الماقبليّات السّتة!

حجم الخط
0

خيري منصور

اذا صحّ ما قاله برناردشو بسخريته اللاذعة عن الناس الذين يفرطون في الثرثرة عما ينقصهم، ومنهم ادعياء الصدق والوطنية والشرف، فإن العرب المعاصرين وبمعنى ادق المعصورين الى آخر قطرة هم الاكثر كلاما عن الديموقراطية والوحدة واخيرا عن المابعديات… بدءا من ما بعد الحداثة حتى ما بعد الاستقلال وما بعد الثورة.

والحقيقة كما تتجلى في نسيج الواقع بمجمل خيوطه ومكوناته ان من يتحدثون عن المابعديات يعيشون في الماقبليات، ولكي لا نبقى في نطاق التجريد والتعميم والتعويم ايضا سنأخذ هذه الماقبليات على التوالي… ما قبل الحداثة صدر بيان نعي الحداثة في المانيا كما يقول مكفرلن عام 1815 اي قبل ما يقارب القرنين، وفي ذلك الوقت كان العرب من خلال رواد واصلاحيين يبشرون بالتحديث، بدءا من محاولات محمد علي باشا وما ارسله من البعثات الى اوروبا، وكذلك انشاء مدرسة الالسن لتعليم اللغات، لكن هذا الفهم للحداثة بقي في نطاق الجيش ومحاكاة الغرب في التعليم وتزامن معه تيار إحيائي، يتمدد الى الماضي لاعادة انتاجه وبعث ما كان محتضرا فيه او على وشك الموت… وبالرغم من القصور في هذا الفهم للحداثة، سرعان ما أجهضت، سواء من خلال الهزيمة العسكرية لمحمد علي ومشروعه او من حيث الارتداد الى الماضي باعتباره قادما من المستقبل وشاملا لكل عصور، وهنا لعب التقويل كبديل للتأويل دورا كبيرا في تعذيب النصوص على طريقة قاطع الطريق اليوناني بروكوست، وذلك لكي تعترف رغما عنها بما لم تقترف. واذا استطردنا لفحص عينات من الواقع العربي خلال القرن الماضي برمته والعقد الاول من هذا القرن فإن ما قبل الحداثة هو التوصيف الدقيق لكل الظواهر التي أفرزتها الحياة الاجتماعية والسياسية، وهناك ظاهرة اقرب الى الكوميديا هي التوهم بأن الحداثة تبدأ من تغيير الاسماء التقليدية، فما من حليمة او خديجة او فاطمة او سليمة بين اسماء الفتيات العربيات باستثناء منطقتين هما المغرب العربي واقطار الخليج العربي، لاسباب ذات صلة بالتركيب الاجتماعي والموروث، فالسماء العربية التقليدية المنحوتة من الابجدية قي طريقها الى الانقراض، وذلك بتأثير واسع من رؤى سياحية اكثر مما هي تربوية او ثقافية خضعت لما سماه ابن خلدون انجذاب المغلوب الى الغالب ومحاكاته وهو ما كتب عنه بعد ابن خلدون بشكل عميق كل من د. فرانز فانون و مالك بن نبي، وان كان الغالب في زمنهما هو الاستعمار بشقيه الفرانكفوني والانغلوساكسوني وليس الفرس او الروم او اي غالب آخر في الماضي، وتبعا لهذا تحولت ظاهرة الغساسنة والمناذرة وهم حراس الثغور الى كومبرادور عصري سواء بالمعنى الاقتصادي او الثقافي.

ما قبل الدولة قد يكون ما كتبه الانثروبولوجست بيار كلاستر عن حقبة ما قبل الدولة هو الأدق والأشمل في التعبير عن تشكلات اجتماعية تتحكم في نسيجها اعراف القبيلة ويصبح نفوذ الكلام كله مرتهنا للسيد المالك، خصوصا في أنماط انتاج رعوية.

ما قبل الدولة هو بالضرورة ما قبل القانون، فثمة ما يسدّ فراغ القوانين والدساتير بمعناها العصري، وهو تقاليد ذات سطوة لا تقاوم والاحتكام في مجتمعات من هذا الطراز يكون لمنظومة من الاعراف المتوارثة.

ما قبل الدولة تكون القبيلة هي المرجعية والمحور ومصدر الانتماء، وقد تسللت الى الحزب والنقابة وكل الصّيغ المدرجة في خانة الدولة ولو على صعيد شكلي، فالبرلمانات العربية التي عرفت نماذج من طراز برلمان الامبراطور كاليغولا خضعت لهذا التسلل الذي أبطل مفاعيلها، وليس المقصود بما قبل الدولة غياب الاقانيم الثلاثة التي تتشكل منها الدول كالارض والناس والحاكم، لأن هناك اقنوما رابعا جرى حذفه من التعريفات الكلاسيكية للدولة، وهو السياق او البوتقة الكبرى التي تندمج فيها هذه الاقانيم، فالدولة بمعنى ما هي فائض حاصل الجمع للعناصر المكونة لها، وهذا ما يعطي النشيد والعلم والهوية البعد الرمزي الذي تخاض من اجله حروب ويموت فيه بشر بمحض ارادتهم.

ما قبل الكهرباء رغم ان هذا الاختراع حرّر الليل من اشباحه ومن شكوى الشعراء القدامى من طوله ومن قاطعي الطرق الذين يتحالفون مع الظلام، الا ان الواقع العربي في بعده الاجتماعي ما يزال يعيش حقبة ما قبل الكهرباء.

فالليل يبدأ في مدن لا تشكو من شحة الاضاءة مع غروب الشمس والفتاة التي تتأخر عن العودة الى المنزل بعد الغروب تُدان، رغم ان حريتها موفورة من خلال الدراسة او الوظيفة ان تفعل ما تشاء خلال ساعات النهار، فالليل ما يزال مُعتقلا في صورته القديمة وكثير من الفعاليات الثقافية والاجتماعية في بعض المدن العربية ومنها عواصم تحدد مواعيدها تبعا للغروب، ويبدو ان كل هذه الكهرباء لم تستطع حتى الان تحرير الليل العربي من اشباحه القديمة.

ما قبل الماغناكارتاكنا نظن وبقدر من التفاؤل ان الواقع العربي يعيش ما قبل العقد الاجتماعي لروسو.. لكن النظرة غير الأفقية لديناميات هذا الواقع وعلاقة حكّامه بمحكوميه تجعلنا أميَل الى الاعتقاد بأنه يعيش قبل وثيقة الماغناكارتا البريطانية، فالنظم التي تراوح بين الاتوتوقراطي والثيوقراطي والباترياركي ما تزال قائمة وتتصرف كما لو انها تملك بوليصة تأمين تاريخية تحصنها ضد التغيير، وحين انتقلت عدوى الوراثة الى السياسة والفن لم تتوقف عند نظم رسمية، اذ سرعان ما اصيبت بها المعارضات السياسية ونحن نعرف نماذج لهذا النمط من الوراثة، وذلك لأن النظام ومعارضيه ولدا من رحم تاريخي واحد وقرآ على يد الشيخ ذاته… ولو تركنا الماغناكارتا البريطانية والعقد الاجتماعي الفرنسي جانبا وعدنا الى السّخاوي وابن خلدون لوجدنا ان النظم من هذا الطراز تعيش ما قبل هؤلاء… وقد استطاع النظام الشمولي او شبه الشمولي في مجتمعات نيّئة ان يوظف ثلاثة من اهم الشهود المناط بهم التغيير والنقد، هم رجل دين غيّر بوصلته واستبدل الرب بقيصر، ومثقف عاد من منتصف الطريق او أوله ليختصر المشوار ويحقق احلامه الصغيرة بأقصر الطرق، حتى لو تطلّب ذلك تزوير التاريخ وتحريف الوقائع والوشاية بمن مضوا في الطريق حتى النهاية، وشاهد رأى بأم العين وعن كثب الجلاد وهو يتلذذ باستغاثات الضحية ثم أشاح عنها ليقول عكس ما رأى، ومن هؤلاء من تعاطف مع سيده الجلاد لأن يده اوجعته من فرط استخدام السياط.

شهود الزور غيّروا دساتير وبحثوا في احلك مراحل السقوط من تاريخنا عن سند لاطروحاتهم الملفقة.

ما قبل الهاتف رغم ان الهواتف بأشكالها التي تطورت من البدائي الى ما بعد الانترنت كانت وظيفتها اختصار الوقت، تحولت في واقع استوردها ولم يستورد وظيفتها الى العكس تماما، فما ينفقه العرب على الثرثرة يعادل ما ينفقونه على التعليم والصحة والدفاع ولا ينافس هذه الثرثرة في الهواء غير ما أنفقوه على التسليح الذي انتهى الى احدى نتيجتين: الصدأ في المخازن او اقتتال ذوي القرى!

لقد سخّر التخلف وفيروساته الماهرة والرشيقة في التأقلم منجزات التكنولوجيا لعكس ما اخترعت من اجله، فالنميمة الان مؤَتْمَتَة وللكذب تكنولوجيا تجعله منافسا للصدق، وللفساد اسماء حركية ومستعارة من معاجم السوق والبورصة، فالبغيّ لها اسم آخر هو جزء من مساحيق التجميل، والسمسار لم يعد كذلك، حتى من يقترف خيانة عظمى حمل اسما اخر يزهو به لأنه مجرد مفكر مختلف عن العامة.

ان اعدادا كبيرة من العرب الذين يملكون هواتف ارضية يزورون بعضهم بشكل مفاجىء ويحرجون بعضهم في هذه الزيارات المفاجئة.

ما قبل المنظقما نعنيه بهذا المصطلح ليس ما قاله المستشرقون عن العقل العربي وهو PRELOGICAL فالمنطق الذي نعنيه هو ما قبل ارسطو وبالتأكيد ما قبل روجر بيكون، لأن نفوذ الكلام ما يزال مرتبطا بالأقوى والمتحكم بنمط الانتاج وصانع السعادة والشقاء… فالنعمان بن المنذر غيّر اسمه ايضا، ويوماه المقسمان الى بؤس ونعيم حملا اسماء وصفات ومبررات معاصرة، لا يدريها الا الفقهاء في تكنولوجيا النفاق والتزوير والتبرير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية