الدوحة ـ”القدس العربي”: كادت ليبيا لحظة ابتهج شعبها بإسقاط نظام العقيد معمر القذافي، تخرج من نفقها المظلم، وتتجاوز تدريجيا إرهاصات أزمتها المستعصية، وتتعافى من الاضطرابات التي تلت انهيار الدولة.
فجأة، يظهر إلى العلن مارد، قَلب كافة الموازين، يُخلف زوابع عاتية، ولدتها القوى نفسها التي غذّت انقلاب جارتها مصر.
مارشال ليبيا، خليفة حفتر، يحاكي خطوات قدوته، المشير عبد الفتاح السيسي، والأيدي نفسها (الإمارات) تدفعه لاستنساخ سيناريو مصر، والمضي نحو تنفيذ انقلاب على السلطة القائمة، بالأساليب ذاتها مع اختلاف التفاصيل.
لم يكن الرجل الذي كان يوما حليفا للقذافي، وظله لحظة قاد انقلابه على الملك السنوسي، سنة 1969، معروفا لفئات واسعة، وبالكاد كان يذكر اسمه عابرا، وسط دوامة الأنباء.
سريعا تحول، وتحديدا منذ 5 سنوات، للرقم الأول الذي يتكرر لقبه في ليبيا، ويقرن دوما بلازمة تشكيل سلطة موازية للحكومة المعترف بها دوليا، وهي سلطة فايز السراج.
تتبع مسارات، وتحركات خليفة حفتر في ليبيا، ومحاولاته تجاوز حكومة الوفاق الوطني، تفرض على المتابع لشأن البلد المنهار، تقفي بصمات أبو ظبي.
تعمل فرق البلد المفضوح بأجنداته، سرا وعلانية، على تكريس واقع، وفرض خطة، تلامس تطلعاته الرئيسية، وهي زعزعة الاستقرار في دول المحيط.
لم يعد دور الإمارات خافيا، أو يذكر همسا، السلطات الليبية، وعلى مستوياتها المختلفة، توجه أصابع الاتهام مباشرة لمحمد بن زايد ورجالاته، وعملائه، وتعتبره مصدر الاضطراب الرئيسي في البلاد، عبر وكيله الحصري حفتر.
ولم يكتف رئيس المجلس الليبي الأعلى للدولة خالد المشري، بشنّ هجوم حاد، على الإمارات، وطالت سهامه مصر أيضا، لدورهما في الأزمة السياسية في بلاده.
المسؤول الليبي استجدى واشنطن من منصة الخطاب في الكونغرس، مد يد المساعدة، ولجم الأيدي الدولية التي تعبث بالاستقرار في بلاده.
ممثل الحكومة الليبية وصف الأوضاع في ليبيا بشكل مباشر، واعتبر أن أبو ظبي والقاهرة لديهما مصلحة في تعطيل الحياة الديمقراطية في ليبيا، ومنها الانتخابات التي تراها جل النخب باستثناء طرف واحد، الحل الأساسي للاستقرار.
الطرف الأساسي الذي يبذل جهده حتى الآن لعطيل المسار الانتخابي، والقفز على مشروعية المؤسسات، يتعلق بشخص واحد، هو خليفة حفتر.
ويدرك عدد من الساسة في عواصم العالم جليا مصدر قوة المشير، والطرف الذي يزوده بالسلاح، بالرغم من الحظر الدولي المفروض على تزويد أطراف الصراع في بلده بأي ذخائر.
وتحدث التقرير السنوي للجنة العقوبات الدولية الخاصة بليبيا، صراحة عن خرْق الإمارات، وبصورة متكررة نظام العقوبات الدولية المفروضة على الدولة التي تحولت لمركز تجاذب عدد من العواصم العربية والغربية.
المصدر كشف من دون مواربة أن أبو ظبي قدمت الدعم العسكري لقوات حفتر، على أنها شحنات مواد غير قاتلة، وعززت من قدرات قواته الجوية، لتكون المساعدات الإماراتية السبب الأساسي لارتفاع أعداد الضحايا في النزاع الدائر في ليبيا.
أجندات
شدد حفتر الذي يصف نفسه قائد القوات الليبية، من هجماته جنوبا وشرقا، في عدد من المناطق الاستراتيجية، تُحركه عدد من الأهداف البينة. ويقفز على سلطات المؤسسات المعترف بها دوليا في ليبيا، ويتصرف مثل قائد حقيقي، فارضا وصايته على فوهات بنادق رجاله.
الهدنة التي شهدتها ليبيا تزامنا مع مرض حفتر الحرج، ولت، وعوضت بتحركات ميدانية يسعى من خلالها بسط هيمنته على المناطق الاستراتيجية.
ووصفت حكومة الوفاق الليبية غارات مقاتلات حفتر، على المدنيين في عدد من المطارات والمناطق بأنها “عمل إرهابي” و”جريمة ضد الإنسانية” وأبلغت مجلس الأمن الدولي بهذا التجاوز الخطير للقانون الدولي.
السلطات الليبية الشرعية ناشدت المجتمع الدولي التدخل من أجل الحد من العمليات العسكرية التي يقوم بها حفتر منذ أشهر ويستهدف بها تجمعات سكانية تقطن مناطق استراتيجية، لأنها تعيقه عن تحقيق أهدافه، ومنها بسط نفوذه على منابع النفط وخطوط نقله. وأحيت عملياته وتحركاته توترات سياسية وإثنية كانت خامدة في منطقة مهمشة، شهدت منذ سقوط معمر القذافي عام 2011 معارك قبلية عاصفة.
حالة الانقسام
لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومة الوفاق التي تتخذ من طرابلس مقرا لها وتحظى بدعم دولي، وحكومة موازية في شمال شرق البلاد تدعمها قوات حفتر.
حالة الانقسام التي يشهدها البلد الممزق فعليا، يتحمل وزرها الأساسي الرجل الذي لبس يوما عباءة المعارض لنظام القذافي بسبب تخليه عنه في التشاد في حرب عبثية شاركت فيها بلاده.
وسريعا تلقفت فرنسا قائد المجموعة الليبية التي زحفت جنوبا نحو التشاد، ثم يحال في إطار صفقة جديدة نحو الولايات المتحدة.
أطياف المجتمع الليبي اكتشفت سريعا حقيقة القائد العسكري، ونجمه بدأ في الأفول، عندما عرضت قنوات تلفزيونية تسجيلا مصورا له، وهو يرسم خطته لما أسماه إنقاذ البلاد، ودعوة الليبيين إلى النهوض في وجه المؤتمر الوطني العام (البرلمان المنتخب) الذي تشكل بعد الثورة.
اتضحت صورة تحركاته مدفوعا بدعم حلفائه في الإمارات ومصر، حيث هاجم مبنى البرلمان في العاصمة، طرابلس، ووصف حفتر عمليته العسكرية بأنها انتفاضة ضد من سماها “الحكومة التي يسيطر عليها الإسلاميون.”
كلمة السر
أدرك حفتر المتمرس على فنون التمويه والتي اكتسبها سنوات دراسته في روسيا سحر شيفرة “محاربة التيارات الإسلامية” التي تلقفتها عدد من العواصم وشرّعت له الأبواب وتبنته لتغدق عليه إمكاناتها وقنواتها السياسية والإعلامية. وأصبح يتذرع عند أي اتهام له بارتكاب مجازر ضد المدنيين أنه يحارب الجماعات الإرهابية والتيارات الإسلامية.
ووجدت الإمارات ضالتها فيه، لتنفيذ أجندتها، الرامية لإبعاد كل من تعتبره من الإخوان المسلمين عن السلطة، ودوائرها، وقمعهم مثلما فعلت في عدد من الدول كمصر، أو سعت له مثل تونس.
سيطرت هواجس السلطة على تفكير حفتر الذي وجد نفسه يتقدم مغترا بما يلقاه من دعم عدد من الحلفاء لتجاوز شرعية المؤسسات الحاكمة لتقديم نفسه البديل الأول للنظام القائم.
وفي أيلول/سبتمبر 2016، قاد حفتر عملية “البرق الخاطف” لقوات “الجيش الوطني” للسيطرة على منشآت النفط الرئيسية في الزويتينة والبريقة ورأس لانوف وسدرة، التي تُعرف بـ “الهلال النفطي” من قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني. وكانت الخطوة نقلة رئيسية على رقعة شطرنج ليبيا، ليعرض خدماته على الوكلاء الدوليين ويستجدي دعمهم باعتباره حامي مصادر الثروة والذهب الأسود الذي يسيل لعاب جماعات الضغط.
وكما فعل جاره المشير عبد الفتاح السيسي عقب استيلائه على السلطة في تموز/يوليو الماضي في مصر، أعلن حفتر أنه ليس لديه أي طموحات سياسية.
أما الواقع فيشير لعكس تلك التصريحات مع تعاظم طموحات حفتر للاستيلاء على مراكز صنع القرار بدعم عربي وغربي.
خليفة حفتر، الذي ينتمي الى قبلية الفرجان – والمولود في مدينة إجدابيا جنوب غرب بنغازي، يتخذ من شرق ليبيا التي كانت مهد الثورة الليبية في شباط/فبراير 2011، مركزا لتحركاته وعملياته.
ولم يكتف قائد الجيش الليبي الذي منح نفسه لقب مشير بعلاقاته مع الإمارات ومصر، وحاول التقارب من روسيا التي سبق أن احتك بضباطها سنوات تأهيله العسكري، طالبا العون والمدد وتبني قواته وتسليحها.
مستقبل ليبيا سيظل عالقا ومبهما طالما يتحكم حفتر ومن يسانده خلف الستار، في مقاليد الحكم، وينفذون أجندات عدة، ليس من ضمنها تحقيق الاستقرار في البلد.