‘الماركتينغ السياسي’ ودينامية حركة 20 فبراير.. الرهانات والآفاق

حجم الخط
0

محمد باهي أضحت مقاربة ومناولة الراهن السياسي مثار رغبة ملحة ونزوع فضولي للكشف عن العديد من التمظهرات السلبية، إذ شكلت في رأي المراقبين موضوعات نقاش ساخنة داخل مختلف الأوساط الاجتماعية التي كان يحدوها أمل كبير في تجسيد فلسفة فعلية للعمل السياسي، وإعادة الاعتبار والأخلاق للممارسة السياسية على خلفية مرحلة التناوب التوافقي، وانتهاء بما اصطلح عليه بمرحلة الانتقال الديمقراطي، ليفتح المجال أمام تناسل العديد من التساؤلات عما آل إليه الراهن السياسي في التعاطي مع التدبير اليومي للشأن العام في غضون المرحلة الثالثة التي دشنت أولى مراحلها بإشكالية اعتبرت في نظر البعض خروجا عما اصطلح عليه بالمنهجيه الديمقراطية، وما يستشرفه المتتبعون حاليا في ظل مقتضيات الدستور الجديد، وما سيواكبه من قوانين انتخابية وضوابط قانونية، وما ستتخلله الصيرورة من إجراءات وتدابير تقتضي في تنزيلها الحزم والجدية. فرغم حالة التيه والتمزق والتردي والتشرذم، باعتبارها أضحت السمات البارزة للراهن السياسي فإن حالة الانكسار والإحباط أنتجت خطابا تعويضيا ونكوصيا تتوضح تجلياته في اللجوء الاضطراري إلى ميكانيزمات الاجترار والتغني بشعارات براقة وفضفاضة من قبيل: مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي الثقافة السياسية الجديدة رد الاعتبار للممارسة السياسية الحداثة….. هذه الممارسات والأساليب التعويضية اعتبرت في نظر المتتبعين هروبا إلى الأمام وعجزا مكشوفا للتصدي للإشكالات والقضايا الكبرى، التي تعتبر مؤشرا حقيقيا للاختلالات والانزلاقات التي ظلت جاثمة على الوضع الاجتماعي ومستنزفة الوضع الاقتصادي. فالظرفية كانت تقتضي استجماع القوى واستنهاض الهمم من قبل التنظيمات السياسية استنادا إلى المهام الموكولة إليها بمقتضي الدستور للارتقاء بالممارسة السياسية إلى مرتبة تؤهلها إلى إعادة الثقة للمواطن وربط جسور التواصل بالقواعد، وتحديث الهياكل والأجهزة والتداول على القيادات الحزبية وفق أسس ومقومات تجسد التكريس الحقيقي والموضوعي للديمقراطية الداخلية، إلا أن حالة التوجس والتمركز حول الذات والحذر، شكلت منعطفا في تاريخ الممارسة السياسية التي عرفت مزيدا من التراجع ليكون المآل: الانتظارية الرتيبة الانزواء المحتشم والركون الخانع إلى الخلف… وبحلول الظرفية الانتخابية الأخيرة، وجدت تلك التنظيمات نفسها معزولة في أرخبيل التيه والنفور، ورغم نداءات الاستنجاد والاستعطاف فإن الهوة ازدادت اتساعا وتباعدا مع قواعدها مما أضفى على العملية الانتخابية ‘نكهة حداثية’ تجلت مظاهرها في مسلكيات جديدة تستمد خططها الاستراتيجية من رحاب ‘الماركتينغ السياسي’ حيث سجلت العديد من التجاوزات والممارسات المشينة التي تمثلت في عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه في مجالسها ومؤثمراتها الوطنية، حيث كانت القصدية مكشوفة في التخلص من المناضلين، حين بادرت بعض الأحزاب إلى استقدام مرشحين جدد تحت طائلة مبررات ضرورة التكيف مع المرحلة، وضخ دماء جديدة، والانفتاح على الطاقات من ذوي النفوذ وسلطة المال، فمنحت التزكيات مع سبق الإصرار والترصد لأشخاص مشهود لهم بالتنطع القياسي ذات اليمين وذات اليسار ليعودوا صبيحة الإعلان عن النتائج النهائية إلى مواقعهم الطبيعية بنصر مظفر معتبرين التزكية ‘محطة ترانزيت’ فقط ولا علاقة لها بالضرورة الحتمية لاحترام إرادة الناخبين الذين تم الالتفاف على أصواتهم من قبل المؤسسة الحزبية المانحة للتزكية وكذا الشخص الممنوحة له، باعتبار الأولى كانت تراهن استنادا إلى هذه الممارسة إلى حشد الأصوات المعبر عنها للرفع من سقف (الكوتا) المخصصة لتغطية الحملة الانتخابية، على حساب التحايل الذي مارسته على الناخبين والإسهام الفعلي في إعداد مرشحين وتأهيلهم لتكريس ثقافة الترحال للانخراط ضمن شبكة الرحل. ولعل الملفت للنظر كون هذه الممارسات في ظل التغني ‘بالمشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي والثقافة السياسية الجديدة…’ شكل نفورا جماعيا في التعاطي مع العمل الحزبي، الأمرالذي أفضى إلى حالة التيه والضعف والتردي التي فتحت الأبواب مترعة أمام تنشيط منظومة النظرية الانشقاقية لتجاوز تصاعد حمى الاحتجاجات، حيث لجأت بعض التنظيمات السياسية إلى تصريف صداعها النصفي بقص أجنحتها الأكثر تشددا وراديكالية، فكان المآل انشقاقات وولادة حزيبات تصرف أمورها من خلال العزف على أوثار الزعامة والكاريزمية في غياب تصريف حقيقي لاستراتيجية أكثر واقعية لهياكل وأجهزة موكول إليها تصريف تقافتها الحزبية بمنهجية صرفة تعيد الاعتبار للعمل السياسي.

تلك أبرز التداعيات التي صرفت جراءها مجهودات كبرى من قبل اختصاصيي ومهندسي تصريف المؤثمرات المزاجية بغية صرف النظر عن الإرادة الحقيقية للمؤثمرين، لينصرفوا غاضبين يتدبرون تصريف ‘المكتوب’ بما يريح ضمائرهم ويحافظ على مبادئهم ومواقفهم الثابتة التي لن تصرف وفق منظورهم إلا في إطار ما يرجح كفة المصلحة التنظيمية… وأمام حالة الانكسار والانتظارية تم الإسراع بخلق تحالفات في مرحلة سابقة اعتبرت من منطلقها هشة وضعيفة ولا تستند إلى أي مشروع سياسي متكامل ومتجانس في خلفيته الإديولوجية ومبادئه ومواقفه التنظيمية، حيث اقتصر التحالف على التنسيق في مجالات ذات طابع تشريعي سعيا إلى البحث عن سند الدعم والتقوية، إلا أن تنسيقا براغماتيا من هذا القبيل لن يؤدي إلا إلى تكريس مزيد من الهشاشة والضعف استنادا إلى المثل الشائع: تشبث غريق بغريق.

ما يمكن استنتاجه كون الراهن السياسي أضحى يشكل إحدى الاهتمامات اليومية على إيقاع النقاشات الساخنة للمواطن العادي في ظل الرؤية الاستشرافية للمرحلة القادمة التي ستستمد مقوماتها من الدستور الجديد، وتأخذ نفسها من زخم صيرورة الحراك الاجتماعي والشعبي الذي تؤطره حركة 20 فبراير الشبابية، حيث لازالت تتناسل التساؤلات عن مكمن الخلل الذي اعتبر المحدد الأساسي لتشخيص الأعراض ورصد الاختلالات والنواقص والمنزلقات، بدءا من ظاهرة التمركز حول الذات وانتهاء بالممارسة السوريالية للعمل السياسي: تعدد الطروحات والمواقف تدبدب الأفكار والمبادئ والتصورات منح مزيد من التنازلات إبداء الجدية والتحفظ في التعاطي مع القانون الجديد للانتخابات الموافقة غير المشروطة على التسريع بالاستحقاقات التشريعية، وإذا ما استمر الراهن السياسي في الترهل والانكماش بهذه الوثيرة بتعدد مظاهرها وتنوع أعراضها وتشخيصاتها فإن ‘الموت الإكلينيكي’ على الموعد في غرفة ‘الإنعاش السياسي’ على خلفية التضحية بالجماهير الشعبية والتنكر لقضاياها وهمومها ومعاناتها اليومية، وعيا منها على حد قول أحد المفكرين الكبار، أنه زج بها لولوج غرفة انتظار شاسعة ورحبة، ولا مخرج منها إلا باستعادة الراهن السياسي لمكانته وتجسيد المهام المنوطة به ميدانيا بشكل حقيقي وواقعي، إلا أن ذلك لن يتأتى في رأي المراقبين إلا بمزيد من نكران الذات وتجاوز التشبت المفرط بمظاهر الزعامة والكاريزمية، والإعداد لخلق أقطاب قوية كفيلة بتجسيد خارطة سياسية حقيقية تفرز أغلبية ذات تمثيلية واقعية متكاملة متجانسة ومنسجمة، ومعارضة قوية قادرة على تقويم الاعوجاج ووضع حد للاختلالات والانزلاقات، مع الأخذ بعين الاعتبار ما تتداوله بعض الأوساط حول إمكانية انخراط مناضلي حركة 20 فبراير في دينامية العمل السياسي، وهو رهان قد يمنح الظرفية شحنة قوية، ويعمل على تغيير مجريات التحالفات والتجاذبات، ويشكل في المحصلة النهائية استثناء مغربيا داخل المحيط العربي، وهو مسعى إيجابي لإعطاء العمل السياسي نفسا جديدا بنكهة خيارات الربيع العربي ونسائمه التي قد تعم سائر أقطار الوطن العربي.’ كاتب صحفي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية