدة شعبية قوية وواسعة.

وهذا يعني بالضرورة أن بقاء المجلس العسكري الأعلى الذي نصب نفسه كسلطة تشريعية بعد أن حلّ مجلس الشعب، لن تدوم طويلاً بموجب ما سمي بـ’الإعلان الدستوري المكمل’، والذي جاء ليحد من سيطرة التيار الإسلامي على مفاصل الحكم في البلاد. وما ‘زاد الطين بلة’ بالنسبة لإسرائيل هو أن الرئيس الدكتور محمد مرسي بدأ يحظى بدعم شرائح واسعة من مكونات الشعبي المصري ومتزايدة ساعة بعد ساعة، وخطاب بعد خطاب. ذلك أن الشعب المصري الذي يعرف عنه حسه الوطني والقومي والإسلامي العميق، بدأ يجد في هذا الرجل عزة وكرامة وأنفة وتواضع ومصداقية وأمل ربما افتقدها منذ عشرات السنين.

وهو ما يعني بالضرورة أن أي انتخابات قادمة لمجلس الشعب المصري ستعكس بشكل كبير مدى قناعة وحب الشارع المصري للرئيس الجديد وللفكر والتيار الذي ولد من رحمه. وسيتمثل هذا بإعادة الهيمنة الإسلامية على مقاعد مجلس الشعب بنسبة ربما تفوق ما كانت عليه في المجلس المنحل الذي كان نصيب الإسلاميين فيه أكثر من ثلثي المقاعد.

ورغم أن هناك من يقول أن الملايين الخليجية التي صرفت بغزارة لاسيما في جولتي الانتخابات الرئاسية بتوصية ملحة من الكونغرس الأمريكي الذي يعرف بولائه المطلق لإسرائيل وخدمة مصالحها، والتي لم تأت بالثمار المرجوة، ما سبب بانفجار غضب خليجي جاء على لسان بعض المسؤولين الخليجيين عقب تنصيب الدكتور محمد مرسي رئيسا لجمهورية مصر العربية، بعكس ما كان متوقعا بعد أن حاول هؤلاء شراء ذمم الناخبين المصريين واستغلال فقرهم من أجل تمرير أجنداتهم بانتخاب الرجل الذي كانت تريده غالبية دول والخليج والغرب، وإسرائيل على وجه الخصوص.

الوضع القائم والمستقبلي في مصر مربك جدا بالنسبة لإسرائيل وغير محسوب، ولن ترضى إسرائيل أن تسلم به كأمر واقع وحتمي أفرزته انتخابات حرة ونزيهة جاءت بعد سنوات من القهر والاستبداد لحكومات لم تمثل أبدا الإرادة الحقيقة للشعب المصري. وكانت مريحة جدا بالنسبة لإسرائيل وسياستها في المنطقة. حيث قال الجنرال الإسرائيلي والوزير السابق (فؤاد بن اليعازر) والذي عرف عنه علاقته القوية بالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، في تصريح له للقناة الثانية الإسرائيلية إبان ثورة 25 يناير: أن مبارك ونظام حكمه يمثلان مصلحة إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل.. وربما يلخص هذا التصريح مدى خسارة إسرائيل الكبرى من جراء ما أفرزته الثورة المصرية. وان كان زوال مبارك ونظام حكمه هو خسارة ‘إستراتيجية’ بالنسبة للقيادات الإسرائيلية، فان هيمنة التيار الإسلامي على زمام الحكم في مصر ليس أقل من خطر استراتيجي حقيقي بالنسبة لإسرائيل. وليس بالضرورة أن يكون الخطر مباشر من مصر على إسرائيل، ولكن يكفي أن تجد تصريحا لأحد الإعلاميين الإسرائيليين البارزين على سبيل المثال، الذي وصف حفاوة استقبال الملك الأردني لخالد مشعل ووفد حماس في زيارته الأخيرة لعمان، والحديث عن إعادة فتح مكاتب الحركة هناك، بأنه نتيجة طبيعية لفوز محمد مرسي والتيار الإسلامي في مصر، وما يلقيه هذا الفوز من ظلال على باقي الدول العربية الأخرى، لحجم ومكانة مصر المؤثرة تاريخيا على تلك الدول.

كيف ستتعامل إسرائيل مع الواقع الجديد والمخيف في مصر؟

ستحاول إسرائيل أن تحارب مرسي وحكومته بالطريقة الأنجع والأسهل بالنسبة لها، وذلك من خلال محاصرته اقتصاديا، وإفشال كل خططه التنموية ووعوده الإصلاحية التي قطعها على نفسه أمام الشعب، وبالتالي تأليب جمهوره عليه. وهذا الطريقة سيجند لها جنود على أشكال مختلفة من داخل وخارج مصر.

وبما أن المصلحة مشتركة بين إسرائيل التي لا تريد لهذا ‘المارد’ أن يستمر بوقوفه المخيف بالقرب منها، وبين دول الخليج التي تخشى أن ينهي هذا النظام حقبة حكم العائلة والأسرة بالإيحاء والنموذجية للشعوب الخليجية، فان المحاولات لن تنفك من جهتها لإضعاف أو إبراز وتضخيم أي عيوب تظهر على النظام المصري الجديد، أو حتى خلقها إن احتاجت الضرورة.

خطابات الدكتور محمد مرسي وخصوصا ما تضمنته من رسائل إلى الخارج جاءت لاحتواء هذا التحالف الإسرائيلي الخليجي الغير معلن صراحة حتى الآن ضد ‘مصر الجديدة’، وبدا كأن حركة الإخوان المسلمين لها من الخبرة والكفاءة ما جعلها ربما تتعلم من أخطاء وقعت فيها التيارات الإسلامية التي وصلت إلى سدة الحكم في بلدان أخرى مثل إيران والسودان وغيرها. فالرئيس محمد مرسي يدرك جيدا مدى خطورة هذا التربص الخليجي الإسرائيلي، وهو وان كان هادنه بأنه سيحافظ على الاتفاقيات الدولية، وأنه لن يصدر الثورة المصرية إلى الخارج ولن يتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد، إلا أنه في الوقت نفسه هدد كل من سيتجرأ على مصر وشعبها ورئاستها بعبارات واضحة وحادة وقوية، ما يعني أن مصر بسلطتها الجديدة لن تقبل الابتزاز ولن تقبل بالتدخل في شؤونها الداخلية. وأن استمرار مثل هذا التحالف الخفي للنيل من مصر، ربما سيحدد حجم العلاقة والتقارب التي ستبنيها مصر مع إيران والدول العربية التي أنجزت ثوراتها لمجابهة هذا التحالف الذي بدأ يتبلور ضدها في ظلمة منكرة على وجل وترقب.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية