المالكي وعناده الفارغ

«لا أتوقع أن يتخلى المالكي عن السلطة بشكل طوعي»… هذا ما قاله جيمس جيفري السفير الأمريكي السابق في بغداد (2010-2012) عن تمسك نوري المالكي بالترشح لولاية ثالثة رئيسا للوزراء رغم كل ما لحق ببلاده. لا شك أن الدبلوماسي الأمريكي لا يتحدث هنا بمزاجية بل عن معرفة شخصية جيدة بالرجل مدعومة بآلاف التقارير. لهذا فهو يعتقد، كما قال لتلفزيون البي بي سي العالمي أن « على المجتمع الدولي أن يستمر بالتعاون مع الولايات المتحدة في الضغط على حكومة بغداد بشدة في محاولة لإيجاد بديل لرئيس الوزراء نوري المالكي و تشكيل حكومة عراقية توافقية».
أهمية هذا الكلام أنه يأتي مباشرة بعد إعلان المالكي أنه لن يتنازل «أبدا» عن ترشحه لولاية ثالثة رغم كل المعارضة الداخلية والخارجية، بل ورغم دعوة المرجعية الشيعية للإسراع في تشكيل حكومة توافق وطني واسعة لا يمكن للمالكي عمليا أن يكون هو رئيسها ، وكذلك رغم سحب رئيس البرلمان أسامة النجيفي ترشحه للمنصب مرة أخرى لإفساح المجال أمام توافقات جديدة. هنا يظن المالكي أن له في جاره بشار الأسد «القدوة الحسنة» فها هو حليفه الحالي وخصمه السابق ما زال على رأس السلطة في سوريا رغم أنها باتت في معظمها خرابة مستباحة بالكامل. هو بالمناسبة يشترك مع صاحبه في نقطة مهمة للغاية: كلاهما كان بإمكانه أن يستوعب بسرعة موجة الغضب ضده بالحوار و جملة إصلاحات، لكن العناد والعجرفة عفـّـــنا الأوضاع فتحول الإحتجاج السلمي إلى مسلح وهذا الأخير فتح الباب واسعا أمام كل أنواع التخل الأجنبي والتنظيمات المتطرفة. وكما صم الأسد أذانه على نصائح و مقترحات حملها له مبعوثون لأنظمة كانت صديقة حميمة له كتركيا و قطر وكذلك الأمين العام لجامعة الدول العربية ووسطاء آخرون، ها هو المالكي يكرر بدوره نفس السيناريو مع أن الأسد لم يكن وقتها بنفس سوء الوضع الذي عليه المالكي الآن.
أكبرا سند للمالكي طوال السنوات الماضية كانا طهران وواشنطن، في التقاء ضمني أو مخطط لا يهم الآن، و مع ذلك لا يبدو أن الرجل في وارد التقاط الرسائل «المهذبة» التي تطلقها كل من إيران و الولايات المتحدة كل على طريقته ولأهداف مختلفة. إيران أكدت على لسان نائب وزير خارجيتها حسن أمير عبد اللهيان أن بلاده تدعم ترشح رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي لولاية أخرى لكنها لا تمانع في وصول أي شخصية أخرى يختارها البرلمان العراقي. أما الولايات المتحدة فقد كانت جلسة وزير خارجيتها جون كيري مع المالكي، و التي سرب محضرها ونشر مؤخرا، أكثر من معبـّــر فقد كان رئيس الدبلوماسية الأمريكية طوال الجلسة يريد أن يقول للمالكي أنك لست رجل المرحلة المقبلة لكن الرجل بد مصرا على الظهور بمظهر من لم يلتقط ذلك.
الملفت هنا وجود ملاومة خجولة بين طهران وواشنطن في الملف العراقي فالأولى انتقدت الثانية لأنها «لم تفعل أي شيء ملموس لمكافحة الإرهاب» كما قال اللهيان في إشارة منه لما يعتبره تقاعسا في ضرب التنظيمات المسلحة في العراق وعلى رأسها «تنظيم الدولة الإسلامية» معتبرا الموقف الأمريكي «مشبوها في أفضل الأحوال» خالصا إلى أن «لا حاجة للتعاون أو النقاش مع الولايات المتحدة بخصوص العراق» وهو موقف، للمفارقة، أقرب لطلب هذا التعاون منه إلى رفضه. في المقابل تدرك واشنطن أن بقاء المالكي أو رحيله بيد طهران لكنها تستنكف الآن عن طلب ذلك مباشرة من الإيرانيين تاركة ذلك كجزء من الصفقة المتكاملة التي يسعى الطرفان لها بعد حسم الملف النووي.
بإمكان المالكي أن يعاند كما يشاء، و لكنه لن يستطيع أن يفلت حاليا من وضعه المزري مجرد ورقة مساومة في يد الإيرانيين في علاقتهم مع الأمريكيين. وعندما يتفق الطرفان قريبا سيكتشف المالكي أنه بات ورقة محروقة بالكامل بعد أن أضاع على نفسه وبلده فرصة الخروج بكرامة.

محمد كريشان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية