لما أُنتجت حقيبة ألف ليلة وليلة، والتي أدخلتنا موسوعة غينيس تحت بند أغلى حقيبة يد في العالم بسعر 3.8 مليون $ وهي مصنوعة من 4517 قطعة ألماس على شكل قلب، تقبلنا الأمر بذهول على أنه من الطرائف والغرائب الحديثة والتحف النادرة التي لا يستطيع اقتناؤها الا من كان بمستوى الزين والمبارك والقذافي أصحاب المليارات الذين باعوا أراضي بلادهم ونفطها وغازها وكانوا يصرفون المليون تحت أرجل الراقصات والمغنيات بلا وعي كما يصرف أحدنا العشر دنانير مع الفرق أن روحه تخرج معها من هم التفكير بباقي الشهر، مثل هذه الأخبار، عن منتجات ومستهلكين، لا تعرف خطوط الفقر وعالم الأقساط وأول الشهر وآخره، وأجرة الطيب والعيديات وبند ما يستجد من طوارىء وهدايا، مثل هذه الأخبار التي تتعامل بالملايين تنقل لنا عن من يصرفون في الجيب ويأخذون ما في جيوب الناس، ولا يحملون هم بكره ولا اليوم الأسود ولا يعرفون القرش الأبيض ولا فئة القروش كلها، هذه الأخبار لا نملك الا أن نستقبلها بصورة اقرأ واستمتع أو لا تستمتع واضرب رأسك بالحائط أو ارمِ نفسك في المالح أو بلط البحر! غير أن هذه الأخبار لها صور أخرى تجتاح عالمنا العربي وتبني عليه آمالها وثرواتها في صورة الماركات التجارية العالمية التي لا تقدم لنا فقط سلعة تجارية نلبسها أو نحملها أو نتزين بها، بل تصبح دلالة على مكانة اجتماعية واقتصادية تكبّرنا أو تصغرنا في عيون الناس وترفعنا أو تخفضنا على مقياس الرقي الاجتماعي لوي فيتون، بربري، بولجري، برادا، زارا، تيفاني، جوتشي وغيرها مما قد تضيق به الصفحات، ماركات منتشرة عالميا وتباع منتجاتها بأسعار خيالية، هذا ان كانت أصلية وليست مقلدة، قد تأتي على راتب مدير وقد تعدل شبكة عروس وتساوي قسطا جامعيا!
فستان بربري لابنة ست سنوات ثمنه 250 دينارا أي ما يعادل تقريبا راتب معلم حديث التخرج في القطاع الحكومي، و إذا سألت ما مميزات هذا الفستان الذي يعلي من سعره بهذه الصورة؟! يكون الجواب بربري!
تسأل وما بربري هذا؟! يقولون ماركة عالمية عبارة عن مربعات بيج وسوداء وبيضاء وحمراء وكانت تستخدم في لباس الجيش البريطاني قديما، ولكن إذا سألنا لماذا تباع حقيبة بربري بالاف الدنانير وبماذا تمتاز عن أي حقيبة جلدية أخرى لا تحمل نفس الماركة يكون الجواب أن غبائنا وطيشنا جعل لهؤلاء أسما ومكانة وثروة، ولولا أنهم يجدون سوقا مربحة في بلادنا وزبائن يزيد إقبالهم كلما ارتفع السعر لما تكاثرت محلاتهم وفروعها وأثّرت على كثير من الصناعات المحلية التي لا تستطيع منافستهاأنا ألبس ماركات تعني أنا أنتمي لطـــبقة معيــنة ماديا واجتماعيا، ثقافيا ليس بالضرورة فكثيرون من أعضاء المجتمع المخـــملي ثقافتهم ضحلة كالمستنقع، بينما المحرومون يبــــرزون في العـــلوم والآداب، وسبحانه من قسم الأرزاق فكان للبعـــــض مال وللآخرين علم، وأحسن منهما من زاد علمه وماله فأخذ من الأخير لعمارة الدنيا وأنفقه في تحقــــيق مزيد من الإنجازات، ولكن استغلالنا نحن البدو ركاب الجمال وأصحاب آبار النفط في نظر الغرب لم يقتصر عليــــهم بل امتد الى التجــــار والوكــــلاء العـــرب الذين لا يعنيهم تدهور الأحوال الاقتصادية في العالم العربي فيضيفون الى الفاتورة ربحا فاحشا ويجعلون المستهلك يتحمل ثمن الوكالة وإيجار المحل الفاخر ونفقات الاستيراد هذا غير ضريبة المبيعات! في بلادنا التنزيلات ليس لها من اسمها نصيب، ومن يعرف التنزيلات الحقيقية في دول منشأ البضائع والدول الأوروبية حين ينخفض سعر القطعة الى بضع جنيهات سيشعر أن أغلب قطاع التجار في الوطن العربي يسرقون المستهلكين دون أدنى ذمة أو ضمير الا من رحم ربي.
أليس من حق المواطن الذي يكدح ليل نهار أن يلبس ‘هدمة’ حسنة لا يتغير لونها مع أول غسلة، ولا تسقط أزرارها مع أول لبسة؟!
أليس من حقه أن يسعد بأطفاله يرتدون ثيابا تناسب براءة أعمارهم دون برق ولميع وكشكش يظهرهم كالبهلوانات؟!
أليس من حقهم أن يأكلوا حلويات غير ملونة وغير مسرطنة دون أن يدفعوا عليها راتب يوم كامل؟!
لماذا تحترم الدول الأوروبية القائمة على مبدأ الرأسمالية والتجارة الحرة وتعظيم الأرباح مواطنيها وتعطيهم جميعا فرصة لأقتناء الأفضل في مواسم التنزيلات وتساوي في مرحلة ما بين الأغنياء ومتوسطي الدخل وبذلك تشيع نوعا من المساواة بين المواطنين وتقلل أمراض الحقد والحسد الإجتماعي وما ينتج عنهما من جرائم وفساد.
في عام 2003 أصدرت الكاتبة لورين وايزبرغر روايتها التي أصبحت من الكتب الأكثر مبيعا وتحولت الى فيلم الشيطان يلبس برادا The Devil Wears Prada، وبرادا من الماركات المشهورة، وتبين الرواية ضحالة وفساد عالم الموضة والأزياء، وهذه شهادة غربية تدين هذه الصناعة من الداخل وتظهر الهوس بها كأمر شيطاني مدمر.
من حقنا أن نلبس ثوبا جميلا ونأكل لقمة طيبة ويؤوينا مسكن كريم، ولكن أخلاقنا وعلومنا وأمانتنا هي ما يقدمنا أو يؤخرنا وليس زخرف الدنيا وسراب المظاهر، ومن لم تنفعه تلك فلن تنفعه الماركات وصدق من قال ‘لا تحاول أن تجعل ملابسك أغلى شيء فيك حتى لا تجد نفسك يوما أرخص مما ترتديه’. أذكر يوم أوصت لنا المدرسة على زي للرياضة أنا سألنا معلمتنا عن ماركة الملابس فأجابت ‘ماركة اغسل والبس’! يومها كانت الدنيا بخير والناس طيبون يوزنون بآدابهم لا زيهم وثيابهم!
د.
ديمة طارق طهبوب